كشفت السنوات الأخيرة عن واحدة من أكثر القضايا المالية إثارة للجدل في بريطانيا، بعدما أظهرت تقارير رقابية وبرلمانية أن مليارات الجنيهات الإسترلينية تسربت عبر برامج الدعم الحكومي والمساعدات الاجتماعية خلال فترة جائحة كورونا وما بعدها. وبينما ارتبطت معظم هذه الأموال بشبكات احتيال وجريمة اقتصادية منظمة، برزت تساؤلات أمنية متزايدة حول مصير جزء من الأموال المفقودة وإمكانية تسللها إلى شبكات مالية غير مشروعة عابرة للحدود.
تكتسب هذه المخاوف أهمية خاصة في ظل اعتماد عدد من التنظيمات الإرهابية الدولية على أدوات غسل الأموال والتحويلات غير الرسمية والشركات الوهمية لتأمين التمويل اللازم لأنشطتها. فتنظيمات مثل “داعش” و”القاعدة” و”حركة الشباب الصومالية” و”بوكو حرام” طورت خلال العقدين الماضيين شبكات مالية مرنة تستفيد من الثغرات الموجودة في النظام المالي العالمي، الأمر الذي يجعل أي اختراق واسع النطاق للرقابة المالية محل اهتمام مباشر من أجهزة الأمن ومكافحة الإرهاب.
مليارات ضاعت في زمن الأزمات
أطلقت الحكومة البريطانية خلال جائحة كورونا حزمة واسعة من برامج الدعم الاقتصادي بهدف حماية الشركات والوظائف ومنع انهيار قطاعات كاملة من الاقتصاد. وكان برنامج “قروض الارتداد” من أبرز هذه المبادرات، حيث مُنحت الشركات الصغيرة إمكانية الحصول على قروض سريعة بضمانات حكومية واسعة.
غير أن السرعة التي رافقت تنفيذ البرنامج جاءت على حساب مستويات التدقيق المعتادة. واستغلت مجموعات احتيالية هذا الواقع لإنشاء شركات وهمية أو استخدام بيانات مضللة للحصول على أموال عامة بصورة غير قانونية. وتشير تقديرات الجهات الرقابية البريطانية إلى أن قيمة القروض التي تعرضت للاحتيال بلغت نحو 4.9 مليار جنيه إسترليني.
ولم تتوقف المشكلة عند هذا الحد، إذ أظهرت بيانات رسمية أن خسائر الاحتيال والأخطاء في منظومة المساعدات الاجتماعية البريطانية بلغت نحو 8.6 مليار جنيه إسترليني خلال السنة المالية 2025-2026. وتعكس هذه الأرقام حجم التحديات التي واجهتها الدولة في إدارة برامج إنفاق ضخمة تحت ضغط الظروف الاستثنائية التي فرضتها الجائحة.
وعلى الرغم من عدم وجود بيانات رسمية توضح حجم الأموال التي غادرت بريطانيا أو انتقلت إلى جهات متطرفة، فإن السلطات أقرت بصعوبة استرداد جزء كبير من الأموال المفقودة بعد انتقالها عبر شبكات مالية معقدة داخل البلاد وخارجها.
انتقادات برلمانية وتحذيرات أمنية
أثارت هذه الخسائر ردود فعل واسعة داخل المؤسسات البريطانية. فقد وجهت لجان برلمانية رقابية انتقادات حادة للحكومة بسبب ما وصفته بالتهاون في تقدير مخاطر الاحتيال خلال تصميم برامج الدعم وتنفيذها.
وركزت الانتقادات على غياب التوازن بين سرعة صرف الأموال ومتطلبات الرقابة والتحقق، معتبرة أن بعض القرارات الاستثنائية فتحت المجال أمام استغلال واسع النطاق من قبل شبكات الجريمة الاقتصادية. كما سلطت التقارير البرلمانية الضوء على الصعوبات التي واجهتها أجهزة إنفاذ القانون في ملاحقة الأموال واستعادة الأصول بعد انتقالها إلى قنوات مالية معقدة.
وبالنسبة للأجهزة الأمنية، فإن القضية لا ترتبط فقط بالهدر المالي، بل بالمخاطر الناتجة عن قدرة الجماعات الإجرامية على استغلال الثغرات الحكومية وتحويل الأموال إلى شبكات مالية دولية يصعب تعقبها.
