بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

مقالات مشابهة

تقرير حقوقي

“الإسكوا”: العقد الاجتماعي يتآكل من الداخل.. والطبقة الوسطى العربية تفقد الأمان وتقترب من حافة الفقر في 2026

بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

لم يعد السؤال الأكثر دقة حول “الطبقة الوسطى العربية” هو: كم يبلغ حجمها؟ بل: كم بقي لديها من الأمان؟ فالأسرة قد تحتفظ بوظيفة وشهادة جامعية ومسكن ودخل يضعها إحصائياً فوق خط الفقر، لكنها في الوقت نفسه تفقد القدرة على الادخار، أو تتراجع أمام تكاليف الغذاء والسكن والعلاج والتعليم، أو تصبح صدمة واحدة كافية لدفعها إلى الدين أو خفض مستوى معيشتها.

هذا التحول يجعل قضية الطبقة الوسطى أكبر من نقاش تقليدي حول توزيع الدخل. إنها قضية تتصل بالاستقلال الاقتصادي، والحماية الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، وقدرة المواطن على الاحتفاظ بموقع اجتماعي لا تبتلعه كل أزمة جديدة.

وهو اتجاه ينسجم مع التحول الذي ظهر في تقارير لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا “الإسكوا” خلال 2025، حين وضعت عدم المساواة في قلب تقرير رئيسي بعنوان «عدم المساواة في المنطقة العربية: حقوق منتهكة ووعود مهدرة»، وأتبعت ذلك بلقطات عن عدم المساواة متعددة الأبعاد، إلى جانب تقرير آخر عن الفئات التي تُترك خلف مسار التنمية وإصلاحات الحماية الاجتماعية في المنطقة.

المعنى هنا مهم: قياس موقع الأسرة بالدخل وحده لم يعد كافياً لفهم ما يحدث لها. فالدخل نفسه قد يبقى ثابتاً بينما ترتفع كلفة الحياة، أو تتدهور جودة الخدمات العامة، أو تصبح الوظيفة أقل استقراراً، أو تتقلص قدرة الأسرة على مواجهة المرض والبطالة والصدمات.

حملة الشهادات والقلق

تقدم البيانات الأحدث من مسح الباروميتر العربي صورة أكثر مباشرة لما تعنيه هذه الهشاشة في الحياة اليومية. فقد أُجريت الدورة التاسعة بين سبتمبر/أيلول 2025 ومايو/أيار 2026، عبر استبيانات وطنية ممثلة في مصر والعراق والأردن ولبنان والمغرب وموريتانيا وفلسطين وسوريا وتونس.

وتبدو مصر مثالاً واضحاً على اتساع الضغط خارج الشرائح الأفقر وحدها، إذ وصف 72% من المصريين الوضع الاقتصادي بأنه سيئ أو سيئ جداً، ورأى 60% أن الاقتصاد هو التحدي الأكثر إلحاحاً في البلاد. وكان ارتفاع تكاليف المعيشة المشكلة الاقتصادية الأولى لدى 45% من المشاركين.

لكن المؤشر الأكثر دلالة على موضوع الطبقة الوسطى يظهر في الأمن الغذائي. فقد أعرب نحو 60% من المصريين عن عدم استطاعتهم شراء ما يكفي من الطعام خلال الشهر السابق للاستطلاع، ولم تقتصر المشكلة على الفئات الأقل تعليماً؛ بل شملت 38% من الحاصلين على درجة البكالوريوس أو شهادات أعلى.

لا يعني ذلك أن 38% من الطبقة الوسطى المصرية تعاني الجوع، فالاستطلاع لا يُصنف الأشخاص طبقياً بهذا الشكل، لكنه يكشف أن التعليم العالي، الذي كان تاريخياً إحدى أهم بوابات الصعود إلى الطبقة الوسطى، لم يعد ضمانة كافية ضد ضغط تكاليف المعيشة.

