أعاد لقاء وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت ونظيره الروسي أنطون سيلوانوف، على هامش اجتماع وزراء مالية ومحافظي البنوك المركزية لمجموعة العشرين في آشفيل بولاية نورث كارولاينا، رسم واحدة من أكثر مفارقات الحرب وضوحاً. قد تقطع الدول العلاقات السياسية، وتفرض العقوبات، وتخوض صراعاً بالوكالة، لكنها تجد نفسها مضطرة في النهاية إلى الجلوس معاً عندما تصبح مصالح المال والأعمال أكبر من قدرة العزلة على إلغاء الحاجة إلى الحوار.
سيلوانوف، الذي يخضع لعقوبات أميركية منذ عام 2022، حضر شخصياً للمرة الأولى اجتماعاً لمجموعة العشرين منذ الغزو الروسي لأوكرانيا، في خطوة عدها مسؤولون أوروبيون إشارة مقلقة إلى احتمال بدء تطبيع تدريجي للعلاقات مع موسكو، بينما تراها واشنطن جزءاً من محاولة استخدام القنوات الاقتصادية والمالية لدفع مسار التفاوض نحو إنهاء الحرب.
هل هناك تخفيف للعقوبات؟
وفقاً لبيان وزارة المالية الروسية، ناقش بيسنت وسيلوانوف التعاون المالي الثنائي بين البلدين وأيضاً بين مجموعة العشرين. لكن اللقاء حمل، بحسب مسؤولين أميركيين، مضموناً أكثر مباشرة يتعلق بخطة الرئيس دونالد ترامب للسلام في أوكرانيا.
تكشف هذه النقطة تحديداً أهمية وزارة الخزانة الأميركية في أي مسار تفاوضي مع موسكو. فالحرب لم تعد عسكرية فقط؛ إذ تحولت منذ سنوات إلى صراع على التدفقات المالية، والطاقة، والبنوك، والأصول المجمدة، وسلاسل الإمداد والمدفوعات. وبيسنت نفسه يشرف على سياسة العقوبات الأميركية ضد روسيا، ما يجعل أي حديث عن تسوية سياسية مرتبطاً بصورة شبه حتمية بالملف الاقتصادي: ماذا سيحدث للعقوبات إذا توقفت الحرب؟ ومتى يمكن تخفيف القيود المالية؟ وما مصير الأصول الروسية المجمدة؟ وكيف يمكن إعادة روسيا إلى النظام المالي العالمي؟
لكن واشنطن لم تكن بصدد تقديم تنازلات اقتصادية لموسكو، فقد أوضح بيسنت لسيلوانوف أن أي تخفيف للعقوبات الاقتصادية أو تعاون لن يطرح ما دامت الحرب مستمرة، وهو ما يجعل استئناف الحوار مختلفاً عن التطبيع الذي تخشاه أوروبا.
أوروبا تخشى التطبيع
بطبيعة الحال، لم يكن الأوروبيون مرتاحين لعودة الوزير الروسي إلى اجتماعات مجموعة العشرين. فقد رفض وزير المالية الألماني لارس كلينغبايل ونظراؤه الأوروبيون الظهور إلى جانب سيلوانوف في الصورة الجماعية التقليدية للاجتماع، وأعرب عن استيائه لدعوته كضيف عادي. وقال، إن مجرد عودة وزير المالية الروسي بعد غياب موسكو عن أربعة اجتماعات لمجموعة العشرين “يبعث بإشارة محاولة تطبيع العلاقات، وهذا ما يجب التصدي له، فليس هناك وضع طبيعي مع روسيا في الوقت الراهن”.
تبدو هذه الحساسية مفهومة إذا قورنت بمشهد اجتماع مجموعة العشرين في واشنطن عام 2022، عندما أدت مشاركة سيلوانوف الافتراضية إلى انسحاب مسؤولين من الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا والبنك المركزي الأوروبي من الاجتماع. أما الآن، فوزير المالية الروسي يجلس داخل القاعة نفسها، ويجتمع مباشرة مع وزير الخزانة الأميركي.
استنزاف الموارد والتضخم
في الشق الاقتصادي، كان سيلوانوف مسؤولاً عن إدارة المالية الروسية منذ بدء الحرب مع أوكرانيا، في واحدة من أكثر الفترات اضطراباً في تاريخ الاقتصاد الروسي الحديث: إنفاق دفاعي متصاعد، عقوبات غربية واسعة، إعادة توجيه للتجارة، قيود على حركة رأس المال، ومحاولات لإبقاء الروبل والميزانية والقطاع المصرفي بعيداً عن الانهيار.
رغم الضغوط، لم يتحول الاقتصاد الروسي إلى الصورة التي توقعها بعض صناع السياسات الغربيين في بداية الحرب. وساعدت عائدات الطاقة، وإعادة توجيه صادرات النفط والسلع إلى أسواق آسيوية، وارتفاع الإنفاق الحكومي على الصناعات العسكرية، في إبقاء النشاط الاقتصادي قائماً. لكن هذا النمو جاء بتكلفة.
