بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

تحليل أمني-سياسي

بين الحريات والأمن.. استغلال التنظيمات الأيديولوجية ثغرات العمل الخيري للتغلغل في المجتمعات الغربية

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

تكشف التحولات المتسارعة في المشهد السياسي والأمني الدولي عن تنامي قلق عميق تجاه الأنشطة التي تمارسها بعض التنظيمات الأيديولوجية تحت غطاء العمل الخيري والاجتماعي في الدول الغربية، ولا سيما في كندا وبعض الدول الأوروبية. وتواجه هذه الدول تحدياً يتمثل في الموازنة بين الحفاظ على الحريات الأساسية وقوانين حقوق الإنسان، وبين منع التغلغل الفكري والمالي لشبكات الإسلام السياسي والتنظيمات المتطرفة التي تحاول إعادة إنتاج نفسها مستغلة البيئات القانونية المرنة في المجتمعات الديمقراطية.

تشير التقارير الرقابية والأبحاث الأكاديمية الأخيرة إلى أن التراخي في تتبع مسارات الأموال والتدقيق في خلفيات المتحدثين والمنظمين في المؤتمرات العامة قد وفر بيئة خصبة لخطاب الكراهية والتطرف ليجد له موطئ قدم في أوساط الجاليات، وهو ما يتناقض جملة وتفصيلاً مع القيم الإنسانية والقوانين الدولية.

ولم يعد الأمر يقتصر على مجرّد نشاط دعوي محلي، بل امتد ليشمل بناء شبكات عابرة للحدود تربط بين مؤسسات مرخّصة في الغرب وتنظيمات مصنفة على قوائم الإرهاب في مناطق أخرى من العالم، ما يضع مصداقية الأجهزة الرقابية والضريبية الغربية على المحك في مواجهة الرأي العام الداخلي والدولي.

ثغرات التمويل والغطاء القانوني

تستغل الجماعات الراديكالية البنية التحتية القانونية المخصصة للمنظمات غير الربحية والجمعيات الخيرية في الدول الغربية على نحو ممنهج ومدروس لتأمين تدفقات مالية ضخمة ومعفاة من الضرائب. وتعتمد هذه الاستراتيجية على تقديم طلبات التسجيل تحت مسميات براقة مثل الرعاية الاجتماعية، والتعليم، وحماية حقوق الأقليات، والتبادل الثقافي، بينما تخفي الأجندات الحقيقية الموجهة لنشر أيديولوجيات متطرفة وولاءات تنظيمية خارجية.

تتيح هذه الثغرات للمنظمات جمع التبرعات من الأفراد والمؤسسات، بل والحصول في بعض الأحيان على منح وتمويلات حكومية مباشرة بذريعة دعم التعددية الثقافية والاندماج المجتمعي، وهو ما يمثل مفارقة صارخة، حيث تساهم أموال دافعي الضرائب في تمويل كيانات تقوّض السلم الأهلي.

يتطلب هذا الاختراق الممنهج مراجعة شاملة لآليات منح الصفة الخيرية وتطوير أدوات الرقابة المالية والتدقيق المحاسبي. فالكثير من رسائل التدقيق والتحقيقات الرسمية الصادرة عن وكالات الإيرادات والضرائب، مثلما كُشف في كندا، أظهرت وجود علاقات عمل وتنسيق مالي ولوجستي مستمر بين جمعيات محلية مسجلة وبين منظمات دولية مدرجة على قوائم الإرهاب، مثل شبكات دعم “حركة حماس” و”جماعة الإخوان المسلمين”.

تثبت هذه الوقائع أن العمل الخيري يتحوّل في كثير من الأحيان إلى واجهة لغسل الأموال وتمويل الأنشطة السياسية والعسكرية المحظورة، مستفيدة من البطء البيروقراطي والتردد السياسي في اتخاذ إجراءات حاسمة تجاه هذه الكيانات.

صناعة الابتزاز بالصواب السياسي

تواجه الأجهزة الأمنية والرقابية في الغرب ضغوطاً هائلة وحملات إعلامية منسقة تقودها المنظمات المرتبطة بالإسلام السياسي بمجرد بدء أي تحقيقات أو عمليات تدقيق مالي. وتعتمد هذه المنظمات على سلاح “الابتزاز الأخلاقي” من خلال توظيف ورقة “الإسلاموفوبيا” والادعاء بأنها تتعرض للاضطهاد الديني والترصد العنصري لمجرد كونها تمثل أقليات مسلمة.

تهدف هذه الاستراتيجية التضليلية إلى إرهاب المؤسسات الحكومية، وإحراج المسؤولين السياسيين، ودفعهم إلى التراجع عن استكمال التحقيقات خوفاً من اتهامهم بمناهضة التنوع الثقافي أو معاداة الأقليات، الأمر الذي يمنح هذه المنظمات حصانة غير معلنة تحمي أنشطتها المشبوهة من المساءلة القانونية.

