بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

تقرير إخباري

تسريبات أمريكية تحرّك ملف السلام: الحرب الروسية الأوكرانية تدخل مرحلة اختبار الإرادات

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب المستمرة بين روسيا وأوكرانيا، يقف العالم اليوم أمام منعطف تاريخي ومصيري في محاولة للتوصل إلى شروط اتفاق سلام بين الطرفين، أو تبقى مجرّد خطوة أولى في لعبة شدّ الحبال بين القوى الكبرى، حيث تتقاطع الديناميات العسكرية مع الضغوط الدبلوماسية والسياسية، في وقت تشهد فيه المنطقة تحوّلات استراتيجية قد تحدد شكل أوروبا المستقبلية لعقود.

التسريبات الأمريكية الأخيرة، التي تحدّثت عن “موافقة أوكرانيا على شروط اتفاق سلام محتمل مع روسيا”، لم تكن مجرّد خبر عابر، بل نافذة تطل على مرحلة حساسة جداً من الصراع، لتختبر مواقف الأطراف الكبرى أمام جمهور داخلي ودولي مترقّب. والسؤال الذي يُطرح اليوم، هل بدأت الحرب فعلياً مرحلة البحث الجدي عن نهايتها، أم أن ما يجري هو مجرّد جولة جديدة من جسّ النبض بين القوى الفاعلة؟

بين تصريحات حذِرة من كييف، ونبرة واثقة من موسكو، وتسريبات محسوبة من واشنطن، يمكن القول إن الأطراف جميعها تتحرك على خط رفيع بين الاعتراف بالاستنزاف ومحاولة استثمار التغيرات في صياغة تسوية مستقبلية قد تمنح كل طرف ما يعتبره مكسباً استراتيجياً.

واشنطن تغيّر قواعد اللعبة

يعكس اختيار الإدارة الأمريكية تسريب معلومات حول اتفاق السلام المحتمل استراتيجيةً محسوبة لتسويق مسار تفاوضي جديد، من دون الانزلاق إلى إعلان رسمي قد يثير ردود فعل متباينة داخل واشنطن أو مع حلفائها الأوروبيين. ولم يكشف المسؤول الأمريكي الذي نُقلت عنه التصريحات عن تفاصيل فنية، لكنه أرسل إشارة سياسية مفادها أن الولايات المتحدة تسعى لتحويل دورها من مجرّد داعم عسكري مفتوح إلى وسيط قادر على صياغة تسوية تحفظ نفوذها وتحدّ من توسع النفوذ الروسي، مع الحفاظ على التوازنات الإقليمية.

قد لا ينفصل هذا الأسلوب عن الحسابات السياسية الداخلية، فالمجتمع الأمريكي يشهد انقسامات حول كلفة الحرب على الاقتصاد والتمويل العسكري، كما أن الكونغرس يعكس خلافات حادة حول الاستراتيجية الغربية تجاه النزاع. التسريب يمكن اعتباره اختباراً لردود الفعل الأوروبية والروسية، ووسيلة لضمان أن أي تحرك لاحق لن يضع واشنطن في موقف دفاعي.

كييف بين الانفتاح والحذر

جاء الردّ الأوكراني متوازناً، لكن مشحوناً في الوقت نفسه بحذر سياسي. الرئيس فولوديمير زيلينسكي تحدث عن “آفاق جديدة للسلام” و”نتائج ملموسة” بعد لقاءات رفيعة المستوى مع الوفد الأمريكي في جنيف، من دون الكشف عن تفاصيل دقيقة للاتفاق. هذا الخطاب يعكس معادلة معقدة تواجهها القيادة الأوكرانية، فهي تُدرك أن الحرب غير قابلة للاستمرار بالوتيرة نفسها، وأن الدعم الغربي، وإن كان مستمراً، لن يكون بالسخاء السابق. في المقابل، تخشى كييف أن يُفسَّر أي انفتاح على التفاوض كضعف سياسي أو ميداني.

أيضاً، تسعى أوكرانيا من خلال ذلك إلى إرسال رسالة مزدوجة: الاستعداد للتفاوض من موقع مرن، والحفاظ على المبادئ الأساسية المتعلقة بالسيادة ووحدة الأراضي، مع التأكيد على أن أي اتفاق لن يتم إلا بوجود ضمانات دولية واضحة تمنع تكرار سيناريو العدوان في المستقبل. وهذا يشمل دور الولايات المتحدة الأمريكية وحلف شمال الأطلسي في أي ترتيبات أمنية، وهو ملف حساس يتطلب دقة عالية في الصياغة.

