بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

معركة داخلية

من العقوبات إلى الإفقار الاجتماعي.. الحرس الثوري يستغل اقتصاد الأزمة لإحكام قبضته على المجتمع الإيراني

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

يستغل الحرس الثوري الإيراني تداعيات الحرب الأمريكية–الإسرائيلية والعقوبات المتراكمة لتحويل اقتصاد الأزمة إلى مساحة جديدة لتوسيع نفوذه داخل الدولة والمجتمع. وبينما انشغل العالم بتقييم نتائج المواجهة العسكرية وتداعياتها الإقليمية، كانت طهران تواجه معركة داخلية أكثر تعقيداً، عنوانها إدارة مجتمع أنهكته الضغوط الاقتصادية، وتثبيت دور المؤسسة الأمنية باعتبارها الجهة الأكثر قدرة على التحكم في مفاصل الحياة السياسية والاقتصادية.

لم تكن الأزمة الاقتصادية في إيران وليدة الحرب الأخيرة، بل جاءت نتيجة مسار طويل من العقوبات والعزلة المالية بدأ يتصاعد منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي العام 2018، وما تبع ذلك من سياسة “الضغوط القصوى”. إلا أن المواجهة العسكرية الأخيرة وفّرت للحرس الثوري بيئة أكثر ملاءمة لتعزيز موقعه، بعدما أصبحت اعتبارات الأمن القومي تتقدم على الملفات الاقتصادية والاجتماعية.

فكلما تراجعت قدرة المواطنين على مواجهة أعباء التضخم، وانكمشت مساحة القطاع الخاص، واتسعت دائرة الفقر بين الإيرانيين، ازدادت حاجة المجتمع إلى شبكات الدولة والمؤسسات المرتبطة بها، وهو ما منح الحرس الثوري فرصة لتعزيز حضوره ليس فقط كقوة عسكرية، بل كفاعل اقتصادي وأمني يمتلك أدوات واسعة للتأثير في الداخل.

وفي المقابل، لم يتحول هذا النفوذ المتزايد إلى انتعاش اقتصادي؛ إذ بقي التضخم عند مستويات مرتفعة، وتراجعت قيمة الريال الإيراني، وتعرضت شرائح واسعة من الطبقة الوسطى لضغوط متزايدة. وهنا تظهر المفارقة الأساسية: اقتصاد يزداد إنهاكاً، ومؤسسة أمنية تحول الأزمة نفسها إلى مصدر نفوذ وقدرة على التحكم.

الحرب تعيد ترتيب السلطة

لم تكن الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران مجرّد مواجهة عسكرية مرتبطة بتوازنات الردع الإقليمي، بل أصبحت عاملاً مسرعاً لتحولات داخلية في بنية السلطة. ففي أوقات التهديد الخارجي، تتقدم المؤسسات الأمنية على حساب المؤسسات المدنية، ويصبح خطاب حماية الدولة مبرراً لتوسيع صلاحيات الجهات التي تدير ملفات الدفاع والأمن. وفي الحالة الإيرانية، استفاد الحرس الثوري من هذه البيئة لتعزيز موقعه باعتباره المؤسسة الأكثر قدرة على التعامل مع مرحلة تتداخل فيها الحسابات العسكرية والسياسية والاقتصادية.

ومع تراجع هامش الحركة أمام الحكومة والرئاسة، انتقلت ملفات استراتيجية عدة إلى دائرة النفوذ الأمني، من إدارة الموارد في ظل العقوبات إلى تحديد أولويات السياسة الخارجية والعلاقات مع القوى الشرقية، مثل روسيا والصين. وبذلك، لم يعد الحرس الثوري مجرّد قوة عسكرية تحمي النظام، بل أصبح شريكاً أساساً في تحديد اتجاهاته وخياراته.

اقتصاد الأزمة كنفوذ

لم تبدأ علاقة الحرس الثوري بالاقتصاد مع الحرب، لكنها أسهمت في توسيع دوره داخل نموذج اقتصادي تشكل تحت ضغط العقوبات. فمع تراجع قدرة القطاع الخاص على المنافسة، وتضييق الخناق على القنوات المالية التقليدية، برزت المؤسسات التي تمتلك شبكات واسعة وقدرة على العمل في بيئات معقدة، وفي مقدمتها مقرّ “خاتم الأنبياء للإعمار”، الذي أصبح لاعباً رئيساً في قطاعات البنية التحتية والطاقة والنقل.

كما عززت العقوبات النفطية والقيود المالية دور اقتصاد الظل، الذي أصبح أحدى الأدوات الرئيسة للحفاظ على تدفق الموارد. وفي هذا السياق، تحول الحرس الثوري إلى جهة لا تكتفي بإدارة الملفات الأمنية، بل تسهم أيضاً في إدارة اقتصاد يعمل تحت الحصار.

