عند الساعة 6:29 صباحاً من يوم السابع من أكتوبر /تشرين الأول 2023، اتخذت قيادة حركة “حماس” قرارها ببدء عملية “طوفان الأقصى”. لكن ما إن انقضت الساعات الأولى من الهجوم حتى برز سؤال لم يتوقف عن ملاحقة مجريات الحرب حتى اليوم: لماذا لم تتحول العملية إلى مواجهة إقليمية شاملة؟ ولماذا بقيت “قوات الرضوان” التابعة لـ”حزب الله” خلف الحدود، على الرغم من الحديث المتكرر عن “وحدة الساحات” و”محور المقاومة”؟
ظل هذا السؤال طوال أشهر محاطاً بالتكهنات والتحليلات المتضاربة، إلى أن نشرت إذاعة الجيش الإسرائيلي مقتطفات من وثائق ومحاضر اجتماعات قالت إنها عُثر عليها داخل أنفاق غزة، واستند تحليلها إلى دراسة أعدها مركز “مئير عميت” للاستخبارات والإرهاب. وبشكل منفصل، نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” في وقت سابق مجموعة أخرى من الوثائق وصفتها بأنها محاضر داخلية لعشرة اجتماعات سرية لقيادة “حماس”، عُثر عليها في حاسوب داخل مركز قيادة تحت الأرض في خان يونس.
وثيقتان.. لا وثيقة واحدة
يكتسب التمييز بين مجموعتي الوثائق أهمية منهجية، إذ إن كلتيهما نُشرت في توقيت مختلف واستندت إلى مصدر عسكري إسرائيلي مختلف، وإن كانتا تتقاطعان في الخطوط العريضة للرواية. ومع ذلك، فإن موثوقية هذه الوثائق ليست محل إجماع. فقد أفادت منصة “دروب سايت نيوز” بأن أحد المصدرين اللذين استعانت بهما “نيويورك تايمز” للتحقق من الوثائق أبدى شكوكاً بشأن دقتها، فيما نفت البعثة الإيرانية لدى الأمم المتحدة صحة الوثائق جملةً وتفصيلاً، ووصفتها بأنها “ملفقة”.
وعلى الرغم من هذه التحفظات، فإن الصورة العامة التي ترسمها الوثائق، إذا صحت، تقدم تفسيراً غير مسبوق لطبيعة العلاقة بين يحيى السنوار وحسن نصر الله وإيران، وللكيفية التي كانت تُدار بها فكرة “وحدة الساحات”، كما تفسر جانباً مهماً من الأسباب التي حالت دون اندلاع الحرب الإقليمية التي توقعها كثيرون في الساعات الأولى من السابع من أكتوبر.
غرفة بيروت المشتركة
تكشف المحاضر المنشورة أن التنسيق بين “حماس” و”حزب الله” وإيران لم يكن مجرّد شعار سياسي، بل بلغ خلال الأعوام الممتدة بين 2019 و2022 مستوى غير مسبوق. ويعود هذا التقارب، بحسب الوثائق، إلى رسالة بعث بها إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحماس آنذاك، إلى حسن نصر الله في العام 2019 طالباً تنسيقاً عسكرياً أوثق، إلى جانب رسالة مماثلة وُجهت إلى المرشد الإيراني علي خامنئي.
وتشير الوثائق إلى أن حرب مايو /أيار 2021 شكّلت نقطة تحول مهمة، إذ جرى، بحسب تلك المحاضر، إنشاء غرفة عمليات استخباراتية مشتركة في بيروت ضمت ممثلين عن “حماس” و”حزب الله” و”الحرس الثوري الإيراني”، لتبادل المعلومات وتنسيق المواقف خلال الحرب.
دور “حزب الله” الاستخباراتي في حرب 2021
تشير الوثائق إلى أن “حزب الله” قدّم خلال حرب مايو 2021 دعماً استخباراتياً متقدماً لـ”حماس”، سواء عبر تزويدها بمعلومات تتعلق بتحركات الجيش الإسرائيلي وعملياته الجوية، أو من خلال تبادل التقديرات الميدانية. وتذهب بعض المحاضر إلى حدّ الإشارة إلى إسهام الحزب في تحذير “حماس”، قبل نحو ساعتين، من أن عملية إنزال بري إسرائيلية مزعومة لم تكن سوى خدعة هدفت إلى استدراج مقاتلي الحركة داخل شبكة الأنفاق تمهيداً لقصفها، فيما عُرف لاحقاً باسم “عملية المترو”.
