بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

إسلام سياسي

تصنيف انتقائي للإخوان: واشنطن تواجه الفروع الشرق أوسطية وتتحاشى عقدة لندن الأوروبية

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

لم يكن تصنيف إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لفروع منتقاة لجماعة الإخوان المسلمين في منطقة الشرق الأوسط كمنظمات إرهابية قراراً عشوائياً، بل كان اختياراً مدروساً يقوم على قياس الخطر السياسي والأمني وتحديد البيئات الأكثر قابلية للتنفيذ. شملت القائمة فروعاً في مصر والأردن ولبنان، حيث سجلات الجماعة واضحة، وكانت المواجهة معها ممكنة سياسياً وقانونياً.

في المقابل، تجنبت واشنطن استهداف المركز الأوروبي للتنظيم، وتحديداً بريطانيا، قلب النشاط الدولي للإخوان، حيث أي مواجهة مباشرة كانت ستتحول إلى صدام سياسي وقانوني مع دولة غربية حليفة، ما يمنح الجماعة ورقة للادعاء بأنها “ضحية انقسام غربي”.

يعكس اختيار ترامب بهذا الشكل استراتيجية واضحة: مواجهة الإخوان حيث يمكن تحقيق نتائج ملموسة بسرعة، وتجنّب المواجهة المباشرة مع عقدة التنظيم الأوروبية، مع تركيز على تشديد المراقبة والتحذيرات بدل التصنيف المباشر.

أوروبا أولاً: لندن قلب التنظيم الدولي

لم تعد أوروبا مجرّد ساحة جانبية لنشاط الإخوان، بل تحولت إلى قلب التنظيم النابض، وأبرز مثال على ذلك لندن. العاصمة البريطانية لم تستقبل فقط القيادات التاريخية، بل صارت مركزاً لإدارة الانقسامات، وصياغة الاستراتيجيات المالية والإعلامية، وضمان استمرار النفوذ الدولي للجماعة.

يأتي الوجود الإخواني في أوروبا نتيجة رؤية استراتيجية قديمة لمؤسس الجماعة حسن البنا، ضمن مخطط “أستاذية العالم”، الذي اعتبر الغرب مجالاً حيوياً لحماية التنظيم من الضربات الأمنية في الشرق الأوسط، ورافعة لاختراق المجتمعات وصناعة النفوذ الناعم. ومع تصاعد الضغوط في مصر والمنطقة بعد 2013، أصبحت أوروبا مركز الثقل السياسي والمالي للجماعة، ومنها تُدار الأزمات والانقسامات وتُموَّل الأذرع المختلفة.

خلايا مرنة تحت واجهات قانونية

تعتمد الجماعة في أوروبا على نموذج هجين يجمع بين البناء الهرمي التقليدي وآليات العمل العنقودي المرنة. على المستوى القاعدي، تقوم “الأسر الإخوانية” بدور النواة الأولى، وهي مجموعات صغيرة مغلقة تتلقى برامج تربوية وفكرية، وأنشطة شبه عسكرية للشباب، وتعرف باسم “الكتيبة”. تتصل هذه الأسر بمستويات أعلى عبر مكتب الإرشاد ومجلس الشورى، بينما يشرف التنظيم الدولي على توجيه السياسات والخطاب، مع قيادة مشرفة على عمل الجماعة في الدول الغربية بأكملها.

الصراع الداخلي بين جناح لندن بقيادة صلاح عبد الحق وجناح إسطنبول بقيادة محمود حسين كشف هشاشة التنظيم، لكنه أعاد تشكيله شبكياً أكثر مرونة، ما جعله أقل انضباطاً، لكنه أكثر قدرة على التكيف والمناورة.

المال والإعلام: العمود الفقري للنفوذ الإخواني

تمثل شبكات التمويل الأساس الذي يُبقي الجماعة على قيد النشاط وتشمل البنوك وشركات أوفشور والعقارات والتجارة الحلال ووسائل الإعلام. أبرز الأمثلة: بنك التقوى وبنك أكيدا الدولي، بالإضافة إلى شركات إعلامية وخدمية تغطي أنشطة الجماعة الفكرية والدعوية. هذه الإمبراطورية تمنحها استقلالية وتمكّنها من تمويل أنشطتها في أوروبا والشرق الأوسط من دون الاعتماد على أي جهة خارجية.

في المقابل، يلعب الإعلام دوراً أساساً في تبييض صورة الجماعة أمام الرأي العام الغربي، وتقديمها كـ”حركة مظلومة”، ما ساعدها على استغلال المظلومية السياسية لكسب شرعية جزئية، وتخفيف الضغوط القانونية والسياسية في أوروبا.

لماذا صُنّفت فروع في الشرق الأوسط دون أوروبا؟

في مصر، جاء التصنيف نتيجة تجربة حكم مباشرة انتهت بصدام شامل مع الدولة وارتباط واضح بالعنف والتنظيمات المسلحة. في الأردن، ركز التصنيف على الولاء العابر للحدود وإمكانية بناء بنية موازية داخل المجتمع، من دون اعتماد العنف المباشر. أما لبنان، الرسالة كانت رمزية، لكنها واضحة: لا يمكن السماح لتنظيم عابر للحدود بالعمل في بيئة هشة سياسياً، حتى لو كان نشاطه شكلياً دعوياً.

أما أوروبا، وبريطانيا خصوصاً، فاعتمدت سياسة الاحتواء القانوني، لأسباب تتعلق بالحريات العامة وحسابات سياسية وأمنية معقدة، ما جعل العاصمة البريطانية عقدة مركزية لا يمكن حلها بتصنيف سريع.

مواجهة محتملة ولكن معقدة

إن استمرار التعامل مع الجماعة ككيانات منفصلة يمنحها قدرة على إعادة التموضع والتكيف مع الضغوط. ومع تصاعد المخاوف الأوروبية من التطرف، وتزايد التقاطع بين الإسلام السياسي والعنف غير المباشر، تبدو القارة أمام لحظة مراجعة حاسمة.

الإخوان في أوروبا ليسوا مجرد تنظيم محلي، بل شبكة عابرة للحدود، تمتلك أدوات مالية وإعلامية وسياسية، وتعمل في مناطق رمادية بين القانون والسياسة والدين. وأي مقاربة لا تتعامل معهم كوحدة واحدة ستظل عاجزة عن تفكيك نفوذهم أو احتواء مخاطرهم.

في الوقت نفسه، يبقى القرار الأمريكي بتصنيف ثلاثة أفرع فقط نموذجاً عملياً لكيفية معالجة تهديد الإخوان: مواجهة مباشرة حيث يمكن التنفيذ، وحذر استراتيجي حيث يكون المركز الأوروبي، خصوصاً لندن، محوراً دولياً للقرار المالي والسياسي للجماعة.