الحقائق الجديدة على الأرض

على المقلب الروسي، تعكس تصريحات وزير الخارجية سيرغي لافروف والمتحدث باسم الكرملين ديميتري بيسكوف ثقة موسكو في موقفها. حيث تعتبر روسيا نفسها الطرف القادر على القبول أو الرفض وفق “المعطيات الجديدة على الأرض”، أي المكاسب الميدانية التي تحققت خلال السنوات الثلاث الماضية، ولا ترى ضرورة لتقديم تنازلات جوهرية.

الخطاب الروسي يركز على منطقتين رئيسيتين: أولاً، أي اتفاق محتمل يجب أن يبدأ باعتراف بما تعتبره موسكو حقائق ثابتة في المناطق الأربع التي ضمتها. ثانياً، ضرورة أن تكون صياغة أي تسوية تتضمن منع أوكرانيا من الانضمام إلى أي تحالفات عسكرية تعدّها روسيا تهديداً مباشراً لها. ويهدف استحضار موسكو لتفاهمات سابقة مع واشنطن في لقاء ألاسكا بين بوتين وترامب، إلى تعزيز صورتها كشريك فاعل في صياغة التسوية، وليس كطرف مُملى عليه.

تصعيد ميداني على وقع الدبلوماسية

على الرغم من المؤشرات الدبلوماسية، لم يتوقف التصعيد العسكري على الأرض. الغارات الروسية المستمرة على كييف وخيرسون وأوديسا، والهجمات الأوكرانية داخل الأراضي الروسية، خصوصاً في مناطق مثل روستوف وكراسنودار، تُظهر أن الجبهة الميدانية لا تزال أداة ضغط أساسية لتحسين شروط التفاوض.

يتيح هذا التصعيد المدروس لكل طرف الوصول إلى الطاولة من موقع قوة، ويعكس استراتيجية مألوفة في النزاعات الطويلة، حيث يُختبر كل تحرك سياسياً وعسكرياً قبل الانتقال إلى مرحلة التفاوض النهائي. ويُظهر أيضاً كيف أن الحرب لم تعد مجرّد صراع حدودي، بل أصبحت وسيلة لإعادة ترتيب التوازنات الإقليمية والدولية.

مسار السلام بين العقبات والفرص

الطريق إلى اتفاق سلام فعلي لا يزال طويلاً ومليئاً بالتعقيدات البنيوية. والقضايا المطروحة تشمل مستقبل المناطق الخاضعة للسيطرة الروسية، وضمانات أمنية لأوكرانيا، وموقعها في النظام الأوروبي-الأطلسي، بالإضافة إلى دور الولايات المتحدة وغيرها من الدول في آليات إعادة الإعمار والتمويل، وأخيراً ضمان تنفيذ أي اتفاق.

أوروبا تبدو شريكاً حذراً، تحاول متابعة المسار الأمريكي من دون أن تخفي خشيتها من منح روسيا نفوذاً إضافياً في شرق القارة، فيما ترغب واشنطن في إنهاء الحرب من دون الإضرار بمصالحها ومكانتها الاستراتيجية في الناتو. هذه التعقيدات توضح أن السلام لن يكون نتيجة لحظية، بل عملية متدرجة تتطلب صبراً دبلوماسياً وقدرة على إدارة الأزمات.

منعطف تاريخي على حافة التسوية

يقف العالم اليوم أمام منعطف تاريخي، إمّا أن تتحول التسريبات الأمريكية عن موافقة أوكرانيا على شروط اتفاق سلام مع روسيا إلى بداية مسار تفاوضي فعلي، أو تبقى مجرّد خطوة أولى في لعبة شدّ الحبال بين القوى الكبرى.

لكن المؤكد أن الحرب لن تستمر بالشكل نفسه طويلاً، والأطراف تدرك أن نهاية الصراع لن تكون بانتصار ساحق، بل بتسوية مُرّة للجميع، تفرضها وقائع الميدان والضغوط الدولية والسياسات الإقليمية. في هذه التسوية، سيحاول كل طرف كتابة السطر الأخير بما يخدم روايته، والتاريخ وحده سيحسم من يخرج منها بأقل خسارة ممكنة، ومن سيضطر لقبول واقع صارم على الأرض.