إضاءات

ما الذي أضعف روحانية الإسلام؟

أحمد عصيد
أحمد عصيد

لن يجد الملاحظ لأنماط التدين السائدة في المجتمع الإسلامي عناءً كبيراً، ليلمس بوضوح ضعف الطابع الروحاني والأخلاقي للدين، وغلبة أشكال الوعي والسلوك الدينية ذات التوجه الإجرائي، المرتبطة بضبط المجتمع والحرص على إقامة الطقوس الشعائرية وتطبيق ما يشبه الوصفة اليومية للأوامر والنواهي الفقهية، مع انشغال كبير بمظاهر التديُّن الشكلي كاللباس والجسد.

لعل هذا ما جعل بعض الباحثين والمفكرين أمثال محمد أركون وعبد المجيد الشرفي ونصر حامد أبو زيد وعلي شريعتي، الذين تناولوا الفجوة بين روحانية الدين وأخلاقياته وبين أشكال التدين الفقهي والمؤسساتي والاجتماعي، يرون بأن الإسلام كما هو مُمارس عملياً في المجتمع الإسلامي، يفتقد الطابع الروحاني الذي يدَّعيه الخطاب الديني الإعلامي، وقد يبدو هذا الطابع الطقوسي والمظهري حتى في اللحظات التي يغلب عليها الخطاب التعبدي كشهر رمضان على سبيل المثال، حيث تنتشر مظاهر الاستهلاك المادي وممارسات العنف أو الغش في التجارة والاحتكار ورفع الأسعار بسبب جشع الوسطاء والسماسرة.

وأعتقد أن هذا الزعم، إن لم يكن حكماً مطلقاً قابلاً للتعميم، فإنه يظل صحيحاً إلى حدٍّ ما، إذا كنا نقصد أن بعض مسارات الفقه الإسلامي التاريخي أسهمت في إضعاف البعد الروحي والأخلاقي للدين، دون أن يعني ذلك أن الفقه كان معادياً للروحانية في حد ذاتها. فالمشكلة ليست في وجود قواعد تنظم العبادات والعلاقات الاجتماعية، بل في تحول هذه الوسائل أحياناً إلى غاية في ذاتها، وفي تقديم الامتثال الحرفي للنص على التجربة الروحية والضمير الأخلاقي.

ويمكن تفسير ذلك من خلال مجموعة من الأسباب التاريخية والفكرية، أولها أن الفقه الإسلامي سرعان ما تحول، منذ نشأته، من البحث في المعنى العميق للنص المقدس إلى تكريس سلطة الدين بوصفه نظاماً عاماً شاملاً لمختلف مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية العملية، كما انشغل بشكل كبير بعد ذلك بنمط الحكم وكيفيات التمكين للسلطة الدينية في الدولة. هكذا تحول الفقه الإسلامي من سؤال القيم الروحية والأخلاقية، إلى سؤال “الحلال والحرام” و”الحق والباطل” و”الثواب والعقاب”. ومن الطبيعي أنه حين تطغى هذه المقاربة، قد يتحوّل الدين من تجربة لتزكية الإنسان وتحرير ضميره إلى منظومة من الضوابط القهرية التي يصبح فيها أداء الشعائر أهم من الأثر الأخلاقي الذي تتركه في السلوك.

أدى هذا التوجه في الفكر الديني الإسلامي إلى نوع من تغليب الشكل على المضمون، ما جعل الإنسان المسلم المؤمن يحرص كل الحرص على أداء العبادات بكل دقة، والالتزام بالمظاهر الدينية، لكنه يفتقر إلى الرحمة والإنصاف والنزاهة. وهذا ما يجعل بعض أشكال التدين تمنح الأولوية لصحة الفعل من الناحية الشكلية (الوضوء والصلاة واللباس مثلاً)، من دون الاهتمام الكافي بآثاره في الإنسان ونظرته إلى الحياة والكون، وفي علاقاته الإنسانية داخل المجتمع. 

ويظهر هذا في غلبة النقاشات الجزئية والتفصيلية حول أشكال العبادة واللباس والمظهر، أو أفكار الدين السياسي، بينما لا يحظى الظلم أو الكذب أو استغلال الفقراء وحرمان الفئات الهشة بالقدر نفسه من الاهتمام. ويدل ذلك على وجود نوع من الخلل في ترتيب الأولويات في الفقه الإسلامي منذ تأسيسه، والذي سرعان ما تحول إلى سلطة على الضمائر حين احتكر الفقهاء حق التفسير والتأويل للنصوص الدينية، إذ لم تعد المسألة مقتصرة على توجيه المؤمن، بل امتدت أحياناً إلى مراقبة حياته الخاصة ومظهره وعلاقاته واختياراته.