يوضح هذا السلوك الإعلامي والدعائي المنظم كيف توظّف هذه الجماعات “الصوابية السياسية” في المجتمعات الغربية، إذ يُحوَّل أي إجراء قانوني أو مالي روتيني إلى معركة حقوقية وإعلامية شاملة. وبدلاً من الامتثال لمعايير الشفافية وتقديم الأدلة التي تنفي التهم، تلجأ هذه المنظمات إلى حشد التأييد العام والضغط السياسي عبر منصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المقربة لشقّ المجتمع وإثارة النعرات، ما يعمق الانقسامات المجتمعية ويجعل من الصعب على الدول تطبيق سلطة القانون بعدالة وحزم على الجميع دون استثناء أو تمييز لأسباب دينية أو عرقية.

تصدير الخطاب الراديكالي العابر

تتجاوز خطورة هذه الجمعيات والمنظمات الحدود المحلية للدول الغربية، لتتحول مؤتمراتها السنوية وفعالياتها الثقافية والشبابية إلى منصات دولية لتصدير الخطاب الراديكالي والتحريضي. وتستضيف هذه الفعاليات بانتظام متحدثين وشخصيات تحمل تاريخاً حافلاً بدعم العنف، والإشادة بالعمليات الإرهابية، والتحريض ضد حقوق المرأة والأقليات، وإنكار الحقوق التاريخية للشعوب الأخرى. وعبر هذه المنصات يجري إعادة إنتاج وتمرير أدبيات ومفاهيم تنظيمية متطرفة، مثل “جهاد السيف” والرفض المطلق لقيم العيش المشترك، وتقديم الرموز التاريخية للإسلام السياسي كنماذج يجب على الشباب المسلم في الغرب محاكاتها والامتثال لها في حياتهم اليومية.

يشكل هذا التغلغل الفكري خطراً مباشراً على الأمن القومي للمجتمعات الغربية، وعلى سلامة الجاليات المسلمة نفسها التي تقع ضحية لمحاولات الاختطاف الأيديولوجي وعزلها عن محيطها الاجتماعي. إن رصد حضور متحدثين ممنوعين رسمياً من دخول بعض الدول بسبب صلاتهم بكيانات إرهابية، أو مشاركة آخرين يبررون العنف المنزلي ويسخرون من القوانين المدنية، يعكس حجم التحدي الذي يواجه تلك المجتمعات. هذا الفكر العابر للحدود يسعى لبناء غيتوهات فكرية مغلقة ترفض الاندماج وتدين بالولاء لتنظيمات وحركات خارجية تسعى لتقويض الاستقرار الدولي وتحقيق مكاسب سياسية وأيديولوجية ضيقة على حساب السلم والأمن الدوليين.

ازدواجية المعايير والمحاسبة المطلوبة

تظهر مراجعة السياسات والإجراءات التي تتخذها السلطات الغربية تفاوتاً كبيراً وازدواجية واضحة في التعامل مع ملفات الجمعيات الدينية والمنظمات غير الربحية. فبينما يتم التعامل بحزم وصرامة وسرعة فائقة مع بعض الهيئات والمنظمات، يلاحظ وجود تراخٍ ومماطلة لسنوات طويلة في اتخاذ قرارات حاسمة تجاه جمعيات أخرى على الرغم من توفر أدلة ووثائق رسمية تدينها بالتورط في علاقات مشبوهة مع شبكات دعم الإرهاب والتمويل الدولي للجماعات المتطرفة.

تثير هذه الازدواجية تساؤلات مشروعة حول الدوافع السياسية أو الضغوط التي تمنع الحكومات من تطبيق المعايير القانونية والأمنية ذاتها على جميع الكيانات دون محاباة.

تتطلب حماية المجتمعات من مخاطر التطرف إنهاء هذه الازدواجية فوراً وتبني سياسة وطنية ودولية موحدة قائمة على المحاسبة الصارمة والشفافية المطلقة. يجب على الدول الغربية تحديث تشريعاتها الأمنية والضريبية لسد الثغرات التي تتدفق منها أموال التمويل المشبوه، وتفعيل آليات الرقابة السابقة واللاحقة على الأنشطة والفعاليات والمنح. كما يتوجب على المجتمع الدولي تعزيز التنسيق وتبادل المعلومات لرصد حركة الأموال والشخصيات المرتبطة بالتنظيمات المتطرفة، لضمان عدم تحول أي دولة إلى ملاذ آمن للتنظير أو التمويل، ولحماية قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان من الاستغلال والتقويض من الداخل عبر كيانات لا تؤمن بهذه القيم أساساً.