مصر - عمرو فاروق
مصر - عمرو فاروق

مقالات مشابهة

الاختراق الناعم (5-6)

التنظيم الدولي وشبكات النفوذ.. كيف يعيد “الإخوان المسلمين” تشكيل شبكات التأثير في الإعلام العربي؟

مصر - عمرو فاروق
مصر - عمرو فاروق

أدرك التنظيم الدولي لجماعة “الإخوان المسلمين” أهمية انتقال الصراع على المجتمعات الإسلامية من خلال أدوات “القوة الناعمة”، التي تتقدمها وسائل الإعلام، والمؤسسات التعليمية والبحثية، ومنظمات المجتمع المدني، والمنصات الرقمية، وشبكات التدريب والتأهيل، والمؤسسات العابرة للحدود، بما يسمح له بالحفاظ على قدرته على التأثير على “العقل الجمعي” واتجاهاته، وذلك في ظل تراجع تمدده التنظيمي.

تبدو المؤسسات العابرة للحدود، التي تعمل تحت عناوين مهنية وإعلامية وأكاديمية، جديرة بالبحث والتدقيق، خصوصاً عندما تتحول برامج التدريب والمنح والمؤتمرات إلى بوابات لبناء شبكات نفوذ طويلة المدى. فالدورة التدريبية تبدأ بتعليم مهارات الصحافة الرقمية، لكنها قد تتيح أيضاً مساحة للتعارف وبناء الشبكات وإعادة تشكيل المفاهيم، وربط المشاركين فيها بكيانات ودوائر فكرية وسياسية تتجاوز الهدف المهني المعلن.

نفوذ إعلامي عابر للحدود

ويُعد الاختراق الفكري الناعم عملاً وعلماً مدروساً، تُوظف من خلاله الكثير من الأدوات والوسائل الحديثة والمتطورة، لا سيما المعتمدة على مشروع تطويع الهيمنة عن بعد، ومحاولة التغلغل في عمق النخبة الإعلامية، وتمرير أجندة التنظيم الدولي للإخوان بهدوء تام.

وهنا، تأتي تجربة “شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا” لتكون في مقدمة النماذج التي تستحق القراءة؛ ليس باعتبار كل من تعامل معها أو شارك في أنشطتها جزءًا من جماعة “الإخوان المسلمين”، وإنما كحالة يمكن من خلالها فحص وسائل واستراتيجيات توظيف المجال الإعلامي في بناء النفوذ العابر للحدود.

أسّست الشبكة فروعها في عدد من الدول العربية، من بينها المغرب وتونس والأردن، بجانب مقراتها الرسمية في لندن وتركيا والنمسا، مع وجود كثير من المراسلين في غالبية دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، لممارسة أنشطتها التي لا تبعد نهائيًا عن أجندة التنظيم الدولي.

الكيانات الوسيطة

تفادياً للإشكاليات والصعوبات التي تعيق توسّع “شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا” في إقامة مقراتها الرسمية داخل دول محددة مثل مصر والإمارات والسعودية، اعتمدت المنظمة الإخوانية بناء مؤسسات صغرى تلعب دور الوسيط بين “محرري الشرق الأوسط”، من داخل اسطنبول، وبين المؤسسات الرسمية والنخب الإعلامية في تلك الدول تهرباً من المتابعة أو الملاحقة الأمنية أو التغطية على النشاط المنوط بها، لاسيما أن أبو بكر خلاف وظّف منصات الشبكة للهجوم على الأجهزة الأمنية المصرية.

ويتولى رئاسة مجلس إدارة منظمة “شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا”، أحد قيادات التنظيم الدولي، بينما يتولى منصب المدير التنفيذي الإخواني المصري أبو بكر خلاف، الذي يرتبط بعلاقات وثيقة مع ممثلي الكيان الصهيوني، المحكوم عليه في قضايا تخص الأمن القومي المصري، وقد غيّر اسمه إلى أبو بكر إبراهيم أوغلو، بعد حصوله على الجنسية التركية.

التوسع والانتشار

تعمل شبكة “محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا” وفقاً للرؤية الجديدة للتنظيم الدولي للإخوان، المبنية على استراتيجية الانتقال من التوسع في البناء التنظيمي الهرمي والهيكلي إلى حالة السيولة الفكرية للمشروع الإخواني، التي اعتُمدت رسمياً منذ وصول إبراهيم منير (قبل وفاته) إلى قمة السلطة داخل الجماعة.

