شهدت المنطقة العربية خلال السنوات الأخيرة تحولات سياسية عميقة انعكست بصورة مباشرة على خريطة تيارات الإسلام الحركي، بعدما فقدت جماعة “الإخوان المسلمين” كثيرًا من حضورها التنظيمي والسياسي في عدد من الدول العربية، بالتزامن مع تصاعد النقاش حول مستقبل المشروع الإخواني، وما إذا كان قد وصل إلى نهايته، أم أنه يعيد إنتاج نفسه عبر منصات التواصل الاجتماعي، وأدوات وخطابات أكثر مرونة.
التحولات الأخيرة ربما فتحت الباب أمام أسئلة عديدة تتعلق بقدرة جماعة “الإخوان المسلمين” على البقاء، وطبيعة التغيرات التي أصابت بنيتها الفكرية والتنظيمية، فضلًا عن حالة الصراع مع التيار السلفي الذي يسعى للاستحواذ والسيطرة على الكتلة الحرجة للإسلام السياسي.
في هذا الجزء من الحوار تناقش الكاتبة والباحثة المصرية الأمريكية سينثيا فرحات، التي قدمت عددًا من الدراسات والكتابات حول جماعة الإخوان والتنظيمات المتطرفة، وفي مقدمتها كتابها “الجهاز السري.. الإخوان المسلمون وصناعة الموت”، لـ “غلوبال ووتش عربية” رؤيتها لمستقبل تنظيم “الإخوان المسلمين”، وإشكاليات المشروع السياسي للإسلام الحركي، ومدى قدرة الجماعة على إعادة التموضع بعد سنوات من التراجع الشعبي والانقسام الداخلي.
فيما يلي نص الحوار:
– ما هو مستقبل الإسلام الحركي بعد السقوط الكبير لجماعة “الإخوان المسلمين” خلال السنوات الأخيرة؟
– سينثيا فرحات: مستقبل الإسلام السياسي في المنطقة لا يُحدده صعود أو هبوط جماعة “الإخوان المسلمين”، وإنما يعتمد بشكل أساسي على الرؤية والإرادة السياسية والثقافية للنظم الحاكمة التي صنعت من جماعات الإسلام السياسي رقمًا في معادلة الحكم، ومنحتها فرصة التمدد الفكري والتنظيمي، وبناء المنظومة الاقتصادية من التبرعات والصدقات وغيرها، بجانب انعدام الرؤية الحقيقية حول مخاطر الإسلام الحركي، واقتلاع جذوره من عمق المجتمعات العربية، خاصة أن عدد من الحكومات العربية مازالت تتعامل مع جماعة الإخوان ومشروعها الفكري ضمن السياق السياسي، وهذه عوامل تسهم في بقاء هذه الجماعات وتعزز من انتشارها في الشارع العربي، رغم حالة الانهيار التي انتابت بعضها.
– هل انتهى المشروع الإخواني أم أننا أمام محاولة لإعادة إنتاجه من جديد؟
– لن تتخلى جماعة الإخوان عن مشروعها في الوصول إلى رأس السلطة، وما نشهده ليس نهاية المشروع، بل إعادة إنتاجه بأدوات وخطابات متكيفة مع الظروف الراهنة، فمنذ نشأت الجماعة وهي تجيد العمل التنظيمي السري، وتتوقف آليات العمل السري على طبيعة كل دولة مستهدفة، ففي الولايات المتحدة الأمريكية، استغلت الجماعة المناخ المناهض للعنصرية وخطاب الحريات، وفي بعض الدول الخليجية اعتمدت على الجمعيات والمؤسسات الإسلامية الخيرية، أما في مصر، فقد اعتمدت على ما يعرف باستراتيجية “التغيير من أسفل”، أي اختراق المؤسسات الحكومية والدينية والتمدد داخلها، وفي هذه المرحلة الجماعة تنفذ هذه الاستراتيجيات من خلال منصات التواصل الاجتماعي، في الوصول إلى الفئات المجتمعية المتنوعة، ما يعني أننا أمام بقاء للمشروع، وبالتالي من الصعب الحديث عن انتهاء المشروع الإخواني.