وتشير تقديرات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام إلى أن تمويل الحرب والإنفاق العسكري الروسي بلغ نحو 16 تريليون روبل في 2025 (نحو 190 مليار دولار)، أي ما يعادل 7.5% من الناتج المحلي الإجمالي. وفي ميزانية 2026، خُفض الرقم المخطط للإنفاق العسكري إلى نحو 14.9 تريليون روبل (نحو 171 مليار دولار)، أو 6.3% من الناتج، وسط محاولات لكبح اقتصاد أصبح يعاني من سخونة مفرطة وضغوط تضخمية.
نستنتج من هذه الأرقام أن الحرب يمكن أن تدعم النمو في الأجل القصير لأنها تضخ أموالاً ضخمة في الاقتصاد، لكنها في الوقت نفسه تستنزف الموارد وتضغط على التضخم والمالية العامة والقطاعات المدنية.
اقتصاد الحرب لا يعني الازدهار
كان لافتاً أن سيلوانوف لم يتطرق إلى حرب أوكرانيا في كلمته أمام الاجتماع. وبدلاً من ذلك ركز على الدين العالمي، وما وصفه بمحركات نمو جديدة للاقتصاد الروسي، مثل الأتمتة والذكاء الاصطناعي، ورقمنة الأعمال، وسياسة إحلال الواردات.
من خلال ذلك، تحاول موسكو تقديم اقتصادها باعتباره قادراً على الانتقال من حالة الطوارئ التي فرضتها الحرب إلى نموذج نمو جديد، حتى في ظل استمرار القتال. غير أن المؤشرات الدولية ترسم صورة أكثر تعقيداً، فصندوق النقد الدولي خلص في تقريره لعام 2026 إلى أن طفرة الإنفاق الدفاعي يمكن أن تعزز النشاط الاقتصادي على المدى القصير، لاسيما عبر الاستثمار والاستهلاك والقطاعات المرتبطة بالدفاع، لكنها في المقابل ترفع التضخم وتوسع العجز والدين العام في المدى المتوسط.
وبحسب الصندوق، تؤدي زيادات كبيرة في الإنفاق العسكري، في المتوسط، إلى تدهور العجز بنحو 2.6 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي، وارتفاع الدين العام بنحو 7 نقاط خلال ثلاث سنوات.
في اقتصاد الحرب، كل صاروخ يُطلق على الجبهة يتحول إلى أمر شراء في المصنع، وأي إنفاق عسكري يُرهق موازنة دولة ما يصبح إيرادات لشركات في دولة أخرى، والعقوبات التي تستهدف خنق التجارة تعيد تشكيلها بدلاً من إلغائها بالكامل.
عندما يصبح المال هو القضية
لا يمكن قراءة لقاء بيسنت وسيلوانوف باعتباره مشهد دبلوماسي لوزيرين يتحدثان عن التعاون المالي فحسب، بل بوصفه اختباراً مبكراً لشكل العلاقات في مرحلة ما بعد الحرب: متى يتحول العدو العسكري إلى طرف تفاوضي؟ ومتى يتحول العقاب الاقتصادي إلى ورقة مساومة؟ ومتى تصبح المصالح المالية سبباً في جلوس خصمين إلى الطاولة نفسها؟
فقد أفرزت حرب أوكرانيا شبكة اقتصادية عالمية معقدة؛ الولايات المتحدة وأوروبا تنفقان أكثر على الدفاع، روسيا توسع صناعتها العسكرية، ودول آسيوية تستورد الطاقة الروسية، فيما تستفيد شركات عاملة في قطاعات الطاقة والشحن والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي والدفاع من إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي.
في الوقت نفسه، أصبحت مجموعة العشرين ساحة لا يمكن فيها فصل الاقتصاد عن الجغرافيا السياسية. اجتماع آشفيل ينعقد وسط صدمة طاقة مرتبطة بالحرب مع إيران، وتوترات بشأن الفائض التجاري الصيني، ومخاوف من ارتفاع مستويات الدين العالمي، إلى جانب موجة استثمارات ضخمة في الذكاء الاصطناعي.
هكذا يجلس الخصوم حول طاولة واحدة لأن الاقتصاد العالمي لا يعرف خطوط الجبهة نفسها التي تعرفها الجيوش. يمكن لواشنطن أن تعاقب موسكو مالياً، ولأوروبا أن ترفض التصوير مع ممثلها، لكن لا يمكنها تجاهل حقيقة أن روسيا لا تزال لاعباً رئيسياً في الطاقة والسلع والأسواق العالمية. وبالمثل، لا تستطيع موسكو تجاهل النظام المالي الذي تسعى الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى التحكم في مفاتيحه.















