أقرّ مجلس النواب اللبناني قانون العفو العام وتخفيض العقوبات، الأربعاء 12 آب/أغسطس، بعد أشهر من التجاذب حول الفئات المشمولة والاستثناءات المرتبطة بالجرائم الخطيرة والاعتداء على الجيش. لم يكن القانون مجرد معالجة لاكتظاظ السجون أو لطول أمد التوقيف، بل جاء كتسوية سياسية واسعة تتقاطع فيها ملفات الموقوفين الإسلاميين، وأحداث عبرا، والمطلوبين في قضايا المخدرات، والمبعدين إلى إسرائيل، في مقابل محاولة إبقاء الجرائم الأكثر خطورة خارج دائرة الإفلات من العقاب.
أُقرّ القانون بعد جلسة عاصفة شهدت انسحاب كتلة “الوفاء للمقاومة” التابعة لـ”حزب الله” وحليفه تكتل “لبنان القوي”، الذي يقوده التيار الوطني الحر بزعامة ميشال عون، بحجة عدم إتاحة المجال لوزير الدفاع ميشال منسى لعرض موقف المؤسسة العسكرية.
في المقابل، أمّنت أحزاب “القوات اللبنانية” و”اللقاء الديمقراطي” و”الاعتدال الوطني” ونواب مستقلون النصاب اللازم لإمرار القانون. والمفارقة أن الانسحاب لم يكن رفضاً مطلقاً للعفو؛ فحزب الله كان جزءاً من التوافقات التي سبقت الجلسة، لكنه اعترض على طريقة إدارة النقاش في القاعة.
الإسلاميون في قلب التسوية
يشكل ملف “الموقوفين الإسلاميين” المستفيد الأبرز من القانون. فقد خُفّض شرط إخلاء سبيل الموقوف الذي لم يصدر بحقه حكم من 14 إلى 12 سنة سجنية، مع إزالة شرط أن يكون الحكم “مبرماً”، ما يوسع دائرة المستفيدين من الموقوفين الذين أمضوا سنوات طويلة خلف القضبان من دون صدور أحكام بحقهم. ووفق الأرقام التي أعلنها النائب عماد الحوت، سوف يستفيد 79 موقوفاً إسلامياً من أصل 146 من أحكام القانون، أي أكثر من نصف هذه المجموعة.
ولا تعني هذه الاستفادة تبرئة أصحاب الملفات أو إسقاط التهم عنهم، إذ إن جزءاً من المستفيدين سيخرجون لمتابعة محاكماتهم خارج السجن. لكن الأثر السياسي يتجاوز الجانب القضائي، لأن هذا الملف تحول طوال سنوات إلى عنوان لمظلومية سنية، خصوصاً في طرابلس وعكار وصيدا، في ظل بقاء موقوفين لفترات طويلة من دون أحكام. ومن شأن الإفراج عن عشرات هؤلاء أن يعيد الملف إلى المجتمع والسياسة، بعدما كان محصوراً في السجون والمحاكم.
أحمد الأسير والمتهمون بأحداث عبرا
يبقى أحمد الأسير الاختبار الأكثر حساسية للقانون، لأنه يقع عند تقاطع ملف الإسلاميين مع الاعتداء على الجيش وأحداث عبرا العام 2013. ولا يعني إقرار العفو أن الأسير سيخرج فوراً، فوضعه يختلف عن الموقوف الذي لم يصدر بحقه حكم. لكن تخفيض العقوبات يمكن أن يؤثر في مدة بقائه في السجن، بما يجعل خروجه مسألة مرتبطة باحتساب العقوبة والأحكام التي تنطبق على ملفه.
أما المتهمون في أحداث عبرا، فلا يمكن التعامل معهم ككتلة واحدة. فالموقوف الذي لم يصدر بحقه حكم ويستوفي شرط الـ12 سنة يختلف قانونياً عن المحكوم بجرائم قتل أو إرهاب أو اعتداء على الجيش. لذلك لا يعني القانون خروج جميع متهمي عبرا، كما لا يعني استبعادهم جميعاً؛ فالمعيار هو نوع الجريمة، والوضع القضائي، ومدة التوقيف، والحكم الصادر.
وتزداد أهمية هذه النقطة مع إلغاء عقوبة الإعدام قبل إقرار العفو بيوم واحد واستبدالها بالأشغال الشاقة المؤبدة. وقد شكل هذا المسار أحد المفاتيح القانونية التي سمحت بإعادة ترتيب أوضاع عدد من المحكومين، وخصوصاً في الملفات التي كانت تتضمن أحكاماً قاسية.
