ترسم أحدث البيانات الأمريكية صورة لاقتصاد أكثر تعقيداً من أن يوصف بالقوة أو الضعف في اتجاه واحد. ففي الوقت الذي تظهر فيه سوق الإسكان علامات واضحة على فقدان الزخم، لا تزال الصناعة تحقق نمواً محدوداً، فيما تواصل التجارة الإلكترونية التوسع بوتيرة تفوق إجمالي مبيعات التجزئة. وفي خلفية هذه الصورة، تراجعت أسعار الواردات بفعل الطاقة، لكن ضغوط الأسعار غير النفطية بقيت مرتفعة.
هذه الإشارات المتعارضة لا تقدم لمجلس الاحتياطي الفيدرالي مبرراً واضحاً للتحرك سريعاً في أي اتجاه. فالاقتصاد لا يُظهر انكماشاً يفرض تيسيراً نقدياً عاجلاً، في حين لا تزال ضغوط الأسعار كافية لإبقاء التضخم في صلب حسابات السياسة النقدية.
وكان الفيدرالي قد أبقى في اجتماعه يومي 28 و29 يوليو/تموز الماضي نطاق الفائدة المستهدف عند 3.5% إلى 3.75%، مشيراً إلى استمرار توسع النشاط الاقتصادي بوتيرة قوية نسبياً، مع بقاء التضخم أعلى من هدفه البالغ 2%، في وقت باتت فيه البيانات الجديدة تقدم صورة أكثر تفاوتاً بين قطاعات الاقتصاد.
الإسكان هو الحلقة الأضعف
جاءت الإشارة الأكثر سلبية من سوق الإسكان. فقد هبط مؤشر بدء بناء المساكن في يوليو إلى معدل سنوي بلغ 1.239 مليون وحدة، بانخفاض 12.4% عن يونيو/حزيران و13.5% عن مستواها قبل عام. كما انخفض المؤشر المخصص لمنازل الأسرة الواحدة 9.9% خلال الشهر.
ولم يقتصر الضعف على البناء الجديد. فقد أظهرت بيانات الرابطة الوطنية للوسطاء العقاريين تراجع مبيعات المنازل المعلقة 2.3% شهرياً و2.2% سنوياً، لتصل إلى أدنى مستوى منذ يناير/كانون الثاني، مع انخفاض العقود في المناطق الأمريكية الأربع. وترتبط هذه العقود عادة بالمبيعات التي تكتمل خلال شهر أو شهرين، ما يجعلها مؤشراً مبكراً على اتجاه سوق المنازل القائمة.
لكن الصورة ليست انهياراً على جميع الأصعدة ذات الصلة. فقد ارتفعت تصاريح البناء في يوليو 5% إلى معدل سنوي بلغ 1.443 مليون وحدة، كما زادت تصاريح المنازل المنفردة 2.5%. وبما أن التصاريح تسبق عمليات البناء فعلياً، فإن تحسنها يدحض رواية “بداية انكماش متسارع”.
المشكلة الأوضح إذن هي أن النشاط السكني الحالي يعاني تحت ضغط تكلفة التمويل والقدرة على تحمل أسعار المنازل، لكن الإشارات المستقبلية لا تزال مختلطة.
الصناعة تكبح سيناريو التباطؤ
في المقابل، لم تقدم الصناعة الدليل نفسه على تراجع واسع في النشاط. فقد ارتفع الإنتاج الصناعي 0.2% في يوليو بعد زيادة معدلة بلغت 0.3% في يونيو، وسجل إنتاج الصناعات التحويلية ارتفاعاً مماثلاً بنسبة 0.2%. كما زاد إنتاج معدات الأعمال 0.8% ومستلزمات البناء 0.8%.
وصعد معدل استغلال الطاقة الإنتاجية إلى 76.3%، وإن ظل أقل بنحو 3.1 نقاط مئوية من متوسطه طويل الأجل. ويعني ذلك أن القطاع الصناعي لا يعمل قرب مستويات ضغط قصوى، لكنه أيضاً لا يقدم حتى الآن صورة اقتصاد يدخل انكماشاً صناعياً واسعاً.
