كثيراً ما يذهب الفن ضحية السياسة، خصوصاً في زمن الحروب. عندما تشتعل المعارك تعثر دائماً بين الجثث على فيلم أو مسرحية أو كتاب، رغم أن الفن لغة عالمية، يفترض أنها فوق الجنسيات والأعراق والحسابات الظرفية، لكن الحماقة خصلة إنسانية عابرة للحقب، والانتقام أعمى.
من أشهر الكتب التي عصفت بها الحرب العالمية الثانية مؤلفات الكاتب الفرنسي لوي-فيرديناند سيلين، والفيلسوف الألماني مارتن هايدغر. رغم عبقرية الإثنين، فإنهما دفعا ثمن انحيازهما للنازية، وحجبت أعمالهما غيوم الحقد الداكنة. التاريخ مازال يكرر نفسه، بشكل كاريكاتوري طبعاً، كما يقول كارل ماركس.
في أوكرانيا، بعد أن عجزت القوات النظامية عن صدّ التوغل الروسي في أراضيها، شنت هجوماً خاطفاً على سلسلة من الرسوم المتحركة، واستطاعت أن تُسقط دبّاً وفتاة صغيرة في ساحة المعركة. حكومة زيلينسكي قررت منع سلسلة الرسوم المتحركة الشهيرة “ماشا وميشكا” بحجة أنها تبث الدعاية الروسية بين الصغار. السلسلة المصورة بتقنية 3D، تحكي مغامرات طفلة اسمها ماشا وصديقها الدب (ميشكا)، وقد لاقت نجاحاً واسعاً بمجرد عرضها بالروسية عام 2009، وترجمت لمعظم لغات العالم، ثم اشترت حقوقها منصة “نيتفليكس” وبثت منها موسمين.
لا شيء في السلسلة يوحي بأنها صُمِّمَت لغسل العقول وحشوها بالدعاية، بل مجرد حكايات طريفة بين طفلة فضولية ودب ظريف، لكن السلسلة ذهبت ضحية نجاحها الواسع وجنسيتها الروسية، مما يجعلها في عيون كييف أداة من أدوات “القوة الناعمة” التي تهدف لتعزيز نفوذ موسكو وتحسين صورتها عبر العالم.
الحملة التي قادتها أوكرانيا ضد الطفلة الصغيرة ودبها الظريف، وجدت صدى في بعض الدول الأوروبية، مثل بريطانيا، حيث رفع مجموعة من النواب مذكرة للحكومة تطالب بمنع “ماشا وميشكا” باعتبارها أداة من أدوات “القوة الناعمة” التي يستخدمها نظام بوتين. بالنسبة لزيلينسكي وحلفائه، الكرملين يدسّ السم في العسل، وراء الدب اللطيف والفتاة الوديعة يختفي نظام بشع، لذلك لا بد من ضرب السلسلة بيد من حديد.
بعيداً عن الجبهة الأوكرانية، قامت الدنيا ولم تقعد في المغرب مؤخراً، بسبب أغنية لمجموعة “الفناير” تحمل عنوان “مرّوكية”. الكلمة تعني “مغربية”، وهي مشتقة من الاسم الفرنسي للمغرب، “ماروك”، لكنها تنطوي على حمولة قدحية، ودرج استعمالها من طرف الجراد الإلكتروني الجزائري، في سياق حرب “داحس والغبراء”، التي تدور رحاها بين الجارين اللدودين على وسائل التواصل الاجتماعي. الجزائري يسمي المغربي “مرّوكي” والمغربي يسمي الجزائري “كرغولي”، في إشارة للإرث التركي، والحرب مستعرة على مدار الساعة، دون جثث وخسائر مادية، لحسن الحظ، وياليت كل الحروب كانت مثل الحرب بين المغرب والجزائر، معارك حول الكسكس والقفطان والزليج والطاجين والزاوية التيجانية والراي والغرناطي والملحون… تثير الضحك أكثر من أي شيء آخر.
مجموعة “الفناير” التي كانت تملك شعبية كبيرة لدى الجمهور المغربي، نزلت أسهمها للحضيض، بسبب الأغنية، وتعرض أفرادها لسيل جارف من الشتائم وعبارات التخوين، مما اضطرّهم إلى سحب أغنيتهم من كل الوسائط، وإصدار بيان اعتذار ونسخة جديدة، استبدلوا فيها كلمة “مرّوكية” بـ”مغربية”.
الغاضبون من استعمال الكلمة العجيبة، ذهبوا بعيداً في التنمر، وأطلقوا على “الفناير” اسم “الحماير”، لأنهم لم يقدروا عواقب ما أقدموا عليه.
الطريف أن “الفناير” ليسوا أول من يستعمل كلمة “مرّوكية” في عمل فني مغربي. المخرج السينمائي هشام العسري سبقهم إلى ذلك، في فيلمه “مرّوكية حارة”، الذي عُرِض عام 2023، لكن من حسن حظه أن قليلاً من المغاربة سمعوا أو شاهدوا هذا العمل، رغم بثه على منصة “نيتفليكس”. من سوء حظه في الحقيقة، الدليل أنه بمجرد ما اشتعلت قضية “الفناير”، سارع المخرج إلى وضع ملصق فيلمه على حسابه في “فيسبوك”، لعل الجمهور يلتفت إليه أخيراً، خصوصاً أن العسري يعشق إثارة الجدل. الدنيا حظوظ، وكما يقول المثل الشعبي: “اللهُ يعطي الفول لمن ليست له أسنان”.
موقف العسري ذكرني بحادثة طريفة عشتها في تسعينيات القرن الماضي، حين كتبت مقالاً غير وديّ عن الشاعر الراحل حلمي سالم في “القدس العربي”، وعندما التقيته في أحد المهرجانات، تحاشيت السلام عليه. لكن شاعرة صديقة أصرّت على تقديمي لصاحب “فقه اللذة”، وحين صارحتها بالحرج الذي أشعر به، ولأنها تعرف الشاعر جيداً، فقد أخبرته بالموضوع، وفوجئت به يتوجه نحوي ضاحكاً: “بالأحضان، يا أستاذ جمال، هو الواحد ملاقي حد يشتمو اليومين دول!”، لأكتشف شخصاً ودوداً على قدر بالغ من الطرافة، يملك احتياطياً محترماً من حس السخرية في أرقى تجلياتها: السخرية من الذات.
في النهاية، الأعمال الفنية تدفع ثمن شهرتها. هناك إبداعات روسية يشاهدها الأوكرانيون دون مشكلة، ولا يجري منعها كما هو الحال مع “ماشا وميشكا”، لأنها أقلّ انتشاراً وتأثيراً، كما هناك أعمال فنية مغربية استعملت فيها كلمة “مرّوك” و”مرّوكية”، دون أن تثير الزوابع والفظائع، لأنها لم تنتشر مثل أغنية “الفناير”، لذلك لم تتعرض لحملة شرسة على وسائل التواصل الاجتماعي… العمل الفني الناجح يدفع ضريبة الشهرة!












