بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

مقالات مشابهة

تحليل اقتصادي

النفط أولاً: كيف أعاد التدخل الأميركي في فنزويلا رسم خريطة الطاقة والنفوذ العالمي؟

بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

في تحول دراماتيكي لم تشهده القارة اللاتينية منذ عقود، أعاد التدخل العسكري الأمريكي الأخير في فنزويلا، الذي تُوج بإلقاء القبض على نيكولاس مادورو، خلط أوراق الجغرافيا السياسية للطاقة. ورغم أن شعارات “استعادة الديمقراطية” و”مكافحة الإرهاب العابر للحدود” تصدّرت الخطاب الرسمي، فإنّ المحرك الحقيقي للعملية كان اقتصادياً بامتياز، ويكمن في باطن الأرض؛ حيث تقبع أكبر احتياطيات النفط المؤكدة في العالم.

تعود جذور الأزمة الفنزويلية إلى مطلع الألفية، حين انتهج الرئيس الراحل هوغو تشافيز سياسة التأميم الواسع لقطاع الطاقة، موجهاً عائداته إلى برامج اجتماعية ضخمة. ورغم أن هذه السياسة قلّصت معدلات الفقر في بداياتها، إلا أنها عمّقت لاحقاً هشاشة البنية الاقتصادية، وجعلت الدولة تعتمد بنسبة تقارب 95% على صادرات النفط.

ومع تراجع الاستثمارات التقنية، وهجرة الكفاءات، والعقوبات الأمريكية المتصاعدة منذ عام 2017، انهار إنتاج النفط تدريجياً من نحو 3 ملايين برميل يومياً قبل ربع قرن إلى أقل من 700 ألف برميل يومياً بحلول عام 2024، وفق تقديرات مؤسسات الطاقة الدولية. انهار معه الهيكل المالي للدولة، وتراجع احتياطي النقد الأجنبي إلى أدنى مستوياته منذ تأسيس شركة النفط الوطنية الفنزويلية “PDVSA”.

لماذا فنزويلا الآن؟

دخلت الأزمة بين الولايات المتحدة وفنزويلا منعطفاً أكثر حدّة، بعدما قدّم نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس تبريراً صريحاً للعملية، واضعاً ملف النفط في صدارة الأسباب المعلنة. الخطاب الجديد يعكس انتقال واشنطن من سياسة الضغط السياسي والاقتصادي إلى مقاربة تربط الأمن القومي الأمريكي مباشرة بالموارد الفنزويلية، في لحظة إقليمية ودولية شديدة الحساسية. 

وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أعلن أنه سيسمح لشركات النفط الأمريكية بالتوجه إلى فنزويلا لاستغلال احتياطياتها الهائلة من النفط الخام لصالح البلاد.

فنزويلا، التي تمتلك أكثر من 300 مليار برميل من الاحتياطيات النفطية، تحوّلت خلال العقدين الماضيين من قوة طاقة صاعدة إلى دولة شبه منهارة، لتصبح في نظر واشنطن “خاصرة رخوة” تسمح بتمدد النفوذ الصيني والروسي فيما تعتبره الولايات المتحدة مجالها الحيوي التقليدي. 

الأطماع الأمريكية أكثر من مجرد نفط

الهجوم الأمريكي لم يكن هدفه النفط فقط، بل حزمة متكاملة من المكاسب الاقتصادية والجيوسياسية يمكن تلخيصها في ثلاث نقاط رئيسة:

  1. الهيمنة على سوق الطاقة العالمية

النفط الفنزويلي، في حال دخوله الأسواق بإشراف أمريكي مباشر، يمنح واشنطن قدرة على ضبط الأسعار العالمية والتحكم في إمدادات الطاقة. وقد يقلل من اعتمادها وحلفائها على نفط الشرق الأوسط، الذي تتزايد فيه المخاطر الجيوسياسية. داخلياً، من المتوقع أن يؤدي الضخ التدريجي للنفط الفنزويلي إلى خفض أسعار البنزين في السوق الأمريكية بنسبة تصل إلى 20% خلال عامين.

  1. تحييد  النفوذ الصيني والروسي

خلال سنوات الأزمة، رهنت كراكاس أصولها النفطية للصين وروسيا مقابل ديون بمليارات الدولارات، والهجوم الأخير يهدف عملياً إلى شطب تلك الديون، وإعادة التفاوض على العقود المرتبطة بها، ما يسمح بعودة الدور الأمريكي إلى القارة اللاتينية، وتقليص الحضورالآسيوي والروسي فيها.

  1. حُمّى الذهب والمعادن النادرة

بعيداً عن النفط، تمتلك فنزويلا احتياطيات كبيرة من الذهب، والكولتان، والمعادن النادرة المستخدمة في الصناعات التكنولوجية والدفاعية. ومع ارتفاع أسعار الذهب إلى مستويات قياسية مطلع 2026، بات تأمين هذه الموارد جزءاً من معركة أوسع على سلاسل التوريد العالمية في مواجهة الصين.

تحالفات جديدة واستثمارات ضخمة

لم يقتصر أثر التطورات على الداخل الفنزويلي، بل امتد ليشمل القارة بأكملها. دول مثل البرازيل وكولومبيا وكوبا ستبدأ بإعادة ضبط بوصلتها الاقتصادية نحو “النموذج الليبرالي” الجديد الذي تفرضه واشنطن في المنطقة، في ظل وعود بتدفقات استثمارية واستقرار نقدي.

تنظر واشنطن إلى التحرك في فنزويلا بوصفه فرصة مزدوجة لإعادة فتح سوق استهلاكية كبرى أمام الشركات الأمريكية، وتعزيز أمن الطاقة لديها على المدى الطويل. وتشير تقديرات أولية إلى أن “صندوق النقد الدولي”، إلى جانب شركات طاقة أمريكية كبرى مثل “إكسون موبيل” و”شيفرون” وغيرها، قد يضخّون أكثر من 100 مليار دولار في قطاع الطاقة خلال العامين المقبلين، مع إعادة تأهيل شركة النفط الوطنية الفنزويلية “PDVSA” وشبكات الكهرباء والموانئ. الأمر الذي سيخفف بالتأكيد من موجات الهجرة، ويخلق نموذجاً اقتصادياً تستفيد منه شعوب المنطقة بأكملها.

الاستقرار مقابل السيادة

يبقى السؤال مفتوحاً في أروقة السياسة اللاتينية: هل كان التدخل الأمريكي ثمناً لا بد منه لإنقاذ فنزويلا من الانهيار الكامل، أم نموذجاً جديداً لـ”الاستعمار الاقتصادي” يرتدي ثوب التحرير؟

من المرجّح أن تكشف الأشهر الأولى من عام 2026، مع بدء تدفق أولى شحنات النفط تحت الإدارة الجديدة في كراكاس، ملامح المرحلة المقبلة. لكن المؤكد أن “معركة الذهب الأسود” لم تكن حدثاً عابراً في تاريخ فنزويلا، بل محطة مفصلية في صراع عالمي أوسع على الطاقة والنفوذ ومستقبل النظام الاقتصادي الدولي.

تُظهر التجربة الفنزويلية أن حروب المستقبل قد لا تُخاض بالسلاح وحده، بل عبر السيطرة على تدفقات الطاقة والموارد. وفي زمن تتقاطع فيه الجغرافيا مع الجيواقتصاد، تصبح فنزويلا مثالاً حيّاً على معادلة القرن الحادي والعشرين: من يملك النفط لا يملك القرار، ومن يدير السوق يملك العالم.