بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

صمود اقتصادي

“ملاذ الظل”.. كيف تحول بحر قزوين إلى الشريان السِّري لإيران وروسيا لمواجهة الحصار الأمريكي

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

تُعيد إيران رسم خريطة الصمود الاقتصادي تحت الحصار، لكن هذه المرة بعيداً عن مضيق هرمز. ففي الوقت الذي تركّز فيه الولايات المتحدة قوتها البحرية على الخليج، تتحرك طهران شمالاً نحو بحر قزوين، حيث تتقاطع الجغرافيا مع الشراكة الروسية لتشكيل شبكة تجارية ولوجستية ومالية يصعب إخضاعها للأدوات البحرية الأمريكية التقليدية، وذلك عبر بناء “منطقة ظل” تستطيع إيران من خلالها توزيع مخاطر العقوبات، وتأمين جزء من وارداتها، والحفاظ على قنوات تجارة وإمداد مع روسيا وآسيا الوسطى.

تنبع أهمية قزوين من طبيعته الجغرافية والسياسية معاً، فهو بحر مغلق تتقاسمه خمس دول، ولا تملك الولايات المتحدة فيه وجوداً بحرياً مباشراً، فيما تقيّد اتفاقية “أكتاو” للعام 2018 وجود قوات مسلحة لدول غير مطلة عليه. وهكذا يتحول البحر إلى مساحة مختلفة تماماً عن الخليج، أكثر تحصيناً من أدوات الضغط العسكري المباشر.

جغرافيا تقيّد النفوذ الأمريكي

تمنح طبيعة قزوين إيران وروسيا ميزة لا تتوافر لهما في الممرات البحرية المفتوحة. ففي الخليج، يمكن للولايات المتحدة مراقبة حركة السفن وفرض ضغط مباشر على خطوط الملاحة، بينما يتطلب التعامل مع قزوين شبكة من الأدوات السياسية والمالية والاستخباراتية أكثر تعقيداً.

هنا تكمن قيمة الاتفاقية الدولية. فحظر وجود قوات عسكرية لدول غير ساحلية لا يلغي العقوبات ولا يمنع واشنطن من ملاحقة الشركات المرتبطة بالتجارة الإيرانية، لكنه يحدّ من إمكانية تحويل قزوين إلى ساحة انتشار بحري أمريكي على غرار الخليج أو شرق المتوسط.

لذلك لا تراهن طهران على حصانة مطلقة، بل على رفع كلفة الحصار، فكلما انتقلت التجارة إلى منطقة تقل فيها قدرة واشنطن على استخدام القوة البحرية، اضطرت إلى الاعتماد أكثر على العقوبات المالية، ومراقبة الشركات، وتعقّب السفن والوسطاء، وهي أدوات يمكن التحايل عليها عبر تعدد حلقات التجارة.

أسطول الظِّل يوسع نطاقه

تدخل خبرة إيران في الالتفاف على العقوبات هنا في صلب المعادلة، فقد طورت خلال سنوات الضغط الأمريكي شبكات شحن وشركات وسيطة تسمح بإخفاء مسارات بعض الشحنات ومصادرها، ولم يعد هذا النشاط محصوراً في الخليج.

وتشير تقارير تتبع الملاحة إلى استخدام بعض السفن الإيرانية والروسية في قزوين تقنيات مثل إطفاء أنظمة التعريف الآلي (AIS)، إلى جانب الخداع الجغرافي لتزييف بيانات المواقع وإرباك عمليات التتبع. وتكتسب هذه الممارسات أهمية أكبر عندما ترتبط بشبكة تضم موانئ إيرانية مثل بندر أنزلي وأمير آباد، وموانئ روسية مثل أستراخان وأوليا، ثم طرقاً برية وسكك حديد تمتد إلى الداخل الروسي وآسيا الوسطى.

المسألة إذن مرتبطة بتجزئة الرحلة نفسها، لا بإخفاء سفينة. وكلما زادت نقاط العبور وإعادة الشحن والتخزين والوسطاء، أصبح من الصعب على العقوبات استهداف العملية التجارية بأكملها بضربة واحدة.

لم يكتسب قزوين هذه القيمة من إيران وحدها، فروسيا هي الحلقة التي تحول البحر من منفذ شمالي إلى جزء من شبكة أوراسية أوسع.

وقد دفع الصدام الروسي مع الغرب والعقوبات المفروضة على موسكو وطهران إلى تسريع بناء طرق تجارية خارج البنية الغربية. ويبرز ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب (INSTC) باعتباره العمود الفقري لهذه العملية، إذ يربط روسيا بإيران والأسواق الواقعة جنوبها عبر شبكة من الموانئ والطرق والسكك الحديدية.

ومع توسع التعاون بين البلدين، اكتسب الممر بُعداً يتجاوز التجارة المدنية. فقد أصبح قزوين جزءاً من منظومة نقل مرتبطة بالتعاون العسكري الإيراني-الروسي، بما في ذلك مكونات مرتبطة بالطائرات المسيّرة، في حين تتدفق في الاتجاه المعاكس الحبوب والمواد الصناعية والسلع الاستراتيجية إلى إيران.

