أجرى الحوار نور الدين بالطيب
أجرى الحوار نور الدين بالطيب

مقالات مشابهة

حوار (1-2)

صاحب “داعش التي تنام بيننا” يربط الأصولية ببنية التراث.. علي العمري: يجب تفكيك الفكر الأصولي عبر المدرسة والتجديد الثقافي

أجرى الحوار نور الدين بالطيب
أجرى الحوار نور الدين بالطيب

بدأ الأكاديمي والكاتب التونسي الدكتور علي العمري، المولود سنة 1966، مساره الفكري قريباً من التيارين القومي واليساري، قبل أن يعيد النظر في عدد من سردياتهما، وفي مقدمتها توصيف احتجاجات 2010–2011 باعتبارها ثورة مكتملة الشروط.

عايش العمري الاحتجاجات في القصرين بصفته ناشطاً سياسياً ونقابياً، ثم ابتعد عن العمل السياسي المباشر واتجه إلى البحث والكتابة. وفي كتابه “داعش التي تنام بيننا: الإسلاميون والأصولية وأفق التنوير”، الصادر سنة 2021، يناقش الجذور الفكرية والثقافية للإسلام السياسي، ويرفض اختزال العنف الأصولي في التنظيمات المسلحة وحدها.

في الجزء الأول من هذا الحوار مع “غلوبال ووتش عربية”، يراجع العمري موقفه من الثورة التونسية، ويناقش صعود الإسلاميين وأزمة الانتقال الديمقراطي، قبل أن ينتقل إلى أطروحته الأكثر إثارة للجدل: أن تفكيك “الداعشية” لا يبدأ من التنظيم، بل من مساءلة البنية التراثية التي تمنح الفكر الأصولي شرعيته واستمراره. 

كنت من المتحمسين للثورة التونسية، بل شاركت في الحراك الاحتجاجي الذي انتهى بسقوط نظام زين العابدين بن علي. ما الذي دفعك لاحقاً إلى مراجعة موقفك؟

علي العمري: عبارتا الحماس والفتور تختزلان تطور موقفي مما عُرف في الأدبيات التونسية بالثورة، لكنهما لا ينبغي أن تُفهما بمعناهما الانفعالي وحده. كانت أحداث 17 ديسمبر 2010 و 14 يناير/كانون الثاني 2011 زلزالاً سياسياً وعاطفياً، خصوصاً بالنسبة إلى جيل نشأ على طوباويات الثورة وجعل منها حلماً مركزياً.

كان انحيازي إلى الثورة، مثل كثيرين من أبناء اليسار والفكر التقدمي، جزءاً من سردية تعطشت إليها أجيال متعاقبة. وهناك عامل آخر لا يقل أهمية: لقد عشت الأحداث من الداخل وأسهمت في جانبها السلمي، بصفتي مناضلاً نقابياً وناشطاً سياسياً ومثقفاً جذرياً في مدينة القصرين.

لم يكن ممكناً آنذاك الوقوف على الربوة، خصوصاً بعد سقوط ضحايا في القصرين وتالة ومناطق تونسية أخرى. لكن الانخراط المباشر في الأحداث لم يسمح لي بأخذ المسافة الضرورية لتقييم ما كان يجري بصورة عقلانية، في ظل الأجواء الغاضبة والمآل الدموي الذي سبق سقوط النظام.

بعد رحيل بن علي، انتشر نوع من الاحتفال الساذج بالأحداث. لم يكن كثيرون منتبهين إلى الأخطار المحيطة أو إلى غموض المسارات التي يمكن أن تتخذها البلاد.

– هل كان توصيف ما حدث بأنه “ثورة” جزءاً من المشكلة؟

– نعم. تشكلت آنذاك قراءة سياسية خاطئة هيمنت على قطاعات واسعة من المثقفين والنخب اليسارية والقومية، ومفادها أن ما حدث في تونس كان ثورة مكتملة. وتبين لاحقاً أنها لم تكن قراءة خاطئة فقط، بل كانت مضللة أيضاً.

استغل خصوم الثورة فشل تلك القراءة لترذيل فكرة الثورة نفسها، مستندين إلى الأحداث الدرامية التي ترتبت على المسار السياسي اللاحق، والتي لا تزال آثارها قائمة إلى اليوم.