– إلى أي مدى أثرت التحولات الإقليمية والدولية على قدرة جماعة الإخوان على الاستمرار كفاعل سياسي؟
– ساهمت التصنيفات الإرهابية لجماعة الإخوان في عدد من دول الشرق الأوسط والولايات المتحدة في إضعاف قدراتها التنظيمية والسياسية بشكل حقيقي. ومع ذلك، فإن استمرار الجماعة كفاعل سياسي، سواء بشكل مباشر أو متخفية تحت أغطية أخرى، يعتمد في المقام الأول على ما إذا كانت بعض الدول أو أجهزتها المخابراتية ترغب في استخدام الإخوان أداةً أم لا.
كما أوضحت بالتفصيل في كتابي “الجهاز السري: الإخوان المسلمون وصناعة الموت”، كلما اعتقدت حكومة أو دولة أنها تستطيع التعاون مع الإخوان أو توظيف أذرعهم المسلحة في حروب بالوكالة، انتهى الأمر دائمًا بتقوية الجماعة على حساب الدولة نفسها. فالتاريخ يشهد أن هذه المعادلة تؤدي إلى اختراق الأجهزة، وإضعافها، وأحيانًا الإطاحة بها أو اغتيال رموزها.
– هل فقد التنظيم قدرته على تقديم نفسها باعتبارها بديلًا سياسيًا للدولة الوطنية؟
– من المؤكد أن جماعة “الإخوان المسلمين” فقدت شرعيتها السياسية والشعبية في مصر بشكل شبه كامل، وفي معظم الدول العربية، بعد أن شاهدت الشعوب دمويتها واتجاهها للعمل المسلح على أرض الواقع. وعملياً لم يعد التنظيم قادراً على تقديم نفسها كبديل سياسي مقبول للدولة الوطنية.
– ما أبرز التحديات الفكرية والتنظيمية التي تواجه جماعة “الإخوان المسلمين” اليوم؟
– أكبر التحديات التي تواجه الجماعة اليوم هي التي صنعها أعضاؤها بأيديهم، وفي مقدمتها الاعتماد على سياقات شرعنة العنف والعمل المسلح وتكفير الأنظمة وتجهيل المجتمع، والتي ترجمت في مصر في إطار عمليات الاغتيالات التي نفذت ضد المدنيين والعسكريين، فضلًا عن التعدي على المؤسسات وتخريبها، مثل حرق الإطارات، وهدم ابراج وشبكات الكهرباء، وتخريب محطات المياه والصرف الصحي. وهذا الفشل التنظيمي ليس منفصلًا عن فسادهم الفكري، وبالتالي سمعتهم أصبحت سيئة لدرجة أن قدرتهم على التجنيد داخل مصر باتت شبه منعدمة.
– رغم تصاعد حالة الانقسامات داخل جماعة الإخوان وسقوطها سياسيًا وشعبيًا لم تتجه إلى تقديم ما يعرف بالمراجعات الفكرية؟
– للأسف الشديد، من سابع المستحيلات أن تطرح الجماعة أي نوع من المراجعات، وفي اعتقادي أن مصطلح “المراجعات الفكرية” فخ ملغم لا يحمل تعريفًا موضوعيًا، خاصة أن تجربة الجماعة الإسلامية وتنظيمات الجهاد في مصر، تحمل الكثير من علامات الاستفهام، خاصة أن هذه الجماعات شهدت انقلابًا على فكرة المراجعات عقب أحداث 2011، وأحداث 2013 في الداخل المصري، وعدد من قيادات هذه الجماعات انضمت لمناطق الصراع في سوريا والعراق وليبيا. ومعنى ذلك أنها كانت شكلية ولوجستية ولا تمس جوهر تصحيح المسار الفكري والعقائدي لديهم.