هنا تتحول العلاقة إلى بنية صمود متبادل، موسكو تحتاج إلى قنوات إمداد أقل تعرضاً للعقوبات الغربية، وطهران تريد أسواقاً ومصادر للسلع بعيدة قدر الإمكان عن النظام الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة وحلفاؤها.

اقتصاد موازٍ خارج الدولار

يمثل الجانب المالي الوجه الآخر للممر البحري، فإيران وروسيا تتجهان إلى زيادة استخدام العملات المحلية، ولا سيما الريال والروبل، إلى جانب المقايضة وإعادة التصدير والوسطاء التجاريين. بالطبع، لم يستطع البلدان بعد إنشاء نظام مالي مستقل بالكامل عن الدولار، لكنهما يحاولان تقليل عدد العمليات التي تحتاج إلى المرور عبر المؤسسات المصرفية الغربية.

يمكن القول أيضاً، إن المقايضة وإعادة التصدير تمنحان ميزة إضافية تتمثل بفصل حركة السلعة عن مسار المال. فعندما لا تكون الشركة التي تنتج السلعة هي نفسها التي تشحنها أو تبيعها أو تتلقى قيمتها النهائية، تصبح عملية التتبع أكثر تعقيداً.

وهذه تحديداً هي نقطة الصراع بين طهران وواشنطن: إيران تحاول تفكيك مسارات التجارة إلى حلقات صغيرة، بينما تحاول الولايات المتحدة إعادة جمعها معلوماتياً ومالياً لضرب الشبكة بأكملها.

تظهر أهمية قزوين بصورة أوضح عندما نخرج من سؤال تصدير النفط. فإيران تحتاج تحت الحصار إلى استيراد المعدات وقطع الغيار والمواد الخام والسلع الوسيطة والغذاء، وربما تكون هذه الوظيفة أكثر أهمية من قدرة البحر على تصدير الطاقة.

تستطيع الموانئ الشمالية استقبال شحنات من روسيا وآسيا الوسطى، ثم نقلها براً إلى الداخل الإيراني. كما تمتلك طهران خبرة سابقة في المقايضة النفطية مع دول المنطقة، ما يسمح باستخدام الطاقة كجزء من تسويات تجارية لا تعتمد بالكامل على التحويلات المالية التقليدية.

لكن الجغرافيا تضع سقفاً واضحاً لهذه الاستراتيجية. فالموانئ والقدرات الملاحية في بحر قزوين لا تسمح له بمنافسة الخليج في نقل النفط، ولا يستطيع أن يتحول إلى بديل كامل لمضيق هرمز. وهنا تحديداً تكمن الفكرة الأساسية: قيمة قزوين لا تكمن في تعويض هرمز، بل في منعه من أن يكون نقطة الاختناق الوحيدة للاقتصاد الإيراني.

واشنطن تطارد الشبكة

تدرك الولايات المتحدة هذا التحول، ولذلك لم تعد المعركة تقتصر على مراقبة السفن في المياه المفتوحة. فقد توسع الضغط الأمريكي ليشمل شركات الشحن والسفن والوسطاء والمؤسسات المالية وشركات التأمين المرتبطة بالتجارة الإيرانية.

وتحاول واشنطن بهذه الطريقة استهداف الحلقة الأضعف في كل رحلة. فإذا تعذر اعتراض السفينة عسكرياً داخل قزوين، يمكن استهداف الشركة المالكة لها، أو المصرف الذي يمولها، أو شركة التأمين التي تغطيها، أو الميناء الذي يستقبلها.

هكذا يتحول الحصار إلى حرب شبكات. إيران تراهن على الجغرافيا وتعدد المسارات، فيما تراهن الولايات المتحدة على المعلومات والتمويل والعقوبات لتفكيك هذه المسارات قبل أن تتحول إلى بديل مستقر.

ملاذ لا يكسر الحصار

لا يستطيع بحر قزوين بمفرده كسر الحصار الأمريكي. قدراته على صعيد الموانئ والملاحة البحرية محدودة، ولا يوفر منفذاً مباشراً إلى الأسواق العالمية، كما أن استمرار التجارة عبره يعتمد على روسيا والدول الأخرى المطلة عليه.

لكن اختزال دوره في هذه القيود سيكون خطأ استراتيجياً، فقزوين لا يُقاس بكمية النفط التي يستطيع نقلها، وإنما بعدد المسارات التي يستطيع فتحها عندما تغلق المسارات الأخرى، وهذا ما يمنحه قيمته الحقيقية. 

لا تنوي إيران بناء نسخة من هرمز في الشمال، بل شبكة موازية تربطها بروسيا وآسيا الوسطى، وتجمع بين النقل البحري والبري، والتجارة، والمقايضة، والعملات المحلية، وشبكات الشحن التي يصعب تفكيكها بضربة واحدة.

لذلك، فإن المعركة المقبلة حول الحصار لن تكون بحرية فقط. ستكون معركة على الجغرافيا والبيانات والتمويل والموانئ والشبكات. وقد لا يمنح قزوين إيران القدرة على كسر الحصار، لكنه قد يمنع الولايات المتحدة من تحويله إلى حصار كامل.