تبدو الجمهورية الإسلامية الإيرانية مع مطلع العام 2026، أمام أخطر منعطف داخلي منذ تأسيسها قبل ما يقارب نصف قرن. ما تشهده شوارع طهران والمدن الكبرى والريفية لم يعد موجة احتجاج اجتماعي يمكن احتواؤها بالقمع التقليدي أو الوعود الإصلاحية المؤجلة، بل أصبح أزمة بنيوية تهدد جوهر النظام السياسي، وتعيد طرح أسئلة عن شرعيته وقدرته على الاستمرار.
تواجه إيران اليوم اقتصاداً مترنحاً ومجتمعاً يغلي ونظاماً سياسياً مأزوماً، يقف عند مفترق طرق قد تكون تداعياته داخلية وإقليمية ودولية في آن واحد.
أسباب الاحتجاجات: أزمة اقتصادية خانقة
تعود جذور الاحتجاجات الحالية إلى أزمة اقتصادية خانقة انفجرت في نهاية العام 2025 مع انهيار سريع للريال الإيراني وارتفاع غير مسبوق في معدلات التضخم. لم تعد غالبية الإيرانيين قادرة على تأمين احتياجاتها الأساسية، فيما فقدت الطبقة الوسطى، التي كانت تاريخياً صمام الأمان الاجتماعي للنظام، القدرة على التكيف مع الضغوط المعيشية. ومن المرجح أن تتجاوز الأزمة العقوبات الخارجية لتصبح نتيجة نموذج اقتصادي مغلق ومسيّس، يهيمن عليه شبكات مصالح مرتبطة بالمؤسسات العسكرية والدينية، بعيداً عن أي رقابة أو مساءلة حقيقية.
أحد الخبراء الذين شغلوا مناصب استشارية حكومية سابقاً، وصف الوضع بالقول: “إن الدولة فقدت قدرتها الوظيفية الأساسية، ولم تعد قادرة على توفير الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي”. وأشار إلى أن التضخم الفعلي يفوق بكثير الأرقام الرسمية، فيما تآكلت احتياطات النقد الأجنبي، وتحوّل الاقتصاد إلى ساحة صراع نفوذ بدل أن يكون أداة إنقاذ.
من المطالب المعيشية إلى الطموحات السياسية
من هذا الانهيار الاقتصادي خرجت الاحتجاجات إلى الشارع، بداية كحراك معيشي محدود، وسرعان ما تحوّلت إلى حركة واسعة ذات طابع سياسي. تؤكد شهادات من داخل المدن الإيرانية أن المتظاهرين لم يخرجوا في البداية لإسقاط النظام، بل للمطالبة بالخبز والعمل والكرامة، غير أن القمع العنيف دفعهم إلى إعادة تعريف مطالبهم، وربط الأزمة المعيشية مباشرة بشرعية الحكم نفسه. في مدن مثل الأهواز وكرمانشاه وأصفهان، ارتفعت شعارات غير مسبوقة كسرت الخطوط الحمراء التي ظلّت قائمة لعقود.
اللافت أن هذه الجولة من الاحتجاجات كسرت المعادلة الأمنية التقليدية للنظام. انطلقت من العاصمة والمدن الكبرى إلى الأطراف، وتمدّدت بسرعة إلى أكثر من 90 مدينة في 27 محافظة، ما أربك الأجهزة الأمنية المعتادة على احتواء الغضب جغرافياً قبل أن يتحول إلى كرة ثلج. في هذا الصدد، تؤكد مصادر أمنية سابقة أن هذا الامتداد الجغرافي المتزامن شكّل أحد أخطر التحديات، إذ جعل السيطرة الميدانية شبه مستحيلة من دون اللجوء إلى عنف واسع النطاق.
استهداف الرموز الرسمية
في خضم هذا المشهد، برز استهداف الرموز الرسمية بوصفه تطوراً بالغ الدلالة. إحراق مبنى هيئة الإذاعة والتلفزيون في أصفهان لم يكن حادثاً عشوائياً، بل رسالة سياسية واضحة ضد الرواية الرسمية للدولة. ويرى باحثون اجتماعيون أن الاحتجاجات دخلت مرحلة مواجهة مع السرد الرسمي، إذ لم يعد المتظاهرون يكتفون بمهاجمة السياسات، بل باتوا يطعنون في شرعية الخطاب الذي يبررها.
قطعت السلطات الإنترنت وشبكات الاتصال في مناطق واسعة، وشنّت حملات اعتقال طالت نشطاء وصحافيين ومواطنين
ردّ النظام جاء تقليدياً، لكنه تميز بحدّة غير مسبوقة. قطعت السلطات الإنترنت وشبكات الاتصال في مناطق واسعة، وشنّت حملات اعتقال طالت نشطاء وصحافيين ومواطنين عاديين. غير أن هذا القمع الرقمي لم ينجح في خنق الاحتجاجات، بل زاد من راديكاليتها، وجعلها أقل قابلية للضبط. كما ألحق ضرراً اقتصادياً بالقطاعات التي تعتمد على الخدمات الرقمية، ما عمّق حدة الغضب الشعبي وزاد الشعور بعدم القدرة على التأقلم.
