بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

تقرير أمني-قانوني

بعد إغلاق “مخيم الهول”.. نساء “داعش” بين الملاحقات القضائية والتهديدات الأمنية العابرة للحدود

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

تتكدس النساء المرتبطات بتنظيم “داعش” في مسار معقّد يمتد من مخيمات الاحتجاز في شمال شرق سوريا إلى السجون والمحاكم في العراق، مروراً بدول غربية تتعامل مع هذا الملف باعتباره تحدياً أمنياً وقانونياً طويل الأمد أكثر من كونه قضية إنسانية تقليدية. فمنذ انهيار السيطرة الميدانية للتنظيم في العام 2019، لم ينتقل الملف إلى مرحلة تسوية، بل تحوّل إلى إدارة مستمرة لأزمة متعددة الأبعاد تتداخل فيها اعتبارات الأمن القومي مع القانون الدولي والسيادة الوطنية والالتزامات الحقوقية.

تشير تقديرات مراكز بحثية متخصصة إلى أن ما بين 40 ألفاً و50 ألف شخص من أكثر من 80 دولة سافروا إلى مناطق سيطرة تنظيم “داعش” بين العامين 2013 و2018، فيما شكّلت النساء نسبة تُقدَّر بنحو 10% إلى 20% من هذا العدد. ولا يزال آلاف النساء والأطفال ضمن هذا الملف، سواء داخل السجون، أو ضمن برامج الإعادة الخاضعة للمراقبة، أو في مسارات أمنية وقضائية لم تُحسم بصورة نهائية.

سياسات غربية غير موحدة

لا يوجد في أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا إطار موحد للتعامل مع النساء العائدات من مناطق سيطرة التنظيم، إذ تتباين السياسات بين الإعادة التدريجية، أو الرفض، أو سحب الجنسية في بعض الحالات، أو إخضاع العائدات لمراقبة أمنية وقضائية طويلة الأمد.

اتبعت فرنسا سياسة إعادة تدريجية منذ العام 2019، شملت مئات النساء والأطفال، مع إحالة كل حالة إلى القضاء بصورة منفصلة. أما ألمانيا وبلجيكا وهولندا، فقد منحت أولوية لإعادة الأطفال، بينما خضعت عودة النساء لتقييمات أمنية وقضائية فردية. وفي بريطانيا، استُخدمت في بعض الحالات أدوات قانونية مثل سحب الجنسية، ما أبقى عدداً من الحالات خارج البلاد من دون مسار واضح للعودة.

في المقابل، اتبعت كندا وأستراليا سياسة أكثر تحفظاً، ركزت على إعادة أعداد محدودة، مع إعطاء الأولوية للأطفال والحالات الإنسانية، مع استمرار التقييم الأمني لكل حالة على حدة.

التحول الأسترالي

شهدت أستراليا خلال السنوات الأخيرة تحولاً تدريجياً من سياسة الامتناع شبه الكامل عن إعادة المواطنين الموجودين في شمال شرق سوريا إلى السماح بعودة مجموعات محدودة ضمن ترتيبات أمنية وقضائية مشددة. 

وخضعت العائدات لتحقيقات أمنية وتقييم مستمر للمخاطر، مع فرض قيود رقابية وإبقاء خيار الملاحقة القضائية قائماً متى توافرت الأدلة القانونية، في إطار يهدف إلى الموازنة بين الالتزامات القانونية ومتطلبات الأمن القومي.

يتمثّل أحد أبرز التحديات في أن معظم الدول الغربية تجرّم الانضمام إلى تنظيم “داعش” أو تقديم الدعم له بموجب تشريعات مكافحة الإرهاب، ما يتيح فتح تحقيقات أو ملاحقات حتى في غياب أدلة مباشرة على المشاركة القتالية، إذا توافرت أدلة قانونية أخرى، مثل الانضمام للتنظيم، أو السفر بقصد الالتحاق به، أو تقديم الدعم اللوجستي أو المالي، أو الاعتماد على الأدلة الرقمية وغيرها من القرائن التي تجيزها القوانين الوطنية.

وفي بعض الحالات، أدى ذلك إلى سحب الجنسية أو تقييد العودة، بينما فرضت الدول التي استقبلت العائدات منظومات رقابة طويلة الأمد تشمل قيود السفر، والمراقبة الأمنية، وإعادة تقييم مستوى الخطورة بصورة دورية، ما جعل إعادة الاندماج الاجتماعي عملية بطيئة ومعقدة.