وفي تونس تبدو الصورة مختلفة في التفاصيل، لكنها قريبة في الجوهر. فقد أظهر استطلاع أُجري بين أكتوبر/تشرين الأول ونوفمبر/تشرين الثاني 2025، أن 44% من التونسيين يعتبرون الاقتصاد المشكلة الأولى للبلاد، فيما جاء التضخم في صدارة المشكلات الاقتصادية لدى 42% منهم. ورغم تحسن التفاؤل مقارنة بسنوات سابقة، ظل نحو ثلثي المشاركين يصنفون الوضع الاقتصادي بأنه سيئ أو سيئ جداً.

الأرقام الأوسع للأمن الغذائي أكثر حدة. ففي ست من ثماني دول عربية شملتها المقارنة، قال نصف السكان على الأقل إن أسرهم نفد منها الطعام في مرحلة ما، ولم تكن قادرة على شراء المزيد في الوقت المناسب. وبلغت النسبة 65% في سوريا، و62% في تونس، و61% في كل من الأردن ومصر، و56% في المغرب.

هذه أرقام عن السكان عموماً وليست عن الطبقة الوسطى تحديداً، لكنها ترسم البيئة التي تتحرك داخلها هذه الطبقة: عندما يصبح تأمين الاحتياجات الأساسية مشكلة واسعة النطاق، تتعرض الأسر الواقعة فوق الفقر مباشرة لضغط إضافي يدفعها نحو الهشاشة.

السقوط التدريجي في الفقر

هنا تكمن إحدى مشكلات النقاش التقليدي. فالسقوط الاجتماعي لا يعني دائماً الانتقال فوراً إلى ما تحت خط الفقر. يمكن أن يبدأ بخطوات أقل وضوحاً: التوقف عن الادخار، الاستغناء عن التأمين الخاص، نقل الأبناء إلى تعليم أقل كلفة، تأجيل العلاج، بيع أصل، البحث عن وظيفة ثانية، أو التفكير في الهجرة.

وفي مصر مثلاً ارتفعت نسبة الذين قالوا إنهم يفكرون في الهجرة إلى 22% في استطلاع 2025، مقارنة بـ13% في 2022، وكانت النسبة أعلى بين الشباب والطلاب والأكثر تعليماً.

هذا المؤشر لا يثبت أن أفراد الطبقة الوسطى يهاجرون بسبب تراجع موقعهم الاجتماعي وحده، لكنه يكشف ارتباطاً مهماً بين الضغط الاقتصادي وبين استعداد الشرائح المتعلمة للبحث عن مستقبل خارج الاقتصاد المحلي.

وتظهر بيانات الباروميتر أيضاً أن الضغوط الاقتصادية لا تتوزع بالتساوي. فالأفراد غير القادرين على تغطية نفقاتهم أكثر تعرضاً لنفاد الطعام وتجاوز الوجبات والخوف من عدم القدرة على تأمين الغذاء. حتى في لبنان، حيث كانت الفجوة بين الشرائح أقل من دول أخرى، كان الأقل دخلاً أكثر ميلاً بنحو الضعف إلى القلق بشأن الغذاء مقارنة بالأفضل حالاً.

2026 تفاقم الصدمة

الضغط الذي تكشفه استطلاعات 2025 سبق الصدمة الإقليمية الجديدة في 2026. إذ خفّض البنك الدولي، في إبريل/نيسان، توقعاته للنمو في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأفغانستان وباكستان، مستبعداً إيران، من 4% في 2025 إلى 1.8% في 2026، ومعتبراً أن اضطرابات الطاقة والتجارة والبنية التحتية رفعت عدم اليقين وضغوط الأسعار، خصوصاً عبر الطاقة والغذاء.

وفي يونيو/حزيران أصبح تقدير البنك أكثر تشاؤماً على المستوى الإقليمي الأوسع، مع خفض توقع نمو منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأفغانستان وباكستان إلى 1.6% في 2026 بسبب تداعيات الحرب واضطرابات الطاقة.

