هل تمثل آسيا جبار ذروة مرحلة كان الكاتب الجزائري مطالباً فيها بحمل عبء تمثيل وطنه أمام العالم، أم أن هذا الدور لا يزال مستمراً بأشكال جديدة؟ وهل ما زال الكاتب الجزائري مطالباً بأن يكون سفيراً لبلده، أم أن الأدب تحرّر اليوم من عبء التمثيل الجماعي لصالح التعبير عن التجارب الفردية والأسئلة الكونية؟
إنه السؤال الذي تفرضه الذكرى الـ89 لميلاد الروائية الجزائرية آسيا جبار (30 حزيران 1936)، التي لم تُقرأ عالمياً بوصفها كاتبةً فحسب، بل صوت يحمل ذاكرة الجزائر وتاريخها وأسئلتها إلى الفضاء الثقافي الدولي. غير أن التحولات التي عرفها المشهد الأدبي الجزائري خلال العقود الأخيرة تدفع إلى إعادة طرح المسألة من زوايا مختلفة.
ماذا يعني أن تكون كاتباً جزائرياً يُقرأ خارج الجزائر؟
إذا كانت آسيا جبار قد انشغلت بإيصال صوت الجزائر إلى العالم، بل وتنتمي إلى جيل كان يُنظر فيه إلى الكاتب الجزائري كشاهد على تاريخ وطنه وسفير لذاكرته، فإن الأجيال اللاحقة تبدو أكثر تحرراً من هذا التكليف الرمزي. لم يعد السؤال المركزي: “كيف نشرح الجزائر للعالم؟”، بل “كيف يكتب الكاتب نفسه والعالم من موقعه الجزائري؟”. وبين هذين السؤالين يمكن قراءة التحول العميق الذي عرفته مكانة الكاتب الجزائري على الساحة الدولية خلال العقود الأخيرة.
ياسمينة خضرا: الجزائر سؤال إنساني
يكفي التوقف عند مجموعة أعمال ياسمينة خضرا، الاسم المستعار للكاتب الجزائري محمد مولسهول، “سنونوات كابول” و”بمَ تحلم الذئاب؟” و”الاعتداء” و”الليل يخاف من الصباح”، لنكتشف أنها رغم انطلاقها من سياقات سياسية وتاريخية، فإن مشروع الكاتب لا يقوم على شرح الجزائر للعالم بقدر ما يقوم على تفكيك العنف والتطرف والمأزق الإنساني.
لطالما ردّد خضرا أيضاً وما زال في حواراته: “أنا لا أكتب عن الإرهاب، بل عن الإنسان الذي يسقط فيه”، وهي عبارة تكشف انتقالاً من تمثيل الوطن إلى تمثيل الإنسان داخل مأساة كونية. حتى حين يكتب عن الجزائر في “بمَ تحلم الذئاب؟”، فإن الرواية لا تقدم درساً عن الجزائر بقدر ما تطرح سؤالاً عن كيفية تحول الإنسان العادي إلى قاتل.
كمال داود: الجزائر مادة للجدل والأسئلة
ننتقل مع كمال داود إلى مرحلة أخرى. في “ميرسو، تحقيق مضاد”، تصبح العلاقة مع التاريخ الاستعماري نفسها موضوع مساءلة. فالرواية لا تستعيد الذاكرة الوطنية كما فعلت آسيا جبار، بل تعيد فتح ملفاتها ونقد سردياتها.
وفي رواياته ومقالاته اللاحقة يبدو داود منشغلاً بالفرد أكثر من الجماعة، وبالحرية الشخصية أكثر من الذاكرة الجماعية. ومن أكثر أفكاره تكراراً أن الكاتب ليس ناطقاً رسمياً باسم أمته، وهنا يظهر الفارق الجوهري مع جيل آسيا جبار.
هل تغيرت المهمة أم تبدلت اللغة فقط؟
ثمة قواسم مشتركة واضحة بين آسيا جبار وأحلام مستغانمي، فكلتاهما كاتبتان جزائريتان حققتا حضوراً عالمياً، وقصّتا حكاية الجزائر انطلاقاً من جرح الاستعمار وحرب التحرير وتداعياتهما.
لم يكن الفارق الحقيقي بين آسيا جبار وأحلام مستغانمي هو لغة الكتابة، بل طبيعة العلاقة مع الوطن نفسه. فالوطن عند جبار يظهر بوصفه ذاكرة جماعية ينبغي إنقاذها من النسيان، بينما يتحول عند مستغانمي إلى تجربة وجدانية يعيشها الأفراد في الحب والحنين والفقدان والخيبة.
وإذا كانت جبار قد حملت عبء تمثيل الجزائر عبر الفرنسية، فإن أحلام مستغانمي حملت جزءاً من الذاكرة الجزائرية إلى فضاء عربي واسع عبر العربية. واللافت أن الاثنتين، على الرغم من اختلاف اللغة، تشتركان في الانشغال بالذاكرة الجزائرية، بينما قد يختلف مشروع كاتبين يكتبان بالفرنسية مثل آسيا جبار وكمال داود اختلافاً جذرياً في تصور دور الكاتب.
جيل ما بعد العشرية السوداء
إذا كانت آسيا جبار قد جسّدت نموذج الكاتب الذي يحمل على عاتقه مهمة رواية الجزائر للعالم، فإن أصواتاً أحدث مثل كوثر عظيمي تعكس تحوّلاً لافتاً في موقع الكاتب الجزائري نفسه.
عظيمي، التي تكتب من خارج الجغرافيا المحلية، لا تبدو منشغلة بإثبات وجود الجزائر في المشهد الأدبي العالمي بقدر انشغالها ببناء عوالمها السردية الخاصة. ففي روايات مثل “ثروة صغيرة” و”الراقصة” و”أهل عين صالح” و”الآخرون”، نجد الجزائر حاضرة، دون أن تكون القضية الوحيدة للكاتب، بل كأحد مكونات عالم سردي أوسع. إنها تستدعي التاريخ والذاكرة حين تحتاجهما الرواية، لا بوصفهما تكليفاً وطنياً أو مهمة تمثيلية. وهو ما يكشف انتقالاً من جيل كان يشعر بأنه مسؤول عن شرح الجزائر للآخر، إلى جيل أكثر حرية في اختيار موضوعاته وأسئلته ومواقعه داخل العالم.
في النهاية..
ربما لم تكن آسيا جبار آخر الكتّاب الجزائريين الذين حملوا الجزائر إلى العالم، لكنها كانت من آخر من شعروا بأن هذه المهمة جزء لا يتجزأ من وظيفة الكاتب نفسها. ظلت تفعل ذلك، في أعمالها الروائية والقصصية كافة: “العطش” و”لا مكان في بيت أبي” و”واسع هو السجن” و”المرأة بلا قبر” و”الحب والفانتازيا” و”نساء الجزائر في مخدعهن”، وغيرها. وكأنها مؤتمنة على أصوات لم تُكتب بعد، أصوات النساء والمنسيين والمستعمَرين الذين لم يدخلوا الأرشيف الرسمي. ظلت الجزائر عندها الموضوع الأساسي للكتابة لا مجرد خلفية للأحداث.
أما الأجيال اللاحقة من الأدباء، فقد دخلت الأدب العالمي كأصحاب مشاريع فردية تتقاطع مع الوطن حيناً وتبتعد عنه حيناً آخر، لا مجرد سفراء له.