وهنا تتحول المعرفة الدينية من اجتهاد قابل للنقاش إلى سلطة أخلاقية تطالب الناس بالامتثال. وكان من الطبيعي أن تكون النتيجة المحتملة لهذا الانعطاف هي نشوء تدين قائم على الخوف من الإدانة الاجتماعية أو العقاب الديني الأخروي، بدل أن يقوم على الاقتناع الداخلي والحرية والمسؤولية الشخصية، والمحبة على مستوى الإيمان الروحي المجرد.

ومن الأسباب الكبرى لهذا التوجه الفقهي ظاهرة التمذهب التي أدت إلى انغلاق تدريجي للمذاهب الفقهية على نفسها وتحولها إلى مواقف دوغمائية صارمة، وهو ما قلَّص بالتدريج إمكانات اختلاف العلماء في فهم النصوص، وجعل الرأي المخالف يتحول إلى انحراف أو تهديد للدين نفسه. فظهرت الفتن المذهبية، مثل “فتنة الحنابلة” التي أدت إلى مواجهات عنيفة أبعدت المسلمين عن المسحة الروحانية للدين.

ويمكن اعتبار المتصوفة المسلمين شكلاً من أشكال المقاومة لهذه النزعة الفقهية المتصلبة، حيث دافع هؤلاء عن مرونة الإيمان والعبادة، وربطوا اختلاف الاجتهادات بسعة الرحمة الإلهية، كما أقاموا الدين على المحبة والوجد في مواجهة اتجاهات فقهية أكثر تشدداً، فكان اضطهادهم رمزاً لتهميش التجربة الروحية لصالح المعرفة المعيارية للفقهاء، التي تركز على معرفة المؤمن الصالح لأحكام العبادة، بينما ركّز المتصوفة على التجربة الروحية التي تجعل المؤمن أكثر وعياً بكينونته وأكثر تعاطفاً مع الآخرين.

لقد انشغل الفقهاء بما ينبغي على الإنسان فعله ليكون في علاقة طيبة مع الله، خوفاً من عقابه، بينما انشغل الصوفية بالروحانية التي تسعى إلى الرقي بالإنسان نحو ما ينبغي أن يكون عليه، ليكون أقرب إلى الله بوصفه رمزاً للخير المطلق والجمال المطلق.

ويخبرنا تاريخ الفكر الإسلامي عن فقهاء تحولوا من ضبط القواعد وصياغة منظومة الأوامر والنواهي إلى المغامرة الروحية الأكثر رحابة، كما هو شأن الغزالي، الشخصية القلقة التي انتقلت من الفقه إلى التصوف باعتباره الخلاص والغاية و”المنقذ من الضلال”.

لكن أكبر العوامل التي ساهمت في إضعاف روحانية التدين الإسلامي هو عملية التسييس المُفرط للمعتقد، حيث أدى تداخل الدين مع السياسة إلى انشغال يومي بضبط المجتمع، ما حتَّم تداخل المؤسسة الدينية مع السلطة السياسية، فاستعملت الأحكام الدينية لتثبيت الطاعة الاجتماعية، أو شرعنة التراتبيات القائمة، أو تقييد بعض الحريات. وفي مثل هذه الظروف، يمكن أن تتراجع الأسئلة المتعلقة بالعدالة والكرامة الإنسانية أمام أسئلة الرقابة والامتثال. وهنا لا تعود المشكلة فقهية خالصة، بل تصبح أيضاً مشكلة سلطة ومؤسسات ومصالح سياسية واجتماعية.

لقد أسهم الفقه الإسلامي إذن بنصيب وافر في بناء نمط التدين التطبيقي، وفرض سيادته بوصفه منظومة لضبط السلوك، ما أدى إلى الفصل بين صحة الشعائر وصلاح الأخلاق، وبين الامتثال الظاهري ونضج الضمير، وهو نمطٌ لم يجعل التدين طريقاً لبناء إنسان أكثر حريةً ورحمةً وعدلاً.

في المقابل، حاولت تيارات صوفية وأدبية وفلسفية أخرى أقل تأثيراً إعادة ربط الشريعة بالمحبة والتزكية والسؤال والمعنى الإنساني. فإذا كان التدين قد زاد الإنسان المسلم تشدداً في الحكم على الآخرين، ورغبة في الوصاية على ضمائرهم، فإن ذلك لم يزده عدلاً وتواضعاً ورحمة، الأمر الذي أدى إلى خلل في فهمه للدين، رغم حرصه الكبير على حفظ الأحكام والشعائر.