كما تعمل على التوسع والانتشار عربياً وإفريقياً بين الأوساط الشبابية الجديدة، في ظل تعثر المشروع الإخواني التنظيمي على أرض الواقع، سعياً إلى استمالة عدد كبير من الشباب الإعلاميين والصحفيين في المنطقة العربية، بهدف تبنّي خطابها وأدبياتها الفكرية والسياسية، وفقاً لما يعرف بـ”التأثير النفسي والذهني عن بعد”، والاستفادة من الوسائل التكنولوجية الحديثة، وبرامج التعليم أونلاين، إذ إن المنظمة تعتمد في عملها على الورش والدورات التأهيلية ومنح الشهادات المهنية والصحفية عن بعد، كمستوى أول في الالتحاق بفريق العمل.

الاحتلال الإلكتروني

ترى الاستراتيجية الجديدة للتنظيم الدولي، أن المشروع الأصولي عليه أن يعدّل من آلياته ووسائله المتبعة في عمليات الاستقطاب والتجنيد، وفقاً للأهداف الجديدة، وعدم التركيز على الوسائل التقليدية في تنفيذ سيناريوهات “أسلمة المجتمعات”، إذ إنها لم تعد في حاجة لمزاحمة النظام السياسي الحاكم في السيطرة على مؤسسات الدولة وتطويعها، لا سيما في ظل انفتاح الساحة أمامها في احتلال الفضاء الأزرق بمختلف تنوعاته.

وتضم “شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا”، بين صفوفها عدداً من قيادات التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، لا سيما الفاعلة في مجال الإعلام والميديا، بما يخدم الأهداف الإخوانية ورسالتها التحريضية التي توظفها لتفكيك البنية المجتمعية للشعوب العربية، والتدريب على نظريات إسقاط الأنظمة السياسية الحاكمة تحت دعاوى الديمقراطية وحرية التعبير والرأي، وهدم الثوابت العقائدية وتغليفها بالمنطلقات القطبية المتشددة.

لم تتوقف الشبكة الإخوانية عن دورها في تخريب العقول الشبابية إذ عقدت اتفاقيات مباشرة مع عدد من المؤسسات الأمريكية الممولة للمشاريع المناهضة للأنظمة السياسية الحاكمة، والتي تتفق مع أجندتها بخصوص الثورات الشعبية، والتدريب على العصيان المدني. 

وفي مقدمة المؤسسات الممولة “الصندوق الوطني للديمقراطية” (NED)، والذي يقدم منحاً لا تقل عن 50 ألف دولار سنويًا. ووفقًا لتعريفه عبر موقعه الرسمي، يشجّع الصندوق المنظمات العاملة في بيئات متنوعة، بما في ذلك الديمقراطيات الحديثة، والدول شبه الاستبدادية، والمجتمعات القمعية والدول التي تمر بمرحلة انتقال ديمقراطية للتقديم. كما يتبع مجموعة من المنظمات الأمريكية التي تعمل على تغيير وإسقاط الأنظمة العربية الحاكمة، ولعبت دورًا تخريبًيا خلال مرحلة الثورات العربية عام 2011، مثل المعهد الأمريكي للمشاريع، ومعهد بحوث المثلث، والمعهد الوطني الديمقراطي للشؤون الدولية، والمعهد الجمهوري الدولي، والمركز الأمريكي للتضامن الدولي في العمل، وصندوق الأمم المتحدة للديمقراطية، ومؤسسة وستمنستر للديمقراطية.

الإعلام الموازي

تُعد “شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا” من الكيانات الإعلامية والسياسية التي تؤدي أدوارًا مزدوجة، لا سيما في ظل وجود الإخواني أبو بكر خلاف، المعروف بتطبيعه مع الكيان الصهيوني، إذ شارك في مؤتمر “معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي”، الذي عقد في تل أبيب، في الفترة ما بين 27 إلى 29 يناير 2019، كما عمل مراسلاً لقناة (i24)، برفقة شبكة من الصحفيين المنتمين للجماعة في إطار من التطبيع التام مع مؤسسات الإعلام الصهيونية.

يمكن القول، إن ظاهرة اختراق تنظيم الإخوان المسلمين الدولي لمؤسسات “الإعلام العربي” لا تنطلق من فرضية الاتهام المسبق، وإنما من تحليل دور الشبكات والمؤسسات ومساراتها: من يمول؟ ومن يدرب؟ ومن يدير؟ ومن يشارك؟ وما طبيعة المحتوى الذي يُنتج؟ وإلى أي دوائر سياسية وفكرية وتنظيمية تمتد هذه العلاقات؟ 

وهذه الأسئلة هي المدخل الحقيقي لفهم كيفية انتقال التنظيم من محاولة السيطرة المباشرة على مؤسسات المجتمع إلى محاولة التأثير في “العقل الجمعي”، بوصفه مساحة لإعادة النفوذ والقوة، وتشكيل الدوائر المناهضة للسلطات الحاكمة.