وقد أكد مسؤول أمني إسرائيلي شارك في العملية أن “حزب الله” لعب دوراً في كشف الخدعة، وإن كانت “حماس” نفسها أشارت إلى أن الحزب لم يدرك آنذاك الحجم الكامل للخطة الإسرائيلية. ومع ذلك، تبقى هذه التفاصيل جزءاً من روايات لم تخضع لتحقيق مستقل.
الخلاف الاستراتيجي: أي هدف للحرب؟
غير أن الجانب الأكثر أهمية في هذه الوثائق لا يتعلق بحجم التنسيق، بل بالخلاف الاستراتيجي الذي بدأ يتشكل داخل هذا التحالف قبل أكثر من عام من السابع من أكتوبر.
ففي اجتماع عقد في بيروت خلال مايو 2022، جمع، بحسب الوثائق، مسؤولين كباراً في حركة “حماس” بالأمين العام السابق لـ”حزب الله” حسن نصر الله، بحضور المسؤول الإيراني عن الملف الفلسطيني في “فيلق القدس” محمد سعيد إزادي، طرحت قيادة “حماس” فكرة استغلال حالة الاضطراب السياسي التي كانت تعيشها إسرائيل آنذاك للدفع نحو مواجهة واسعة.
وتنقل الوثائق ما يفيد بأن نصر الله أبدى تحفظات واضحة إزاء توسيع نطاق المواجهة، وطرح تساؤلات حول حدود الهدف من أي حرب شاملة وما إذا كانت متناسبة مع الأكلاف المحتملة على “حزب الله” ولبنان. وبصرف النظر عن الصياغة الدقيقة لهذا النقاش، فإن مضمونه يعكس اختلافاً عميقاً في طريقة نظر كل طرف إلى الصراع.
لقد كانت “حماس”، بوصفها حركة محاصرة داخل قطاع غزة، ترى في كل مواجهة فرصة لتغيير قواعد اللعبة، سواء عبر كسر الحصار أو فرض معادلات جديدة، حتى لو انطوى ذلك على مخاطر وجودية. أما “حزب الله” وإيران، فكانا ينظران إلى القوة العسكرية المتراكمة في لبنان باعتبارها رصيداً استراتيجياً يرتبط بتوازن الردع الإقليمي، لا ورقة يمكن استخدامها في كل جولة قتال فلسطينية، مهما بلغت أهميتها.
مفهومان متعارضان لـ”وحدة الساحات”
ومن هنا بدأت تتسع الفجوة بين مفهومين مختلفين لـ”وحدة الساحات”. ففي حين كانت حماس تميل إلى ترجمة هذا الشعار إلى تدخل عسكري متزامن على جميع الجبهات عند اندلاع أي حرب كبرى، كانت طهران و”حزب الله” تتعاملان معه بوصفه إطاراً عاماً لتوزيع الضغوط وإدارة الصراع، بما يحافظ على هامش واسع للتحكم في توقيت التصعيد ومستواه.
وتشير الوثائق إلى أن هذا التباين لم يمنع استمرار التنسيق. فقد ناقشت قيادة “حماس” خلال العام 2023 سيناريوهات لهجوم متعدد الجبهات يشارك فيه قطاع غزة وجنوب لبنان وربما جبهات أخرى، إلا أن تلك التصورات لم تتحول إلى خطة تنفيذية مشتركة، في ظل حسابات إيرانية كانت تميل آنذاك إلى تجنّب الانزلاق نحو حرب إقليمية مفتوحة، بالتزامن مع مسارات تهدئة وانفتاح دبلوماسي مع عدد من الدول العربية.
السرية التي حسمت المعركة
مع اقتراب موعد تنفيذ “طوفان الأقصى”، اتخذ السنوار قراراً مختلفاً. فبحسب وثائق “نيويورك تايمز”، التقى خليل الحية، أحد كبار قادة “حماس”، بمحمد سعيد إزادي في يوليو/تموز 2023، أي قبل ثلاثة أشهر من الهجوم، وأطلعه على الخطة. وأجاب إزادي بأن إيران و”حزب الله” يدعمانها “من حيث المبدأ”، لكنهما يحتاجان إلى وقت إضافي لـ”تهيئة البيئة”.
يشير ذلك إلى أن حلفاء “حماس” كانوا على اطلاع عام بوجود خطة لهجوم كبير، من دون أن يُبلّغوا، بحسب هذه الرواية، بتوقيته الدقيق أو تفاصيله التنفيذية الكاملة.
