في صباح رمادي من نوفمبر، داهمت الشرطة الألمانية منازل ومراكز جمعية “مسلم إنتراكتيف” Muslim Interaktiv، مُصادرة حواسيب وهواتف ولافتات تحمل شعاراً واحداً “الخلافة هي الحل”. لم يكن المشهد استثنائياً من منظور أمني، فلطالما اعتادت ألمانيا على مداهمات كهذه، لكنّ الرسالة هذه المرّة كانت رمزية بامتياز، مفادها أن الدولة قرّرت خوض معركتها الجديدة في الفضاء الرقمي، لا في الشوارع.
منذ إعلان وزارة الداخلية حظر الجماعة، بدا واضحاً أن برلين لم تعد ترى في «التطرف» قضيةً أمنية فحسب، بل معركة سرديات تدور على شاشات الهواتف المحمولة. جمعية “مسلم إنتراكتيف”، التي وُصفت بأنها «إسلاموية تيك توك» استطاعت خلال عامين فقط أن تبني جمهوراً شاباً يتابع مقاطعها القصيرة، والمزيّنة بعبارات الهوية والانتماء والرفض.
تقول وزارة الداخلية، إن الجمعية “تعمل ضد النظام الدستوري، وتُروّج لأيديولوجيا دينية معادية لقيم الديمقراطية”، لكنّها في جوهرها حركة رقمية أكثر منها تنظيمية. وهنا يكمن التحوّل: فالتهديد لم يعد في خليةٍ تتآمر في الظل، بل في خوارزميةٍ تُعيد إنتاج الغضب بلغةٍ مؤثرة وشاشاتٍ مضيئة.
السلطات لم تكتفِ بحلّ الجمعية ومصادرة ممتلكاتها، إنما أغلقت صفحاتها الإلكترونية، ووضعتها تحت المراقبة القضائية. في الوقت نفسه، نفّذت مداهمات بحق شبكتين متصلتين بها — Generation Islam وReality Islam — وهما منصّتان تُقدمان خطاباً مشابهاً بلغة الشباب الألماني المسلم، الممزق بين ثقافتين.
ديمقراطية في موقف الدفاع
قرار الحظر لم يأت من فراغ. فقبل أشهر فقط، حظرت الحكومة الألمانية حركة “مملكة ألمانيا” (Reichsbürger) اليمينية المتطرفة. كما صنّفت هيئة حماية الدستور في البلاد حزب “البديل من أجل ألمانيا”، كياناً يمينياً متطرفاً.
بهذا المعنى، لم تكن الحملة ضدّ “مسلم إنتراكتيف” حرباً على الدين، بل محاولة لإثبات الحياد، وبأن الدولة التي تضرب الإسلاموية، تضرب اليمين المتطرف أيضاً. لكنّ المُفارقة تبقى حاضرة: فكلما اشتدّت الدولة في الردع، تعالت الأصوات التي تتّهمها بالمبالغة في الحذر، أو بتأجيج شعور الاضطهاد داخل الأوساط المسلمة. ألمانيا التي جرّبت طاعون النازية واليمين المتطرف، تقف اليوم أمام مرآةٍ جديدة لذاتها.. “ديمقراطيةٌ مقنّعة لمواجهة الإسلاموية الرقمية”. وهنا تُستنهض المعضلة الألمانية القديمة: كيف يمكن للديمقراطية أن تحمي نفسها من دون أن تبدو وكأنها تخاف من ذاتها؟
شرعي أم دستوري
في التحليل السوسيولوجي، أي محاولة فهم وتفسير الظواهر الاجتماعية من خلال دراسة تفاعلات الأفراد والجماعات وتأثير العوامل الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية عليها، تُمثّل جماعات مثل “مسلم إنتراكتيف” مزيجاً فريداً من الخطاب الديني والميديا الحديثة. فهي لا تطالب بالعنف، بل تُعيد تعريف الولاء بأن تكون مسلماً أولاً، وألمانياً لاحقاً. وتستدرج المتابع من قضايا العدالة في الشرق الأوسط إلى نقد “انحلال الغرب”، ثم تنزلق تدريجياً إلى فكرة “تفوق النظام الشرعي على الدستور”. بهذا المعنى، هي لا تشعل النار، بل تترك الجمر يتوهّج على مهل خلف الشاشة.
واللافت، أنّ هذه الجماعات لا تنشط في فراغٍ اجتماعي، بل في بيئة من هشاشة الاندماج. وترى الشباب المسلم في الضواحي الألمانية يعيش شعوراً متناقضاً، يقطن في بلد ديمقراطي لكنه لا يشعر بالانتماء الكامل إليه. وحين تندلع أزمة في غزة أو نقاش حول اللجوء، يجد نفسه أمام محتوى رقمي يهمس له: “أنت لا تنتمي إليهم… تعال إلى هويتك الأصلية”.

هكذا، يتحوّل الدين إلى ملاذٍ نفسي أكثر منه موقفاً أيديولوجياً. لكن حين يُستثمر هذا الملاذ سياسياً، يتحوّل إلى ما يسميه باحثون ألمان بـ«الإسلاموية الثقافية» — تيارٌ لا يرفع السلاح، لكنه يُقوّض شرعية العيش المشترك.
شجاعة قانونية
القرار الألماني يحمل شجاعة قانونية، لكنه يُذكّرنا بخطر أعمق: أن تتحوّل اللغة الأمنية إلى اللغة الوحيدة الممكنة. في كل حظرٍ، تنشأ روايةٌ مضادة، وفي كل مصادرةٍ تُكتب حكاية ضحيةٍ جديدة. إن المجال الرقمي لا يُقفل بالمراسيم، بل يُعاد تشكيله بالمحتوى، وبحضورٍ ذكيٍّ من داخل الفضاء نفسه. إنها معركة سرديات، لا مجرد مواجهة بين وزارة وجماعة.
يبدو المشهد الألماني اليوم كساحةٍ متقابلة، يمين قومي يتغذّى على الخوف من المهاجرين، وإسلاموية رقمية تتغذّى على شعور المهاجرين بالخوف من الوطن. كلاهما يستثمر في القلق الوجودي ذاته — أحدهما يراه تهديداً لهويته، والآخر يراه رفضاً لوجوده. وهنا، تكمن المفارقة المشرقة والخطيرة معاً: أن الدولة الواحدة تُقاتل نقيضين متوازيين، وكلٌّ منهما يرى في سلوكها دليلاً على انحيازها ضده.
ما وراء الحظر
نجاح برلين لا يُقاس بعدد الجمعيات التي تُغلق، بل بقدرتها على صناعة شعورٍ جديد بالانتماء. فإذا استمرّت فجوة الثقة بين الشباب المسلم والدولة، ستعود الجماعات نفسها بأسماء مختلفة وأشكال أكثر تطوراً.لذا، فإنّ “التحصين” لا يكون بالمنع وحده، بل ببناء سردية بديلة تُقنع لا تُقصي، وتربط بين الحرية والمسؤولية لا بين الأمن والخوف. وعلينا أن نعلم أنه حين تُحاصر ألمانيا جماعةً إسلامية وتمنع رموزها، فهي لا تدافع فقط عن دستورها، بل عن صورتها أمام نفسها. والسؤال لم يعد “كيف نمنع التطرف؟” بل “كيف نحافظ على المعنى الإنساني للحرية ونحن نحميها؟”