– هل يمكن أن تلعب المدارس السلفية في العالم العربي دورًا مختلفًا خلال المرحلة المقبلة في ظل انحصار دور الإخوان؟
– يتسم الوضع الحالي للتيارات السلفية في الشرق الأوسط بحالة انقسام حاد وتحولات بنيوية عميقة ناتجة عن التغيرات السياسية الإقليمية المتلاحقة. التيار السلفي ليس كتلة واحدة، بل تفرع في السنوات الأخيرة إلى مسارات متباينة تحكمها علاقته بالأنظمة الحاكمة أو انخراطه في النزاعات المسلحة، ومن أبرزها” السلفية المدخلية”، ويشهد هذا التيار المدخلي حضورًا قويًا ودعمًا رسميًا في دول الخليج وبعض الأجهزة المصرية، ويليها “السلفية الحركية”، ويعاني هذا التيار من تراجع حاد في النفوذ الشعبي، انتهاء بـ”السلفية الجهادية”، المتمثلة حاليًا في تنظيمي القاعدة وداعش، ورغم أن التيارات السلفية لها حضور قوي وشعبي سواء على أرض الواقع أو على منصات التواصل الاجتماعي، فإنها غير قادرة على أن تطرح نفسها كبديل عن جماعة الإخوان، وذلك لاختلاف المشروع الحركي والتنظيمي لدى كل منهما، فضلًا عن التباين في آليات واستراتيجيات الاستقطاب والتجنيد.
– هل ما زالت السلفية التقليدية قادرة على جذب الأجيال الجديدة في ظل التحولات الثقافية والتكنولوجية؟
– لا، غير قادرة على الإطلاق، خاصة أن منصات التواصل الاجتماعي لعبت دروًا مزدوجًا ما بين نشر الفكر المتشدد، وكذلك في توثيق جرائم هذه التيارات والجماعات، وبالتالي فإن الأجيال الجديدة بدأت تعيش حالة من النفور والرفض لهذه الأفكار، رغم المحاولات الدائمة في بناء وصناعة أدوات جديدة مثل “الدعاة الجدد”، وغيرهم والتي تسعى لتقديم خطاب دعوي أقل حدة من سابقيها.
– هل الأدبيات السلفية تمثل محطة فاعلة في صناعة التنظيمات الجهادية المسلحة لاحقًا؟
– بشكل رئيسي، لكن هذا التوسع حدث بسبب رعاية بعض الحكومات لهذه الأفكار ضمن مشروع تجييش الإسلام مع الولايات المتحدة الأمريكية منذ الحرب الأفغانية السوفييتية، والتي منحت هذه العناصر تواجدًا شرعيًا فضلًا عن الدعم المالي واللوجيستي، وبمراجعة جذور التيارات السلفية في مصر والمنطقة العربية، سنجد أنها كانت سببًا مباشرًا في انتشار تنظيمات السلفية الجهادية المسلحة، نتيجة الكثير من العوامل السياسية والأمنية.

– ما هو تقييمك لأزمة تموضع وانتشار التيارات السلفية والأزمة التي تعيشها جماعة الإخوان في الوقت الراهن؟
– الأزمتان تتشابهان في تراجع قدرتهما على التجنيد بسبب نفور الشباب من الأفكار المتطرفة والمتشددة، والفرق الرئيسي أن التيارات السلفية لا تزال أقل تنفيرًا تنظيميًا من الإخوان في المراحل الأولى، فهي تستطيع استقطاب الشباب بسهولة أكبر لأنها تيارات هلامية لا تتشكل من هياكل تنظيمية، وتبني قاعدتها الشعبية على مفهوم التيار الفكري العام، لكنها تواجه صعوبة كبيرة في الاحتفاظ بهذه العناصر خاصة في عمليات الحشد والتعبئة.