في المقابل، نقلت مصادر إيرانية عبر وكالة “رويترز” أن المرشد الإيراني أبلغ رئيس المكتب السياسي لـ”حماس”، في لقاء عُقد بطهران بعد الهجوم، بأن الحركة لم تعطِ إيران أي إنذار مسبق بشأن موعد العملية، وأن طهران لن تدخل الحرب نيابة عنها. كما نفت إيران رسمياً امتلاكها أي علم مسبق بالتوقيت.
وبين الروايتين، يبقى الثابت الأوضح أن “حماس”، أياً كانت درجة إطلاع حلفائها على الخطوط العامة للخطة، لم توفر لهم الوقت الكافي أو التفاصيل اللازمة لإعداد تدخل عسكري واسع ومتزامن مع لحظة الهجوم، سواء كان ذلك حفاظاً على السرية المطلقة، أو نتيجة تريث الحلفاء أنفسهم في الالتزام بموعد محدد.
وهنا تكمن المفارقة الأبرز؛ فالعامل الذي منح “حماس” عنصر المفاجأة في غزة، كان في الوقت نفسه أحد الأسباب التي أضعفت فرص تحويل العملية إلى حرب إقليمية منذ لحظاتها الأولى.
لماذا اكتفى الحزب بـالإسناد؟
تشير الوثائق إلى أن السنوار بعث، بعد بدء العملية، برسالة عاجلة إلى حسن نصر الله يطلب فيها فتح الجبهة الشمالية. غير أن “حزب الله” اكتفى في اليوم التالي بإطلاق ما سماه “جبهة الإسناد”، عبر عمليات محدودة على الحدود اللبنانية-الإسرائيلية، من دون الانتقال إلى اجتياح بري للجليل أو مشاركة “قوات الرضوان” في أي توغل فعلي، وهو ما عزز الانطباع بأن قرار فتح جبهة لبنان ظل محكوماً بحسابات “حزب الله” الخاصة، لا بإيقاع العملية التي أطلقتها “حماس”.
ومن الصعب الجزم بأن هذا القرار كان نتيجة عامل واحد، إلا أن قراءة الوقائع العسكرية تشير إلى أن عنصر المفاجأة كان قد انتهى شمالاً بمجرد بدء الهجوم من غزة. فقد دخل الجيش الإسرائيلي في حالة استنفار كامل، واستُدعيت قوات الاحتياط، وارتفع مستوى الجاهزية على الحدود اللبنانية، ما جعل أي عملية اجتياح واسعة أكثر تعقيداً وكلفة مما كانت ستكون عليه لو جرى تنسيقها مسبقاً.
كما أن “حزب الله” وإيران لم يكونا، على الأرجح، مستعدين لخوض حرب قد تعيد رسم موازين القوى في المنطقة استناداً إلى قرار اتخذته قيادة “حماس” بصورة منفردة، ومن دون اتفاق مُسبق ودقيق على التوقيت أو آليات إدارة التصعيد.
اختبار حدود التحالفات
لم يكن السابع من أكتوبر مجرد اختبار للقوة العسكرية، بل كان أيضاً اختباراً لحدود التحالفات غير المتناظرة. فقد راهنت “حماس” على أن نجاح العملية سيدفع جميع الحلفاء إلى الانخراط تلقائياً في مواجهة شاملة، بينما تعامل “حزب الله” وإيران مع الحدث باعتباره محطة ضمن صراع طويل ينبغي ضبط إيقاعه بما يحفظ توازن الردع ويمنع استنزاف أوراق القوة دفعة واحدة.
وإذا كانت هذه الوثائق، على الرغم من الجدل الذي يحيط بموثوقيتها، قد أتاحت نافذة نادرة على النقاشات الداخلية لمحور المقاومة، فإن أهميتها تتجاوز تفاصيل الاجتماعات نفسها. فهي تشير إلى أن الخلاف لم يكن على العدو أو على مبدأ المواجهة، بل على تعريف “وحدة الساحات” وحدودها العملية. فبينما رأت “حماس” أن هذا المفهوم يقتضي فتح الجبهات بصورة متزامنة عند اندلاع أي حرب كبرى، تعامل معه “حزب الله” وإيران باعتباره إطاراً مرناً لإدارة الصراع وفق حسابات الردع الإقليمي وتوقيت كل جبهة. وبين هذين المفهومين، تشكلت إحدى أهم مفارقات السابع من أكتوبر، وربما أحد أبرز مفاتيح فهم الحرب التي أعادت رسم توازنات المنطقة.