“حزب الله” يحصد حصته
في المقابل، لا يمكن قراءة القانون من دون النظر إلى ما تحصل عليه البيئة المحسوبة على الثنائي الشيعي، فحزب الله لم يصوّت ضد القانون بالمعنى الدقيق، بل انسحب من الجلسة قبل التصويت احتجاجاً على عدم الاستماع إلى وزير الدفاع، بعدما كان جزءاً من التوافقات التي سبقت الجلسة.
وتكمن مصلحة “حزب الله” الأساسية في معالجة ملفات متراكمة لمطلوبين وموقوفين، ولا سيما في البقاع والضاحية الجنوبية، بما يشمل بعض الجنح والإشكالات الأمنية وحيازة الأسلحة غير المرخصة، إضافة إلى تسهيلات في بعض ملفات المخدرات والاتجار بها.
وهنا تظهر طبيعة التسوية: كل طرف دخل إلى القانون بملف، وخرج منه بمكسب. القوى السنية حصلت على معالجة واسعة لملف الموقوفين الإسلاميين، والثنائي الشيعي على معالجة جزء من الملفات المتراكمة في بيئته، فيما سعت القوى المسيحية إلى إدراج ملفات تخصها، وبقي الجيش في موقع الدفاع عن الاستثناءات المتعلقة بقتلة العسكريين والمعتدين على المؤسسة العسكرية.
الجيش في المواجهة
كان “التيار الوطني الحر” الأكثر تشدداً في رفض أي صيغة يمكن أن تشمل من اعتدى على الجيش أو قتل عسكريين، ولذلك بقي في خندق المعارضة وانسحب من الجلسة. أما المؤسسة العسكرية وعائلات العسكريين، فكانت تنظر إلى القانون من زاوية مختلفة: الخشية من أن تتحول معالجة التوقيف الطويل إلى إسقاط لمسؤولية من ثبتت إدانته بجرائم خطيرة. ولهذا يصبح التحدي الحقيقي هو الفصل بين تصحيح ظلم ناتج عن سنوات من التوقيف من دون محاكمة وبين منح حصانة لمن صدرت بحقهم أحكام في جرائم خطيرة.
خلف كل الحسابات السياسية، تقف أزمة السجون اللبنانية كعامل ضغط لا يقل أهمية. فقد أدى الانهيار الاقتصادي والاكتظاظ وضعف قدرة الدولة على توفير الغذاء والطبابة والخدمات الأساسية إلى تحويل السجون، وفي مقدمتها “سجن رومية”، إلى أزمة إنسانية وأمنية متصاعدة. ومن هذه الزاوية، أصبح العفو العام أشبه بصمام أمان لتخفيف الضغط عن مؤسسة سجنية تقترب من حدود الانفجار.
لكن معالجة الاكتظاظ عبر العفو لا تحل أصل المشكلة. فإذا كان بقاء أشخاص أكثر من عقد من دون محاكمة خللاً في العدالة، فإن العلاج الطبيعي هو تسريع المحاكمات وإصدار الأحكام، لا انتظار قوانين استثنائية كلما عجزت الدولة عن إدارة سجونها ومحاكمها.
تسوية ترحّل الأزمة
يضع قانون العفو العام لبنان أمام اختبار جديد؛ فالمعركة لم تنتهِ بالتصويت، بل انتقلت إلى القضاء الذي سيتولى تحديد المستفيدين، وفرز الملفات، واحتساب مدد التوقيف والعقوبات، وتحديد الجرائم التي تقع ضمن الاستثناءات.
ولا تتعلق القضية فقط بمن سيخرج من السجن، بل بمن سيخرج ولماذا، ومن سيبقى، وعلى أي أساس. وقد تكون ملفات أحمد الأسير وأحداث عبرا والموقوفين الإسلاميين، إلى جانب المطلوبين في قضايا المخدرات، الاختبار الأبرز لقدرة الدولة على تطبيق القانون بعيداً عن ميزان القوى السياسي.
إن ما أقره البرلمان ليس إغلاقاً نهائياً لملفات الماضي، بل تسوية معه. وقد أعاد القانون إظهار حقيقة أعمق في النظام اللبناني: السجن ليس ملفاً قضائياً منفصلاً عن السياسة، بل جزء من توازناتها الطائفية والأمنية، ولذلك جاء العفو العام ليعيد توزيع أعباء الماضي ومكاسبه بين القوى نفسها التي عجزت الدولة عن تجاوزها طوال سنوات.















