بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

إسلام سياسي

شمال قبرص تحت المجهر الأمني.. ملاذات رمادية تفتح ثغرة لتمويل الإرهاب وتسهيل تحركات الشبكات العابرة

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مع تضييق الخناق على التنظيمات العابرة للحدود، وفي مقدمتها جماعة “الإخوان المسلمين”، لم تعد المناطق ذات الوضع القانوني والسياسي الاستثنائي مجرد هوامش جغرافية، بل تحولت إلى مساحات محتملة لإعادة التموضع والعمل عبر واجهات أقل خضوعاً للرقابة. ويأتي شمال قبرص، غير المعترف به دولياً إلا من تركيا، في قلب هذا النقاش، بعدما تصاعدت المخاوف من استغلال قطاعاته الحيوية، خصوصاً التعليم والعقارات والخدمات المالية، في تسهيل الحركة والتمويل وإخفاء الأنشطة غير المشروعة.

خطورة شمال قبرص لا ترتبط بوجود مقر تنظيمي معلن لـ”الإخوان المسلمين”، بل بكون المنطقة بيئة رخوة يمكن أن تستفيد منها الجماعة وغيرها من الحركات الأصولية العابرة للحدود. فالثغرات الرقابية التي تحيط بقطاعاتها الحيوية، تجعلها مساحة جاذبة لشبكات تتحرك عبر الوسطاء والواجهات التعليمية والمالية مستفيدة من محدودية الإشراف الدولي.

بيئة رقابية محدودة

يتمتع شمال قبرص أيضاً بخصوصية قانونية وسياسية تجعله خارج الأطر الرقابية الصارمة التي تخضع لها جمهورية قبرص، العضو في الاتحاد الأوروبي، وهو ما دفع عدداً من الدراسات الغربية إلى تصنيفه ضمن “المناطق الرمادية”.

وقد أسهم الاعتماد الاقتصادي الكبير على قطاعات التعليم والعقارات والخدمات المالية، إلى جانب محدودية الرقابة الدولية، في إيجاد بيئة تنظيمية أقل صرامة مقارنة بالدول المجاورة. كما رصدت تقارير أوروبية وأمريكية انتقال شركات ورؤوس أموال إلى المنطقة خلال السنوات الأخيرة، وسط مخاوف من استغلال بعض الاستثمارات في غسل الأموال أو الالتفاف على العقوبات الدولية، لا سيما في أعقاب الحرب الروسية-الأوكرانية.

التعليم.. نقطة الضعف الأبرز

يشكل التعليم العالي أحد أهم مصادر الدخل في شمال قبرص، إذ تستقطب جامعاته عشرات الآلاف من الطلاب الأجانب سنوياً. إلا أن هذا القطاع واجه انتقادات متكررة تتعلق بضعف الرقابة على مكاتب الوساطة التعليمية، وتفاوت معايير الاعتماد الأكاديمي، واستغلال التأشيرات الدراسية لأغراض لا ترتبط بالتعليم.

وقد أفرز التوسع السريع في الجامعات الخاصة سوقاً تنافسية أتاحت المجال لوسطاء يعملون خارج الأطر التنظيمية، فيما تحذر دراسات أمنية من تحول هذه الثغرات إلى منفذ تستخدمه شبكات الاحتيال أو الجماعات العابرة للحدود لتسهيل حركة الأفراد تحت غطاء الدراسة.

اتهامات بالاستغلال وتسهيل العبور

أعادت قضية ترحيل شخص مرتبط بـ”جماعة الإخوان المسلمين” تسليط الضوء على احتمال استغلال شمال قبرص كمنصة عبور لوجستية، إذ كان الشخص المُرحّل ينشط بين الجزيرة وتركيا، ويشغل منصب مدير مكتب شخصية مقربة من صلاح عبد الحق، القائم بأعمال المرشد العام للجماعة وفق جناح لندن.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن المذكور أدار شبكة للوساطة التعليمية نفذت عمليات احتيال على الطلاب الأجانب، شملت تسجيلهم لعام دراسي واحد بدلاً من البرامج المتفق عليها والاستيلاء على بقية الرسوم، فضلاً عن تزوير شهادات اختبار أشهر امتحان للغة الإنجليزية في العالم (IELTS) مقابل مبالغ مالية كبيرة.

وامتد نشاط الشبكة إلى استخدام وثائق قيد طلابية صادرة عن مؤسسات غير مرخصة، لتسهيل انتقال عناصر مطلوبين للقضاء في مصر من شمال قبرص إلى تركيا، مستفيدة من سهولة الحركة بين الجانبين، إلى جانب محاولة إنشاء كيانات تعليمية غير نظامية لاستقطاب عناصر شبابية مرتبطة بالجماعة. وهو ما يوضح كيف يمكن للوسطاء غير النظاميين استغلال المؤسسات التعليمية في المناطق ذات الرقابة المحدودة لتوفير غطاء لأنشطة تتجاوز الأهداف الأكاديمية.

حركات الإسلام السياسي والأبعاد الإقليمية

دفعت الضغوط التي تواجهها جماعة “الإخوان المسلمين” في عدد من الدول العربية منذ العام 2013، العديد من أعضائها إلى البحث عن وجهات توفر هامشاً أوسع للحركة والإقامة، وكانت تركيا في مقدمة تلك الوجهات. 

فالقرب الجغرافي وسهولة التنقل بين تركيا وشمال قبرص يمنح الإقليم أهمية خاصة بوصفه محطة محتملة لإدارة بعض الأنشطة اللوجستية، من دون أن يشكل ذلك دليلاً على وجود مقر تنظيمي رسمي أو قيادة معلنة للجماعة في المنطقة.

ولا يقتصر التحدي الأمني على تنظيم بعينه، بل يرتبط بقدرة الشبكات العابرة للحدود على استغلال الثغرات القانونية والمؤسسات الضعيفة لبناء قنوات للتمويل أو تسهيل حركة الأفراد، وهو ما يفسر تنامي الاهتمام الأمني بمنطقة شرق المتوسط، التي تشهد تنافساً متزايداً في ملفات الطاقة والهجرة والأمن البحري.

وفي ظل استمرار وجود هذه “المناطق الرمادية”، تزداد التحديات المرتبطة بمكافحة الجريمة المنظمة، وتزوير الوثائق، والاحتيال المالي، والحدّ من استغلال هذه البيئات من قبل شبكات أيديولوجية أو إجرامية تسعى إلى إعادة التموضع بعيداً عن الملاحقة القضائية. وبناءً على هذه التحولات، يُتوقع أن يبقى ملف شمال قبرص تحت مجهر الأجهزة الأمنية والمؤسسات الأوروبية، في ظل مساعٍ متزايدة ترمي إلى تعزيز الرقابة والتعاون الإقليمي ومنع تحول الأقاليم ذات الوضع القانوني الخاص إلى منصات للأنشطة غير المشروعة.