الصراع بين الحسم والتوازن
في موازاة الشارع، بدأت تظهر تصدعات داخل أروقة السلطة نفسها. الانقسام بين التيار الأمني المتشدد، الذي يدعو إلى الحسم الكامل، وتيار آخر يدرك أن القمع المفرط قد يؤدي إلى انهيار الدولة، بات أكثر وضوحاً. يشير دبلوماسيون أوروبيون مطلعون على قنوات الاتصال مع طهران إلى ارتباك في دوائر القرار وتناقض في التصريحات الرسمية، ما يعكس غياب استراتيجية موحدة لإدارة الأزمة.
شكّلت استقالة محافظ البنك المركزي في ذروة الانهيار المالي مؤشراً إضافياً على عمق المأزق، إذ أكد مسؤولون سابقون أن هذه الخطوة كانت رسالة سياسية بقدر ما كانت إدارية، تعكس نفاد الأدوات المتاحة واستحالة الاستمرار في إدارة الأزمة بالوسائل التقليدية، ما زاد من حال القلق والمضاربات في الأسواق.
المؤسسة الدينية والحرس الثوري
لم تستثنِ الأزمة المؤسسة الدينية، التي تشكل أحد أعمدة النظام. رجال دين معتدلون يعترفون بأن الغضب الشعبي لم يعد موجّهاً ضد الدين ذاته، بل ضد توظيفه لتبرير الفشل والفساد، ما يضرب أساس الشرعية الرمزية للنظام ويفتح الباب لتحولات اجتماعية أعمق.
في قلب المشهد، يقف الحرس الثوري كلاعب حاسم. فهو ليس مجرّد قوة أمنية، بل إمبراطورية اقتصادية ضخمة. ويرى خبراء عسكريون أن أي انهيار مالي واسع سيصيب هذه المؤسسة مباشرة، ما يجعل ولاءها المطلق للنظام مرهوناً بقدرته على الحفاظ على مصالحه واستقراره الداخلي.
ردود الفعل الدولية: ترامب والضغط الدولي
خارجياً، تتابع الولايات المتحدة الأمريكية الأزمة من زاويتين متداخلتين. مسؤولون أمريكيون يعتبرون أن الاحتجاجات فرصة لزيادة الضغط وربط ملفات حقوق الإنسان بالملف النووي والسياسات الإقليمية، لكنهم يؤكدون، في الوقت نفسه، أنهم لا يسعون إلى إسقاط فوضوي للنظام.
في هذا الإطار، حذّر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب طهران من استخدام القوة القاتلة ضد المتظاهرين ومتوعداً بـ”الرد بقوة” إذا سقط ضحايا، ما أثار موجة ردود فعل غاضبة داخل إيران. فقد أصدرت وزارة الخارجية الإيرانية بياناً شديد اللهجة اعتبرت فيه تصريحات ترامب «تدخلاً سافراً في الشؤون الداخلية”، مؤكدة أن واشنطن “لا تملك أي شرعية أخلاقية للحديث عن حقوق الإنسان”. وأضاف البيان أن “الشعب الإيراني وحده يقرر مصيره”.
في المقابل، صعّد قادة في الحرس الثوري لهجتهم، معتبرين تصريحات ترامب “جزءاً من حرب نفسية تهدف إلى تشجيع الفوضى وزعزعة الأمن القومي”، مؤكدين أن أي تدخل خارجي سيُواجَه بردّ قاسٍ. هذا الوضع يضع النظام أمام مأزق إضافي، إذ أي تصعيد داخلي عنيف بعد هذه التحذيرات قد يعرض طهران لعزلة دولية أشد وعقوبات جديدة.
إقليمياً، أحدثت التصريحات الأمريكية ارتدادات واسعة. مصادر دبلوماسية عربية تشير إلى قلق بالغ من تحول الأزمة الإيرانية إلى صدام مباشر بين واشنطن وطهران، ما قد ينعكس على أمن الخليج وأسواق الطاقة والملاحة البحرية. أوروبا، من جانبها، ترى أن مجرد التلويح الأمريكي بالتدخل يضيّق هامش المناورة أمام طهران ويعقّد جهود الوساطة، بينما تركز على الحوار وضبط النفس وإدانة العنف المفرط.
بين القمع والانهيار والتحوّل المحتمل
تظهر التطورات الأخيرة أن إيران لم تعد تواجه أزمة احتجاج عابرة، بل أزمة دولة ونظام وعقد اجتماعي متهالك. الرهان على القمع قد يمنح السلطة وقتاً إضافياً، لكنه لا يعالج جذور الانفجار. السؤال لم يعد ما إذا كانت الاحتجاجات ستنتهي، بل ما إذا كان النظام قادراً على التغيير قبل أن ينهار.
تقف إيران اليوم عند مفترق طرق تاريخي، وأي مسار ستسلكه لن يحدد مستقبلها وحدها، بل سيعيد رسم توازنات الشرق الأوسط بأكمله في مرحلة إقليمية شديدة الحساسية، حيث تتقاطع حسابات الاقتصاد والسياسة والأمن والشرعية الاجتماعية في لحظة فارقة من تاريخها المعاصر.