في تقديري، كان ما حدث أقرب إلى هزة اجتماعية أو انتفاضة شعبية افتقرت إلى شروط الثورة. لم تكن لها قيادة واضحة أو رؤية فكرية أو أهداف سياسية محددة، كما لم تكن تعبّر بصورة منظمة عن طبقة أو فئة اجتماعية بعينها. كانت عفوية، على الأقل في بدايتها، وهذه الثغرات سهّلت على القوى المعادية لفكرة الثورة، وفي مقدمتها الإسلاميون، ركوب موجتها ودفعها نحو مسارات تناقض الشعارات التي رفعها الحراك الاجتماعي.

– لكن الإسلاميين لم يكونوا القوة الوحيدة التي تبنت سردية الثورة؟

– صحيح. لا يزال الإسلاميون من أبرز القوى المتمسكة بسردية الثورة، إلى جانب تيارات يسارية وقومية لم تمتلك الشجاعة الفكرية لمراجعة خطابها أو الاعتراف بالأخطاء السياسية التي ترتبت عليه.

ومن المفارقات أن القوى التي تبنت سردية الثورة أسهمت، بصورة أو بأخرى، في تخريب مسارها. شاركت في تأسيس مجالس حماية الثورة، ثم انخرطت في مشروع إصلاح النظام من الداخل، وقبلت بالمسار السياسي الذي تشكل حول الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي، وما انبثق عنها من مؤسسات.

بعد ذلك، دخلت تلك القوى في مسار المجلس الوطني التأسيسي، وتبنت شعارات مثل “الجمهورية الثانية” وصياغة دستور جديد، في إطار ما أصفه بـ”طوباويات الانتقال الديمقراطي”.

قاد هذا المسار النخب السياسية إلى تحالفات تكتيكية وانتهازية في كثير من الأحيان، وأدى تدريجياً إلى تفكك الحياة السياسية وانكفاء الأحزاب والتيارات. وقد مهّد ذلك كله لنهاية مشروع الانتقال الديمقراطي، التي كانت، في جانب منها، نتيجة للمسارات الخاطئة التي اتُّبعت منذ البداية.

– هل يعني ذلك أنك تعتبر قراءتك الأولى لما حدث خاطئة؟

– كل تلك العوامل منعتني في البداية من اتخاذ موقف أكثر اتزاناً وواقعية. ومع ذلك، لم أكن مطمئناً، منذ الأيام الأولى بعد سقوط النظام، إلى الخطاب الذي كان يتشكل حول الثورة أو إلى الممارسة السياسية التي رافقته.

ظهرت نخبة ثورية زائفة، بالتزامن مع عودة الإسلاميين من المنافي وتسللهم إلى مشهد الثورة، على الرغم من أنهم كانوا غائبين عنه تقريباً. ثم تمكنوا من السيطرة على المشهد بعد انتخابات المجلس الوطني التأسيسي، في وقت شهدت فيه القوى التي دعمت الثورة سقوطاً سياسياً مدوياً.

شكّل ذلك صدمة خلخلت أسس الخطاب السائد. وما وصفته بالفتور كان، في الحقيقة، وقفة للتأمل وإعادة تقييم الواقع. ولم يكن ذلك ممكناً من دون الابتعاد عن العمل السياسي بصيغته التقليدية والتوجه نحو البحث والكتابة.

كان من ثمار هذا التحول كتاب “داعش التي تنام بيننا”، الذي أعتز به كثيراً. لقد كان محاولة للفهم والتأويل والتفكيك، لا مجرد موقف سياسي مباشر.

– ما الأثر الذي تركه صعود الإسلاميين إلى الحكم في مراجعتك الفكرية؟

– شكّل صعود الإسلاميين وما صاحبه من انتشار للنزعة الدينية والعنف الأصولي صدمة لكثيرين. وعلى الرغم من تراجع الظاهرة الإسلامية التونسية لاحقاً، فإن هذا التراجع لم يفضِ إلى بناء منظومة سياسية مستقرة، بل أسهم في ظهور نظام حكم هجين.

جمعت هذه المنظومة بين بعض أكثر وجوه النظام السابق رداءة، بعد إعادة تدويرها سياسياً لتقبل فكرة “الإسلام المعتدل”، وبين إسلاميين سعت بعض الدوائر إلى إدماجهم بصورة مدروسة في الحياة السياسية.

أنتجت هذه الخلطة منظومة سياسية سريالية ومرفوضة شعبياً، لا تستند إلى قاعدة سياسية واضحة. وفي تقديري، تمتعت هذه المنظومة برعاية دوائر خارجية كانت مؤثرة في إدارة مسارات ما سُمي بالربيع العربي.