شبكات الإرهاب والاقتصاد الخفي
تعتمد التنظيمات الإرهابية الحديثة على منظومات مالية متنوعة لضمان استمرار أنشطتها. فبعد الضربات التي تعرضت لها مصادر التمويل التقليدية خلال السنوات الماضية، اتجهت العديد من هذه التنظيمات إلى استخدام وسائل أكثر تعقيداً تشمل العملات المشفرة، والتحويلات غير الرسمية، والشركات الوهمية، والأنشطة التجارية التي تستخدم كواجهات مالية.
ويُعد تنظيم “داعش” من أبرز الأمثلة على ذلك، إذ نجح خلال فترات مختلفة في استغلال شبكات التهريب والتحويل المالي غير الرسمي لنقل الأموال بين مناطق متعددة. كما اعتمد تنظيم “القاعدة” وفروعه الإقليمية على شبكات وسطاء ماليين وأنشطة تجارية لتجاوز القيود المفروضة على التحويلات المصرفية.
أما “حركة الشباب” في الصومال فقد استفادت لسنوات من أنظمة الحوالة التقليدية والرسوم المفروضة على الأنشطة الاقتصادية المحلية، في حين اعتمدت جماعة “بوكو حرام” في نيجيريا على مزيج من التهريب والابتزاز والاقتصاد غير الرسمي لتأمين التمويل.
وعلى الرغم من عدم وجود أدلة علنية تثبت وصول أموال برامج الدعم البريطانية مباشرة إلى هذه التنظيمات، فإن خبراء مكافحة الإرهاب يحذرون من أن الشبكات الإجرامية التي تستولي على الأموال العامة قد تتقاطع في بعض الأحيان مع قنوات مالية تستخدمها جماعات متطرفة أو جهات خاضعة للعقوبات الدولية.
غسل الأموال في العصر الرقمي
زاد التطور التكنولوجي من تعقيد المشهد المالي العالمي. فالأموال الناتجة عن الاحتيال لم تعد بحاجة إلى المرور عبر القنوات المصرفية التقليدية فقط، بل يمكن نقلها بسرعة عبر محافظ رقمية ومنصات تداول وعملات مشفرة.
وتشير تقديرات الوكالات البريطانية المختصة بمكافحة الجريمة الاقتصادية إلى أن عمليات غسل الأموال التي تمر عبر المملكة المتحدة سنوياً تقدر بعشرات أو حتى مئات المليارات من الجنيهات الإسترلينية. ولا ترتبط هذه الأموال كلها ببرامج الدعم الحكومي، لكنها تكشف حجم التحدي الذي تواجهه السلطات في مواجهة الاقتصاد الخفي.
كما تستمر شبكات التحويل غير الرسمية في لعب دور مهم في نقل الأموال عبر الحدود بعيداً عن الرقابة المباشرة. وتوفر هذه الشبكات مرونة كبيرة للمجرمين والجماعات المتطرفة على حد سواء، ما يجعلها محوراً دائماً لعمليات الرصد الأمني والمالي.
الأمن المالي بوابة الأمن القومي
تكشف التجربة البريطانية أن حماية المال العام لم تعد قضية إدارية أو محاسبية فحسب، بل أصبحت جزءاً أساساً من منظومة الأمن القومي. فكل ثغرة في أنظمة الرقابة والإنفاق تمثل فرصة يمكن أن تستغلها شبكات الجريمة المنظمة أو الجهات الساعية إلى تمويل أنشطة غير مشروعة.
وقد أظهرت الأزمة أن سرعة اتخاذ القرار خلال الظروف الاستثنائية يجب أن تترافق مع آليات رقابية قادرة على منع الاستغلال والاحتيال. فالأموال التي تضيع بسبب ضعف الرقابة لا تمثل خسارة مالية فقط، بل قد تتحول إلى وقود يغذي شبكات إجرامية عابرة للحدود ويعزز قدراتها على التوسع والتكيف.
إن الدرس الأبرز الذي أفرزته هذه القضية يتمثل في أن حماية الحصون المالية للدولة أصبحت جزءاً لا يتجزأ من حماية الأمن الوطني والدولي، خصوصاً في عصر تتداخل فيه الجريمة المنظمة مع التكنولوجيا الحديثة وشبكات التطرف العابرة للحدود.