كما قدّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، في مارس/آذار، أن سيناريو استمرار التصعيد قد يكلف الاقتصادات العربية ما بين 120 و194 مليار دولار، ويرفع البطالة إلى أربع نقاط مئوية، بما يعادل فقدان نحو 3.6 مليون وظيفة، ويدفع حوالي أربعة ملايين شخص إضافي إلى الفقر. وهذه تقديرات سيناريو وليست نتائج نهائية محققة.

وتزداد أهمية هذه الأرقام لأنها جاءت فوق قاعدة اجتماعية كانت ضعيفة بالفعل قبل اندلاع التصعيد. فاستطلاعات الباروميتر التي كشفت عن صعوبات الغذاء وارتفاع القلق من التضخم جُمعت أساساً بين أغسطس/آب ونوفمبر/تشرين الثاني 2025، أي قبل الأزمة الإقليمية الجديدة.

وبحلول يونيو/حزيران 2026، حذّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي من أن إجراءات الحكومات لحماية الأسر والشركات من ارتفاع أسعار الطاقة، مثل الدعم وسقوف الأسعار والتخفيضات الضريبية، تخفف الصدمة المباشرة لكنها تستهلك حيزاً مالياً كان يمكن توجيهه إلى الصحة والتعليم والبنية الأساسية. 

وهنا تظهر الحلقة الأصعب بالنسبة إلى الطبقة الوسطى: إذا لم تتدخل الدولة ترتفع كلفة المعيشة بسرعة، وإذا تدخلت بدعم واسع ومكلف قد تضطر لاحقاً إلى تقليص إنفاق آخر تعتمد عليه الأسر نفسها.

ليست أزمة دخل فقط

أهمية تقرير الإسكوا عن عدم المساواة في 2025 أنه جاء ضمن سلسلة من التقارير التي تنظر إلى الحرمان باعتباره متعدد الأبعاد، لا مجرد مسألة دخل، وترافق مع دراسات عن الحماية الاجتماعية والفئات التي لا تصل إليها مكاسب التنمية بصورة متساوية.  

وهذا أقرب إلى تفسير وضع الطبقة الوسطى اليوم. فالأسرة لا تحتاج إلى راتب فقط كي تشعر بالأمان. تحتاج إلى تعليم عام ذي جودة أو قدرة على شراء بديله، ورعاية صحية يمكن الاعتماد عليها، وسكن يمكن تحمله، وفرصة عمل مستقرة، ونظام حماية يقلل تكلفة المرض والبطالة والشيخوخة.

وعندما تتراجع هذه العناصر، تضطر الأسرة إلى شرائها من دخلها الخاص. عندها يصبح الراتب الذي كان يكفي قبل سنوات عاجزاً عن توفير المستوى نفسه حتى إذا لم يتراجع رقمياً.

في مصر أيضاً، أظهر استطلاع 2025 عدم الرضا عن خدمات الصحة والتعليم بنسبة 58%، ولا عن الإسكان بنسبة 68%، بالتوازي مع القلق المرتفع من الأسعار وفرص العمل.

من الاقتصاد إلى المواطنة

لا توجد قاعدة علمية تسمح بالقول إن تراجع الطبقة الوسطى يؤدي آلياً إلى تراجع الديمقراطية، كما أن وجود طبقة وسطى كبيرة لا يصنع وحده نظاماً سياسياً أكثر انفتاحاً.

لكن الاستقلال الاقتصادي له أثر في مساحة الخيارات المتاحة للفرد. فكلما أصبحت الأسرة أقرب إلى حافة العجز المالي، زادت حساسيتها لفقدان الوظيفة، وقل هامش تحملها للمخاطر، وأصبح قرار تغيير العمل أو تأسيس مشروع أو المشاركة في نشاط اجتماعي أو الانتقال إلى مدينة أخرى أكثر تكلفة.