من “مخيم الهول” إلى التشتت الأمني

مثّل “مخيم الهول” لسنوات المركز الرئيس لاحتجاز النساء والأطفال المرتبطين بتنظيم “داعش”، حيث ضم عشرات الآلاف من السوريين والعراقيين والأجانب في ظل غياب آلية دولية متفق عليها للمحاكمة أو إعادة التوطين أو إعادة التأهيل.

لكن هذا الواقع تبدل بصورة جذرية في 22 فبراير 2026، عندما أُغلق المخيم رسمياً عقب انسحاب قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ودخول القوات الحكومية السورية. ولم يؤدِّ الإغلاق إلى إنهاء الأزمة، بل إلى تفكيك بنيتها الجغرافية وتحويلها إلى تحدٍ أمني أكثر تعقيداً.

وتشير تقارير أمنية إلى وقوع عمليات فرار وتسرّب شملت ما بين 15 ألفاً و20 ألفاً من النساء والأطفال إلى مناطق سورية متفرقة، بينما نُقلت مجموعات أخرى إلى مراكز احتجاز بديلة، ورُحّل آلاف المعتقلين، بالتنسيق مع القيادة المركزية الأمريكية، إلى سجون عراقية شديدة الحراسة.

بذلك، انتقل الملف من أزمة احتجاز جماعي داخل موقع معروف إلى ملف أمني واستخباراتي مفتوح، توزعت عناصره بين مناطق سورية مختلفة، وسجون عراقية، ودول تعمل على استعادة بعض رعاياها أو ملاحقتهم قضائياً. كما ازدادت المخاوف من صعوبة تعقب الفارين وإمكانية إعادة تشكل شبكات مرتبطة بالتنظيم أو انتقال بعض العناصر إلى بؤر نزاع جديدة، ما رفع مستوى التعقيد الأمني على المستويين الإقليمي والدولي.

مقاربة عراقية أكثر تشدداً

يعتمد العراق مقاربة قضائية صارمة في التعامل مع النساء المتهمات بالارتباط بتنظيم “داعش”. وتُحال المتهمات إلى المحاكم المختصة بموجب قوانين مكافحة الإرهاب، وقد تصدر بحقهن أحكام بالسجن لمدد طويلة، وقد تصل في بعض القضايا إلى عقوبات أشد وفق طبيعة التهم والأدلة التي تنظر فيها المحاكم.

ويستند هذا النهج إلى اعتبارات الردع وحماية الأمن الداخلي، لكنه يظل محل نقاش لدى منظمات دولية بشأن معايير المحاكمة والإجراءات القانونية في قضايا الإرهاب المرتبطة بمرحلة ما بعد النزاعات.

ملف بلا تسوية نهائية

على الرغم من مرور سنوات على انهيار البنية الميدانية لتنظيم “داعش”، لا يزال ملف النساء المرتبطات به عالقاً بين ثلاث دوائر رئيسة: الملاحقات الأمنية داخل سوريا بعد تفكيك مخيمات الاحتجاز، والمحاكم والسجون في العراق، والسياسات الغربية المتباينة بين الإعادة والرفض وسحب الجنسية والمراقبة الأمنية.

ولا تعكس الأرقام التي تشير إلى وجود آلاف النساء والأطفال مجرّد تحدٍ إنساني، بل تكشف عن أزمة قانونية وأمنية مستمرة، إذ يخضع كل مسار لاعتبارات مختلفة؛ بين متطلبات الأمن القومي، والالتزامات القانونية، وإدارة تداعيات النزاع.

لم يؤدِّ سقوط التنظيم إلى إغلاق هذا الملف، بل نقل تداعياته من ساحات القتال إلى منظومة معقّدة من الملاحقات القضائية، والرقابة الاستخباراتية، وإدارة المخاطر الأمنية. كما أن إغلاق مخيم الهول لم ينهِ الأزمة، بل حوّلها من احتجاز جماعي معلوم الإحداثيات إلى تهديد أمني متحرك يصعب تتبعه، ما يجعل ملف النساء المرتبطات بتنظيم “داعش” أحد أكثر ملفات ما بعد النزاعات تعقيداً واستمراراً على المستويين الإقليمي والدولي.