وتضيف التجارة الإلكترونية طبقة أخرى إلى هذه الصورة، من دون أن تتحول إلى دليل مستقل على قوة المستهلك. فقد بلغت مبيعات التجارة الإلكترونية بالتجزئة في الربع الثاني 340.2 مليار دولار بعد التعديل الموسمي، مرتفعة 12.2% عن العام السابق، مقابل نمو 6.7% لإجمالي مبيعات التجزئة. كما ارتفعت حصة التجارة الإلكترونية إلى 17.1% من إجمالي المبيعات، مقارنة بـ16.3% في الربع الثاني من 2025.
لكن هذه الأرقام اسمية وغير معدلة لتغيرات الأسعار، كما أن تقدير الربع الثاني أولي وقابل للمراجعة. ولذلك فإن دلالتها الأقوى ليست إثبات قوة الاستهلاك الحقيقي، بل استمرار اكتساب القنوات الرقمية حصة من سوق التجزئة الأمريكية، مع غياب إشارة إلى انكماش واسع في المبيعات الاسمية.
تراجع أسعار الواردات
الصورة أكثر التباساً في ملف الأسعار. فقد انخفض مؤشر أسعار الواردات الأمريكية 0.4% في يوليو، في قراءة تبدو مريحة للتضخم للوهلة الأولى. إلا أن الانخفاض جاء بدرجة كبيرة من أسعار الوقود المستورد، التي هبطت 7.2% خلال الشهر.
وعند استبعاد الوقود تنقلب الإشارة: ارتفعت أسعار الواردات غير النفطية 0.4% شهرياً و4.5% سنوياً، وهو أكبر نمو سنوي منذ 2022، فيما صعدت أسعار السلع الرأسمالية المستوردة 0.9%. كما بقي إجمالي أسعار الواردات أعلى 5.9% من مستواه قبل عام رغم الانخفاض الشهري.
وظهرت إشارة مشابهة، وإن كانت أكثر محدودية جغرافياً، في مسح قادة الأعمال الصادر عن الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك. فقد استقر نشاط قطاع الخدمات تقريباً في أغسطس/آب، بينما ارتفع مؤشر الأسعار المدفوعة إلى 70.1، وتراجعت توقعات النشاط للأشهر الستة المقبلة بوضوح. ولأن المسح يغطي شركات في منطقة نيويورك وشمال نيوجيرسي وجنوب غرب كونيتيكت، فلا يمكن تعميمه منفرداً على الاقتصاد الأمريكي، لكنه يعزز صورة تجمع بين فتور النشاط واستمرار ضغوط التكلفة.
اقتصاد غائم
المحصلة ليست اقتصاداً يتجه بوضوح إلى الركود، ولا اقتصاداً خالياً من نقاط الضعف. الإسكان يتعرض لضغط متزايد، سواء في عمليات البناء الجارية أو العقود المعلقة لبيع المنازل. وفي المقابل، تواصل الصناعة النمو بمعدلات محدودة، بينما تستمر القنوات الإلكترونية في توسيع حصتها من تجارة التجزئة. أما التضخم، فتخف ضغوطه في بعض المكونات المرتبطة بالطاقة، لكن مؤشرات الأسعار غير النفطية لا تزال تمنع الاطمئنان إلى انتهاء المشكلة.
وهذا بالضبط ما يُعقد حسابات الاحتياطي الفيدرالي. فبيانات النمو لا تقدم حتى الآن دليلاً قوياً على حاجة الاقتصاد إلى دعم نقدي سريع، بينما تجعل ضغوط الأسعار المتبقية أي تيسير أكثر حساسية لمخاطر عودة التضخم.
لذلك يكتسب محضر اجتماع 28 و29 يوليو، المزمع صدوره الأربعاء، عند الثانية ظهراً بتوقيت نيويورك، أهمية إضافية. فالاختبار لن يكون مجرد البحث عن إشارة إلى موعد الخطوة التالية في أسعار الفائدة، بل معرفة أي المخاطر أصبحت أكثر حضوراً داخل اللجنة: استمرار التضخم، أم انتقال الضعف من الإسكان وبعض قطاعات الطلب إلى الاقتصاد الأوسع. حتى الآن، تقول البيانات شيئاً أكثر دقة من رواية “اقتصاد قوي” أو “اقتصاد ينهار”: النشاط الأمريكي ما زال متماسكاً بما يكفي لمنع الاستعجال، لكنه أصبح متفاوتاً بما يكفي لإبقاء الفيدرالي في حالة حذر.