– بعد الضربات الأمنية والعسكرية التي تعرض لها تنظيما القاعدة وداعش، هل انتهى خطر السلفية الجهادية أم أنه يعيد إنتاج نفسه بأشكال مختلفة؟
– الإجابة تعتمد بشكل كبير على موقف الدول الكبرى، وعدد من الدول العربية، في مدى جدية تنفيذ استراتيجية القضاء على أي مرتكزات لهذه الجماعات المسلحة، بجانب المعالجة الفكرية، خاصة أن المواجهة الأمنية وحدها لن تحقق مسارات تجفيف منابع هذه التنظيمات طالما أن الروافد الفكرية باقية وتتمدد، وفي اعتقادي أن المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر جادة في تحقيق هذه الاستراتيجية رغم الصعوبات المحيطة بهذا الملف.
– رغم تراجع نفوذ عدد من التنظيمات المتطرفة فإنها مازالت قادرة على تحقيق عمليات التجنيد؟
– السبب الرئيسي وجود حكومات في المنطقة لا تزال تمتلك تمسكًا عقائديًا وتنظيميًا بضخ الأفكار المتطرفة، مما يضمن استمرار قدرة هذه التنظيمات على التجنيد، أي أنها بعض الدول مازالت تدعم هذه الجماعات وتستخدمها كأوراق ضغط في عمق الشرق الأوسط، وبالتالي تمنحها القدرة على التمدد والبقاء، أو توظيفها في حروب الوكالة، مثلما فعلت إيران فيما يعرف بـ”محور المقاومة”.
سينثيا فرحات في سطور
سينثيا فرحات كاتبة ومحللة سياسية وباحثة أمريكية من أصل مصري، ومؤلفة كتاب «الجهاز السري: الإخوان المسلمون وصناعة الموت»، الذي نُشر عام 2022. شاركت في تأسيس حزبي “مصر الأمة” و”المصري الليبرالي” في مصر عام 2003، اللذين ساندَا موقف مصر من معاهدة كامب ديفيد للسلام مع إسرائيل، واقتصاد السوق الحر، والفصل بين الدين والسياسة.
درست سينثيا الفقه الإسلامي وتاريخ الشرق الأوسط لأكثر من عشرين عامًا، وشاركت في تأليف عدة كتب باللغة العربية، من بينها “ازدراء أحد الأديان السماوية”، الذي حظرته رسميًا جامعة الأزهر في القاهرة عام 2008 بسبب أبحاثه النقدية لقوانين ازدراء الأديان في مصر.
أُدرج اسم فرحات على قائمة اغتيالات تابعة لجماعات مرتبطة بتنظيم القاعدة، كما مُنعت رسميًا من دخول لبنان بسبب عملها على تعزيز السلام الإقليمي. وكانت فرحات تتلقى تهديدات يومية بالقتل من إسلاميين متطرفين. وبعد أن تعرض شقيقها للتعذيب على يد إسلاميين في عام 2011، وقُتلت صديقتها في مذبحة ماسبيرو، وحاول إسلاميون اغتيالها، هاجرت فرحات إلى الولايات المتحدة.
أدلت فرحات بشهادتها أمام مجلس النواب الأمريكي، وقدمت إحاطات لأكثر من 300 عضو في الكونغرس، كما قدمت المشورة لعدد كبير من الأجهزة الأمنية في قضايا الإرهاب. وحصلت على جائزتين في الولايات المتحدة تقديرًا لعملها.
نُشرت كتاباتها في العديد من وسائل الإعلام العربية والغربية، من بينها “ناشيونال ريفيو” الإلكترونية، و”ميدل إيست كوارترلي”، و”ذا هيل”، و”فوكس نيوز”، و”ذا واشنطن تايمز”. كما ظهرت في العديد من البرامج العربية والغربية والآسيوية، وتُرجمت أعمالها إلى 20 لغة.















