من أكثر الأسئلة الفلسفية والوجودية التي يطرحها الناس من مختلف الأعراق والجنسيات، بكل أنحاء المعمور هو: “لو سمحت، أين يوجد المرحاض؟”، في المقاهي والمطاعم وقاعات السينما والقطارات والمطارات والإدارات والشوارع..
المرحاض أو الحمام أو دورة المياه أو الكنيف أو بيت الراحة أو بيت الماء أو التواليت -تختلف التسميات والرائحة واحدة-، هو المشترك بين البشرية جمعاء، يذهب إليه الملوك والمتسولون، الرؤساء والمشردون، الناجحون والفاشلون، الأذكياء والأغبياء، الأغنياء والفقراء… إذا استطاعوا إليه سبيلاً طبعاً، لأنك أحياناً تفتش ولا تجد، وتنتهي بأن تفعلها في الهواء الطلق.
ثلث سكان العالم لا يعرفون “أين يوجد المرحاض”، أي ما يعادل مليارين وأربعة ملايين إنسان يفعلونها في الخلاء وأينما اتفق، خصوصاً في القارة السمراء، حيث 70% من السكان لا يتوفرون على قنوات الصرف الصحي، ولا غرابة أن تتحالف على أفريقيا الكوليرا والملاريا وأيبولا… وكل الأمراض المشهورة والمجهولة. لحسن الحظ أن العالم أدرك أهمية حسن التخلص من الفضلات، وهناك جهود تبذل لحلّ مشكلة المراحيض في العالم. منذ 2013، بات هناك “يوم عالمي للمرحاض” يوافق 19 من نوفمبر/ تشرين الثاني كل سنة، أقرته “المنظمة الدولية للمراحيض”، دفاعاً عن حق الجميع في التوفر على قنوات الصرف الصحي، حفاظاً على صحة الناس وصوتاً للبيئة.
الحفاظ على البيئة يبدأ بحسن تدبير المخزون العالمي من “أكسيد الأمونياك”، المعروف اختصاراً بـ”البول”، أعزكم الله. بعض البلدان الرائدة في مجال “الطاقات المتجددة” فطنت مبكراً للأمر، كما يدل على ذلك الشعار البيئي الشهير: “ممنوع البول ورمي الأزبال”، الذي يكتبه السكّان على جدران أحيائهم، كلما دوَّخهم السائل العطن، الذي تُرشّ كميات محترمة منه في الشوارع والحدائق وعلى الأسوار السكنية والأثرية، وبعضهم يحوّر الشعار ويضيف إليه كلمات “مهذبة” من قبيل: “ممنوع البول يا حيوان”، “من بال هنا فهو حمار”، الجدار ليس مرحاضاً يا كلب”… وغيرها من العبارات المقتبسة عموما من “كتاب الحيوان”، الذي لم يكتبه الجاحظ.
غياب المراحيض وقنوات الصرف الصحي له انعكاسات خطيرة على الصحة الفردية والجماعية، وعلى التغذية والتربية والاقتصاد والبيئة وكرامة الإنسان، ليس هناك إهانة أكبر من أن تكشف سوأتك أمام العالم كي تقضي حاجتك، والأطباء متفقون أن الإنسان حين يضطر الى إمساك حاجته، يمهد الطريق لتشكيلة من الأمراض التي تفتك بالكلي والأمعاء والمسالك البولية، وعندما يلقي بفضلاته في الهواء الطلق، يساهم في نشر الأوبئة والجراثيم، ناهيك عن الدمار الشامل الذي تتعرض له الأسوار الأثرية في بعض المدن العتيقة عندما تُسْقى بـ”أكسيد الأمونياك”، وكثير من الأشخاص لا يحبون التبول إلا تحت الأسوار الأثرية، نكاية في التاريخ وتنكيلاً بالجغرافيا..
في بعض المدن العربية، يمكن أن تعثر على كل شيء، إلا على مرحاض عمومي، مما يضطر “المحشورين” إلى اللجوء للمقاهي والمطاعم من أجل قضاء الحاجة، ويتسبب أحياناً في شجارات مع أصحاب المكان، لأنهم لم يفتحوا محلاتهم لجمع فضلات العالم. من الطبيعي أن يغضب صاحب المقهى أو المطعم عندما يرى محله التجاري يتحول إلى مرحاض عمومي.
أما في بعض القرى والأحياء العشوائية، فما زال الناس يقضون حاجتهم في الخلاء ويمسحون بخرقة أو كاغد أو حجر، معرضين أنفسهم لكل الأمراض.
مشكلة الحمام مطروحة حتى في بعض البلدان المتقدمة. في فرنسا، مثلاً، تلميذ من بين ثلاثة يرفض الذهاب إلى “التواليت” لأنها “غير نظيفة”، حسب إحصائيات رسمية.
نحن أيضاً لم تكن لدينا مراحيض نظيفة في المدرسة، لكننا، بخلاف الفرنسيين، كنا نعشق زيارتها. كلما تعبنا من الجلوس ومللنا من الدروس، نطلب الذهاب إلى “بيت الراحة”، الذي كان اسماً على مسمّى. نرفع سبّاباتنا عالياً في وجه المعلم: “أستاذ، أستاذ، من فضلك أريد الذهاب إلى المرحاض”… بعض الزملاء قضوا في “بيت الراحة” أكثر مما قضوه في “البيت الأول” و”الثاني” مُجتمعَيْن، قبل أن يغادروا المدرسة نهائياً إلى بيوت أمهاتهم!