وهكذا، لم يعد الاقتصاد الموازي مجرّد وسيلة للالتفاف على العقوبات، بل أصبح جزءاً من شبكة النفوذ التي تمنح الحرس قدرة أكبر على التأثير في الدولة والمجتمع.

الفقر يضعف المجتمع

يشكل الانهيار الاقتصادي أحد أهم العوامل التي ساعدت على تعزيز قبضة السلطة الأمنية، فكلما ازدادت الضغوط المعيشية، تراجعت قدرة المواطنين على الانخراط في النشاط السياسي أو الاحتجاج المستمر.

فالتضخم، وتراجع قيمة العملة، وارتفاع البطالة، وتآكل الأجور، لم تؤثر على مستوى المعيشة فقط، بل أعادت تشكيل أولويات المجتمع نفسه. إذ أصبحت شرائح واسعة منشغلة بتأمين الاحتياجات الأساسية أكثر من المشاركة في مواجهة سياسية مع السلطة.

كما أدى تراجع الطبقة الوسطى، التي كانت تاريخياً من أكثر الفئات قدرة على المطالبة بالإصلاح، إلى إضعاف إحدى أهم القوى الاجتماعية الدافعة نحو التغيير. وهنا تكمن إحدى نتائج اقتصاد الأزمة: مجتمع أكثر إنهاكاً وأقل قدرة على الضغط، مقابل مؤسسات أمنية أكثر تنظيماً وقدرة على التحرك.

العدو الخارجي والداخل

منح التصعيد العسكري النظام الإيراني فرصة لإعادة توظيف خطاب “التهديد الخارجي” في إدارة الداخل. ففي ظل المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، أصبح أي تحرك داخلي قابلاً للتفسير ضمن إطار الأمن القومي، ما سمح بتوسيع الرقابة وتشديد الإجراءات بحق المعارضين والناشطين تحت عناوين مثل مواجهة الاختراق الخارجي أو الحفاظ على الجبهة الداخلية.

ولا يعني ذلك اختفاء أسباب الغضب الشعبي، بل إن الأزمة المعيشية ما زالت تتراكم. لكن الحرب وفرت للنظام مساحة زمنية وسياسية لتأجيل الانفجار الاجتماعي، عبر تقديم الأمن باعتباره أولوية تتقدم على المطالب الاقتصادية.

أضعفت الحرب كذلك موقع التيارات الإصلاحية والمعتدلة التي راهنت لسنوات على أن الانفتاح الدبلوماسي يمكن أن يكون مدخلاً لإنهاء العزلة الاقتصادية. فالانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي، ثم الانتقال إلى المواجهة العسكرية، عززا داخل دوائر الحكم الإيرانية القناعة بأن الصراع مع الغرب لا يتعلق فقط بالملف النووي أو العقوبات، بل بطبيعة النظام ودوره الإقليمي.

ومع تراجع خطاب التسوية، اكتسبت القوى الأكثر تشدداً زخماً أكبر، بينما خسر الإصلاحيون جزءاً كبيراً من قدرتهم على تقديم بديل سياسي قادر على إحداث تغيير داخلي.

نفوذ بثمن اقتصادي

تكشف التجربة الإيرانية أن توسع نفوذ الحرس الثوري لا يعني امتلاك حلول للأزمات التي يعاني منها الاقتصاد. فالمؤسسة الأمنية قادرة على إدارة ملفات الردع، وتأمين شبكات النفوذ، وضبط المجال الداخلي، لكنها لا تستطيع بمفردها معالجة التضخم أو استعادة قيمة العملة أو حل أزمات الطاقة والمياه والبطالة.

وهنا تواجه إيران معادلة صعبة: كلما ازدادت قدرة النظام على ضبط المجتمع عبر الأدوات الأمنية، ازدادت الحاجة إلى اقتصاد قادر على تحمل كلفة هذا النموذج.

لم تغير الحرب طبيعة النظام الإيراني بالكامل، لكنها سرعت تحولاً كان يتبلور منذ سنوات. فقد انتقل الحرس الثوري تدريجياً من موقع حماية الدولة إلى موقع المشاركة في إدارتها، مستفيداً من بيئة صنعتها العقوبات، والحرب، والانكماش الاقتصادي. لكن استمرار هذا النموذج يبقى مرتبطاً بقدرة النظام على التعامل مع التناقض الأكبر: سلطة أمنية أكثر قوة، ومجتمع يزداد إنهاكاً تحت وطأة الأزمة.

الحرب قد تمنح الأنظمة قدرة على تأجيل أزماتها، لكنها لا تلغي الأسباب التي صنعتها. وفي الحالة الإيرانية، يبقى السؤال الأكبر حول قدرة القبضة الأمنية على تعويض غياب الحلول الاقتصادية، بعدما تحول الفقر من مجرّد نتيجة للأزمة إلى عنصر مؤثر في معادلة السلطة.