– متى بدأت تشك بصورة حاسمة في أن ما حدث لم يكن ثورة؟

– دفعتني تلك التطورات إلى طرح سؤال ظل مسكوتاً عنه منذ 2011: هل كانت تلك حقاً ثورة؟

لم يحتج السؤال إلى جهد معرفي كبير للإجابة عنه، فقد بدا الجواب شبه بديهي. كما طرح انتشار التشدد والأصولية السياسية والفكرية والسلوكية سؤالاً آخر: كيف تكون الثورة ثورة إذا انتهت إلى حالة من النكوص الثقافي عصفت بالمكاسب التي ناضلت أجيال من أجلها، ومنها العلمنة والدولة المدنية ومجلة الأحوال الشخصية؟

وما قيمة ثورة بلا هوية اجتماعية، ولا مضمون حداثي، ولا أفق ديمقراطي فعلي، على الرغم من كثرة الادعاءات التي رُفعت باسمها؟

– كيف تربط هذه المراجعة بمسألة التدخل الخارجي؟

– نعم. ألقت هواجس التدخل الخارجي بظلال من الشك على انتفاضة 2011، ودفعت كثيرين إلى وضعها ضمن سياق ما يُعرف بـ”الثورات الملونة”، التي تستغل توق الشعوب إلى الحرية لتمرير أجندات سياسية.

ظهرت نتائج هذه الأجندات، في تقديري، بعد إسقاط النظام الليبي واندلاع الحرب الأهلية في سوريا، التي انتهت لاحقاً بوصول قيادة جبهة النصرة السابقة إلى الحكم بعد إعادة تقديمها في صيغة سياسية مخففة.

لقد تحوّلت الثورة في الحالة السورية إلى كاريكاتور دموي لا تربطه بمفهوم الثورة سوى الشعارات. ويمكن القول إن هذه التجربة أسهمت في تقويض مفهوم الثورة نفسه.

في كتابكداعش التي تنام بيننا، تعتبر أن داعش ليست تنظيماً مسلحاً فقط، بل بنية تفكير كامنة في الثقافة. كيف تفسر هذه الأطروحة؟

– لا بد أولاً من التذكير بأن تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام”، المعروف باسم “داعش”، لم يكن، على الرغم من الصدمة التي صاحبت ظهوره وسيطرته على مناطق واسعة من العراق وسوريا، سوى الشجرة التي حجبت الغابة.

أقصد بالغابة، من جهة، تيارات الإسلام السياسي التي وقفت في خلفية الظاهرة. لم تكن “داعش”، في رأيي، سوى صورتها القصوى. وقد أسهم الإعلام، وخصوصاً قنوات مثل الجزيرة، في تضخيم حضور التنظيم وتحويل عنفه إلى عرض يومي على الشاشات، بما شكّل، بصورة غير مباشرة، أحد عناصر القوة الدعائية التي استفاد منها.

حجبت وحشية “داعش” جانباً من تاريخ حركات الإسلام السياسي، ولا سيما الحركات الإخوانية، إلى جانب جماعات مثل الجماعة الإسلامية والتكفير والهجرة وغيرها. فقد استخدمت هذه الجماعات العنف لتحقيق أهداف سياسية، على الرغم من فترات المهادنة أو ما قُدم باعتباره مراجعات فكرية.

تقدم تجارب مصر وأفغانستان والعراق والصومال والجزائر، ثم ليبيا وسوريا، أمثلة متعددة على ذلك. ولم يبق العنف محصوراً داخل المجتمعات الإسلامية، بل امتد إلى مجتمعات خارج المجال العربي والإسلامي، ومنها السويد، على الرغم من عدم ارتباطها المباشر بتاريخ الاستعمار أو بالقضية الفلسطينية.

ماذا تقصد بـ”غابة الثقافة”؟

– أقصد أن “الثقافة الإسلامية”، في جوانب من تاريخها، وفرت تربة لنشوء الفكر الأصولي والتكفيري وتحوله إلى حركات عنيفة. لقد كانت ثقافة تميل، في كثير من مراحلها، إلى رفض الاختلاف وتكفير الآخر، بما في ذلك الآخر المسلم.

من هذه الزاوية، ليست “داعش” سوى صيغة معاصرة ومعولمة، جرى تسويقها إعلامياً، لظواهر عنيفة عرفها التاريخ الإسلامي، مثل الخوارج والحشاشين والقرامطة وغيرهم.

