بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

تمويل الإرهاب

محمود الأبياري.. رجل الظل الذي يدير شبكات “الإخوان المسلمين” المالية والإعلامية من لندن

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

شكّل محمود الأبياري، على مدى سنوات، أحد أبرز الوجوه الإدارية داخل التنظيم الدولي لـ”الإخوان المسلمين”، بعيداً عن الظهور الإعلامي الذي ارتبط بقيادات أخرى في “الجماعة”. فمن العاصمة البريطانية لندن، تولى إدارة ملفات تنظيمية ومالية وإعلامية، وارتبط اسمه بقيادة مؤسسات شكلت جزءاً من البنية التي اعتمد عليها التنظيم في إدارة نشاطاته في الغرب. إلا أن هذا الدور الذي بقي بعيداً عن الأضواء انتهى بوضعه في صدارة المشهد، بعدما فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات عليه بتهمة جمع الأموال لصالح جهات مرتبطة بـ”حماس”، والتعاون مع جماعات تابعة لـ “الإخوان المسلمين” لتقديم دعم مالي للحركة.

يُمثل إدراج الأبياري على قائمة العقوبات الأمريكية تطوراً لافتاً في استراتيجية واشنطن، التي لم تعد تركز على ملاحقة ممولي الإرهاب المباشرين فحسب، بل انتقلت إلى استهداف القيادات التي تدير البنية المالية والتنظيمية التي تستند إليها تلك الشبكات. وجاء القرار ضمن الجولة الثالثة من العقوبات الأمريكية على شبكات “الإخوان المسلمين” خلال العام 2026.

مسيرة تنظيمية مؤثرة

وُلد محمود الأبياري في الخامس من يونيو/حزيران 1952، ويحمل الجنسيتين المصرية والنمساوية. ولم يُعرف كرجل سياسة أو خطيب جماهيري، بل كرجل تنظيم وإدارة، ارتبط اسمه بالعمل السرّي داخل جماعة “الإخوان المسلمين” لعقود.

عمل الأبياري إلى جانب القيادي السابق إبراهيم منير، الذي تزّعم ما عُرف بـ “جبهة لندن” داخل التنظيم الدولي لـ”الإخوان” حتى وفاته في نوفمبر/تشرين الثاني 2022. كما تولى الأبياري منصب الأمين العام للأمانة العامة للتنظيم الدولي للحركة، فضلا عن رئاسة تحرير صحيفة “رسالة الإخوان” الأسبوعية الصادرة من لندن، والتي مثّلت إحدى أبرز الأذرع الإعلامية للجماعة في الخارج، واستخدمت لنشر خطابها السياسي والتنظيمي والتواصل مع شبكاتها في أوروبا ومناطق أخرى.

يعكس هذا المسار طبيعة الدور الذي يضطلع به الأبياري، إذ أنه يجمع بين المسؤولية التنظيمية والإدارة المالية والإشراف الإعلامي، وهو ما جعله أحد أبرز المسؤولين عن إدارة البنية المؤسسية للتنظيم الدولي، بعيداً عن الأدوار السياسية التقليدية الظاهرة للعيان.

لندن مركز النشاط

لا تتوافر معلومات موثقة تحدد تاريخ انتقال الأبياري إلى المملكة المتحدة أو الأسباب التي دفعته إلى الاستقرار فيها، إلا أن وجوده في لندن تزامن مع تحول العاصمة البريطانية إلى أحد أهم مراكز نشاط التنظيم الدولي لـ”لإخوان المسلمين”.

وعلى مدى عقود، استغل التنظيم البيئة القانونية البريطانية، التي لم تحظر “الجماعة”، لتأسيس شركات ومؤسسات وجمعيات ومنصات إعلامية استخدمت في إدارة النشاط التنظيمي وتوسيع شبكات النفوذ الإخوانية في الغرب. كما تظهر السجلات البريطانية أن الأبياري تولى مناصب في عدد من الشركات والمؤسسات المسجلة قانونياً، وظل يمارس نشاطه من لندن من دون أن يخضع لأي إجراءات عقابية بريطانية حتى صدور العقوبات الأمريكية.

تمويل “حماس” محور الاتهام

بحسب بيان وزارة الخزانة الأمريكية الصادر في 23 يوليو/تموز الجاري، لم تُفرض العقوبات على الأبياري بسبب موقعه التنظيمي داخل “الإخوان المسلمين” فحسب، بل استندت إلى اتهامات محددة تتعلق بدوره في جمع التبرعات لصالح مؤسستين سبق أن أدرجتهما واشنطن على قوائم العقوبات بسبب صلتهما بـ”حماس”، هما “فلسطين وقفّي” و”حياة يولو”، إضافة إلى تعاونه مع جماعات تابعة لـ “الإخوان المسلمين” لتقديم دعم مالي مباشر للحركة.