هذه ليست علاقة سببية بسيطة بين المال والسياسة، لكنها تجعل الأمان الاقتصادي جزءاً من شروط المواطنة الفعلية: أن يمتلك الفرد قدراً من الاستقلال يسمح له باتخاذ قراراته من دون أن تكون كل خطوة مهددة بانهيار معيشته.

كما أن اتساع التفاوت يؤثر في الثقة في قدرة الدولة على إدارة الاقتصاد بعدالة. ففي مصر، قال 69% في استطلاع 2025 إن أداء الحكومة سيئ في خفض عدم المساواة في الدخل، بينما رأى 85% أنها لا تؤدي جيداً في إبقاء الأسعار منخفضة.

وفي تونس، رغم تحسن تقييمات الأداء الاقتصادي مقارنة بعام 2023، ظل التضخم المشكلة الاقتصادية الأولى، فيما لم يمنح سوى 30% الحكومة تقييماً إيجابياً في تقليص الفجوة بين الأغنياء والفقراء.

ليس معنى ذلك أن كل أزمة معيشية تتحول إلى أزمة سياسية، بل مجرد استمرار الإحساس بأن العمل والتعليم لا يكفيان للحفاظ على الموقع الاجتماعي يضعف أحد أهم وعود العقد الاجتماعي: “الجهد الفردي يمكن أن يؤدي إلى حياة أكثر استقراراً”.

حماية الطبقة الوسطى لا الأغنياء

الخطأ الآخر هو النظر إلى حماية الطبقة الوسطى باعتبارها منافسة لسياسات مكافحة الفقر، والعكس قد يكون أقرب إلى الواقع. فالأسرة التي تفقد موقعها المستقر اليوم قد تصبح محتاجة إلى المساعدة غداً، ما يعني أن منع الهبوط الاجتماعي يمكن أن يكون أقل كلفة من انتظار اتساع دائرة الفقر.

ولهذا تكتسب إصلاحات الحماية الاجتماعية التي رصدتها “الإسكوا” في تقريرها السنوي المنشور في مايو/أيار 2025 أهمية خاصة؛ فالمنطقة لا تحتاج فقط إلى برامج تستهدف من هم تحت خط الفقر، بل إلى نظم قادرة على حماية الناس أثناء الانتقال بين الوظائف ومواجهة المرض والبطالة والصدمات.  كما أن التحدي لا يحل بدعم الأسعار وحده. أحدث تقييمات 2026 تظهر أن الدعم يمكن أن يخفف الألم الفوري لكنه يستنزف الموارد العامة إذا أصبح الأداة الرئيسية للحماية.

البديل الأكثر استدامة هو مزيج من وظائف رسمية منتجة، وحماية اجتماعية مرتبطة بالفرد لا بوظيفة واحدة فقط، وخدمات عامة تقلل الإنفاق القسري من دخل الأسرة، ونظام ضريبي أكثر قدرة على توزيع كلفة الأزمات بعدالة. البيانات الحديثة لا تسمح بالقول إن الطبقة الوسطى العربية “اختفت”، كما لا يوجد حتى الآن مقياس إقليمي موحد ومحدث لعام 2026 يحدد حجمها بدقة. لكنها تقول شيئاً ربما أهم: شبكة الأمان المحيطة بها تضعف.

قبل صدمة 2026، كانت نسب كبيرة من المواطنين في دول عربية متعددة تتحدث عن صعوبة الغذاء، وارتفاع الأسعار، والقلق من العمل والخدمات. ثم جاءت الحرب واضطرابات الطاقة والتجارة لتضيف موجة جديدة من التضخم ومخاطر فقدان الوظائف والضغط على الموازنات. 

ولذلك فإن السؤال الذي سيحدد مستقبل الطبقة الوسطى العربية لن يكون فقط كم تكسب الأسرة شهرياً، بل كم تستطيع أن تخسر قبل أن تسقط. وهذا هو الفاصل الحقيقي بين طبقة وسطى مستقرة وأخرى لا تزال تحمل الاسم، لكنها تعيش بالفعل على حافة الهشاشة.