حتى التيارات التي توصف بأنها أقل عنفاً أو راديكالية لم تتردد، في مراحل تاريخية معينة، في استخدام وسائل قصوى. وتنقل كتب التاريخ، على سبيل المثال، صوراً من العنف الذي مارسته جماعات مالكية في تونس ضد خصومها، خصوصاً بعد انهيار الدولة العبيدية، واتخذ هذا العنف في بعض الحالات طابعاً استئصالياً.

– أليست بعض التيارات التي تشير إليها تُصنف ضمن المدارس العقلانية أو المعتدلة؟

– هذا صحيح، لكنه لا ينفي وجود العنف الفكري والأيديولوجي. المعتزلة، على الرغم من تصنيفها فرقة عقلانية، مارست التكفير بحق خصومها وضيقت على بعض المثقفين والمبدعين، ووصل الأمر في حالات معينة إلى الحض على قتلهم.

يمكن هنا الإشارة إلى موقف واصل بن عطاء من بشار بن برد، وإلى مواقف إبراهيم النظام من أبي نواس. وهذا يدل على أن النزعة الإقصائية لم تكن حكراً على الجماعات التي توصف تقليدياً بالتشدد.

– هناك من يفصل بين الإسلام باعتباره ديناً، وبين الممارسات العنيفة التي ارتكبت باسمه، ويصفها بأنها تشويه للإسلام الحقيقي. لماذا ترفض هذا الفصل؟

– الخطاب السائد في التاريخ العربي الإسلامي يميل إلى الفصل بين الإسلام بوصفه حركة في التاريخ، وقد ارتبط في مراحل كثيرة بالعنف، وبين ما يسمى “الإسلام الحقيقي”. ووفق هذه المقاربة، تُعامل كل صيغة عنيفة باعتبارها انحرافاً عن الدين.

لست مقتنعاً بجدية هذه الأطروحة؛ لأن كثيراً من أشكال العنف والتشدد تجد سنداً لها في النصوص. كما منحت نشأة السنة وتضخم مدونتها تدريجياً بعض القراءات المتشددة طابعاً من القداسة.

لم تجرِ عملية كافية لربط النصوص العنيفة بسياقات ظهورها التاريخية أو الحدّ من فاعليتها خارج تلك السياقات. ونتيجة لذلك، هيمنت قراءات متشددة على أجزاء من التراث الديني، وأسهمت في تشكيل خطابات وسلوكيات الإسلام الراديكالي المعاصر.

– إذن، أنت ترى أن جذور “داعش” موجودة داخل التراث نفسه؟

– نعم. تجد “داعش” جذورها في ذلك التراث؛ فهي فكرة ومشروع يخترقانه. ولذلك لا يمكن تفكيكها من دون مساءلة التراث ونقده.

الأصولية السياسية والراديكالية العنيفة ليستا ظاهرتين طارئتين على الواقع والفكر العربيين، بل لهما جذور عميقة قد تعود إلى مراحل الإسلام الأولى. ولا يمكن تفكيك الظاهرة من دون نقد العقل الذي أنتجها.

هذا العقل آت من الماضي، لكنه ما زال حاضراً بيننا، وربما داخلنا. ومن هنا جاء عنوان كتابي “داعش التي تنام بيننا”، فهو يستبطن فكرة تجذر “الداعشية” في بعض مكونات الثقافة والخطاب والفكر.

لكن من الضروري ألا يتحول هذا النقد إلى جلد للذات. فالأصولية ليست ظاهرة خاصة بالحضارة الإسلامية، بل توجد لها صور شديدة العنف في حضارات وأديان أخرى. وتمثل الأصولية اليهودية، كما تتجلى في الحركة الصهيونية، مثالاً معاصراً على ذلك.

كيف يمكن تجاوز هذا الفكر ومواجهة قدرته على إعادة إنتاج نفسه؟

– إنها مهمة شديدة الصعوبة، لأنها مرتبطة بالقدرة على إقامة مشروع حضاري متكامل، تكون إعادة بناء المدرسة قاطرته، والتجديد الثقافي عموده، وصياغة الإنسان على أسس جديدة قاعدته.

نحتاج إلى إنسان مؤهل للنهوض بأعباء التجديد الحضاري. لكن هذا الهدف يبدو بعيد المنال في الظروف الراهنة، وأهم أسباب ذلك غياب المشروع نفسه، وافتقار المجتمعات العربية إلى الاستراتيجيات والمؤسسات القادرة على تحمله وتنفيذه.