في هذا الشأن، أكد وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت أن الولايات المتحدة ستواصل استهداف كل من يوفر دعماً مالياً لـ “حماس”، سواء جرى ذلك عبر مؤسسات خيرية أو شركات تجارية أو شبكات مالية غير رسمية، في إطار استراتيجية تستهدف تجفيف مصادر تمويل التنظيمات المصنفة إرهابيا.

بذلك، وضعت واشنطن الأبياري ضمن الدائرة الأولى لملف تمويل “حماس”، معتبرة أنه ليس مجرّد مسؤول إداري أو إعلامي، بل شخصية تضطلع بدور مباشر في جمع الأموال وتوجيهها إلى جهات مرتبطة بالحركة.

ثالث جولات العقوبات

يمثل إدراج الأبياري الحلقة الثالثة في سلسلة العقوبات الأمريكية التي استهدفت شبكات “الإخوان المسلمين” خلال العام 2026. ففي يناير/كانون الثاني صنفت واشنطن فروع “الجماعة” في مصر والأردن ولبنان “إرهابيين عالميين محددين”، ثم وسعت إجراءاتها في مارس/آذار لتشمل شبكة خيرية وصفتها بأنها واجهة لتمويل “حماس”. أما في يوليو/تموز، فقد استهدفت العقوبات الأبياري إلى جانب عدد من الأفراد والكيانات، من بينها جمعية “مدد فلسطين” في غزة، وشركة تجارية تركية اتُهمت بتحويل أموال إلى الحركة.

جاءت هذه الإجراءات نتيجة تنسيق بين وزارة الخزانة الأمريكية، ومكتب التحقيقات الفيدرالي، وإدارة مكافحة المخدرات، وهيئة الجمارك وحماية الحدود الأمريكية، بما يعكس الطابع الأمني والمالي المتكامل للحملة الأمريكية.

وتشمل العقوبات تجميد أي أصول أو مصالح مالية للأبياري تقع ضمن الولاية القضائية الأمريكية، ومنع المواطنين والشركات الأمريكية من التعامل معه، إلى جانب إمكانية فرض عقوبات ثانوية على المؤسسات المالية الأجنبية التي تتعامل معه أو تسهّل معاملات المالية.

لماذا لم تتحرك بريطانيا؟

على الرغم من أن الأبياري يقيم في المملكة المتحدة منذ سنوات طويلة، فإن السلطات البريطانية لم تتخذ بحقه أي إجراءات مماثلة للعقوبات الأمريكية، وهو ما يثير تساؤلات حول أسباب هذا التباين.

ولا توجد حتى الآن أي إفادة رسمية من الحكومة البريطانية تفسر موقفها، إلا أن الإطار القانوني البريطاني يختلف عن نظيره الأمريكي. المملكة المتحدة لم تصنف جماعة “الإخوان المسلمين” تنظيماً إرهابياً، على الرغم من أن المراجعة الحكومية التي أُجريت العام 2015 خلُصت إلى أن بعض أنشطة الجماعة وأفكارها تستوجب القلق والمراقبة، من دون أن تنتهي إلى حظرها أو فرض عقوبات على قياداتها.

لذلك، فإن العقوبات الأمريكية لا تُلزم لندن قانونياً باتخاذ إجراءات مماثلة، إذ يتطلب فرض العقوبات في بريطانيا تقييماً مستقلاً يستند إلى معايير وأدلة تتوافق مع التشريعات المحلية. ومع ذلك، فإن استمرار إقامة أحد أبرز قيادات التنظيم الدولي في لندن، على الرغم من اتهامه أمريكياً بالمشاركة في تمويل “حماس”، يعكس التباين الواضح بين النهجين الأمريكي والبريطاني في التعامل مع شبكات “الإخوان المسلمين”.

رسائل تتجاوز الأبياري

لا تقتصر دلالات العقوبات على شخصية محمود الأبياري، بل تعكس اتجاهاً أمريكياً متصاعداً نحو استهداف البنية المالية والتنظيمية التي تعتمد عليها جماعة “الإخوان المسلمين”، ولا سيما الشبكات التي تتهمها واشنطن بتوفير الدعم لحركة “حماس”.

كما توجه هذه الخطوة رسالة واضحة إلى القيادات التي تدير مؤسسات التنظيم من خارج الشرق الأوسط، مفادها أن الجمع بين الإدارة التنظيمية السرّية، وإدارة المنصات الإعلامية العلنية، والمشاركة في جمع الأموال لصالح جهات مرتبطة بـ”حماس”، لم يعد يوفر حصانة من الملاحقة المالية والقانونية.

وفي الوقت الذي تواصل فيه الولايات المتحدة توسيع دائرة عقوباتها، يبقى التباين مع الموقف البريطاني قائماً، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام ضغوط متزايدة على لندن لإعادة النظر في تعاملها مع الشخصيات التي تدير من أراضيها شبكات التنظيم الدولي لـ”الإخوان المسلمين”، خصوصاً إذا استمرت واشنطن في تقديم ملفات تربط تلك الشخصيات بتمويل “حماس” أو تسهيل أنشطتها المالية.