بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

مقالات مشابهة

اقتصاد سياسي

ترامب وبوتين يختبران مقايضة الطاقة بالعقوبات.. الديزل الروسي بين خفض الأسعار ودعم موسكو

بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

يضع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التوصل إلى تفاهم مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين بشأن ضخ كميات كبيرة من الديزل في الأسواق الأمريكية والعالمية ملف الطاقة في قلب المعادلة السياسية بين واشنطن وموسكو، إذ تتجاوز الخطوة هدف خفض أسعار الوقود إلى اختبار أوسع لتماسك العقوبات الغربية المفروضة على روسيا، ومستقبل الدعم الأمريكي لأوكرانيا، وقدرة أوروبا على الحفاظ على موقف موحد تجاه الكرملين.

يأتي الإعلان، الذي تضمّن تعهداً روسياً بتوريد كميات كبيرة من الديزل وتخفيفاً مؤقتاً للقيود الأمريكية على صادرات الوقود الروسي، في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة إلى البيت الأبيض، مع ارتفاع أسعار الديزل بأكثر من 65% منذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، واقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني. 

في المقابل، ترى كييف أن إتاحة المجال أمام موسكو لاستعادة عائدات من صادرات الطاقة تُقوّض الضغوط الاقتصادية الرامية إلى إنهاء الحرب، بينما سارعت ألمانيا إلى تأكيد استمرار التزامها بالعقوبات الأوروبية.

أرقام كبيرة وتأثير محدود

أعلن ترامب أن روسيا ستضخ أكثر من 300 ألف طن من الديزل بصورة فورية، يعقبها 500 ألف طن خلال نوفمبر/تشرين الثاني، ثم مليون طن إضافي، إلى جانب ثلاثة ملايين طن أخرى خلال فترة قصيرة، رهناً بأوضاع المصافي الروسية وقدرتها على الإنتاج.

وتكشف مقارنة هذه الكميات بحجم السوق الأمريكية عن الفجوة المحتملة بين ضخامة الإعلان وأثره الفعلي. يُقدّر غريغوري برو، محلل شؤون النفط في مجموعة “أوراسيا غروب”، أن الكمية الأولية البالغة 300 ألف طن تعادل نحو 74 ألف برميل يومياً عند توزيعها على فترة زمنية مناسبة، مقابل استهلاك أمريكي بلغ 2.94 مليون برميل يومياً في عام 2025، وفق وكالة معلومات الطاقة الأمريكية.

تعني هذه المقارنة أن الكمية الأولية تعادل نحو 2.5% من الاستهلاك اليومي، إذا جرى توزيعها على أساس يومي مماثل للفترة المستخدمة في التقدير. لكن هذه النسبة لا تمثل زيادة مؤكدة في المعروض الأمريكي؛ فالإعلان يشمل السوق العالمية أيضاً، ولم تتضح بعد الوجهة النهائية لجميع الشحنات أو جداول وصولها أو شروط تسويقها.

وعقب الإعلان، أظهرت تحركات السوق الأولية تراجعاً في أسعار عقود الديزل، فيما انخفض هامش تكرير الديزل منخفض الكبريت في بورصة نيويورك بنحو 6.45 دولارات للبرميل، إلى 96.8 دولاراً في 9 أكتوبر/تشرين الأول، بحسب بيانات “إس آند بي”. لكن هذا التفاعل يعكس توقعات المتعاملين، لا دليلاً على تحقق انخفاض مستدام في أسعار المستهلكين.

وتظل قدرة المصافي الروسية على الوفاء بالتعهد عاملاً حاسماً أيضاً، في ظل تعرض منشآت نفطية روسية لضربات أوكرانية خلال الحرب. لذلك، ستتحدد القيمة الاقتصادية للاتفاق بمدى انتظام الإمدادات وحجمها الفعلي، وليس بإجمالي الكميات المعلنة وحده.

من أزمة الوقود إلى حسابات الانتخابات 

يمثل ارتفاع أسعار الديزل تحدياً اقتصادياً مباشراً لإدارة ترامب، لأن تأثيراته تتجاوز محطات الوقود إلى تكاليف الإنتاج الزراعي ونقل السلع وتشغيل المعدات الصناعية وتدفئة المنازل. فالديزل ليس مجرد منتج نفطي، بل عنصر أساسي في سلاسل الإمداد الأمريكية، وأي ارتفاع مستمر في أسعاره يفاقم الضغوط التضخمية على الأسر والشركات.

وقال ترامب إن خفض أسعار الوقود يمثل أولوية قصوى، مستهدفاً بصورة خاصة المزارعين ومربي الماشية وسائقي الشاحنات، وهي قطاعات تتأثر مباشرة بتكاليف الديزل. ويكتسب هذا التوجه أهمية سياسية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، التي ستحدد موازين القوى في الكونغرس خلال العامين الأخيرين من ولايته.

في هذا السياق، يخشى الجمهوريون خسارة أغلبيتهم الضيقة، إذ قد تتيح سيطرة الديمقراطيين على أحد المجلسين أو كليهما توسيع التحقيقات الرقابية في أداء الإدارة، وإبطاء تمرير التشريعات، وتعقيد المصادقة على التعيينات. كما أن معالجة أسعار الوقود لا تنفصل عن محاولة ترامب الحد من التكاليف السياسية للضغوط المعيشية، حتى لو استدعت خيارات تتعارض مع أولويات سياسته الخارجية.

منفذ اقتصادي في جدار العقوبات

تتمثل النقطة الأكثر حساسية في القرار في منح وزارة الخزانة الأمريكية ترخيصاً مؤقتاً يتيح تسويق الوقود الروسي رغم القيود المفروضة على صادرات الطاقة الروسية منذ غزو أوكرانيا مطلع 2022.

وتستهدف العقوبات حرمان موسكو من موارد مالية تساعدها على تمويل عملياتها العسكرية، والحد من قدرتها على الاستفادة من صادرات النفط والمنتجات المكررة. ومن هنا، يحمل تخفيف القيود دلالة تتجاوز حجم الشحنات، فهو يمنح روسيا فرصة للاستفادة من طلب عالمي مرتفع على الديزل، في وقت تسعى فيه واشنطن إلى استخدام الضغط الاقتصادي أداةً للتأثير في حسابات الكرملين. غير أن تفاصيل المعاملات المستفيدة من الترخيص، والجهات التي ستتولى الشحن والتأمين والتسوية المالية، ومدى ارتباط الإعفاء بالتوريد المباشر إلى الولايات المتحدة، تظل عناصر مهمة لفهم الأثر الفعلي للقرار.

يبرز هنا تناقض استراتيجي محتمل: واشنطن تريد زيادة المعروض وخفض تكاليف الطاقة، لكنها قد تمنح موسكو في الوقت نفسه إيرادات إضافية وفرصة لتخفيف آثار العزلة الاقتصادية. ولا يعني ذلك أن كل دولار من عائدات الديزل سيمول مباشرة العمليات العسكرية الروسية، إلا أن الإيرادات النفطية تظل مورداً مهماً للاقتصاد الروسي ولقدرة الدولة على تحمل تكاليف الحرب.

زيلينسكي: عائدات الديزل استثمار في الحرب

جاء الرد الأوكراني سريعاً وحاداً، إذ وصف الرئيس فولوديمير زيلينسكي الاتفاق بأنه غير منصف وضعيف، ويصب في مصلحة استمرار حرب يجب إنهاؤها. محذراً من أن السماح لروسيا ببيع المنتجات النفطية قد يمنحها موارد إضافية لمواصلة القتال، بدلاً من دفعها إلى تقديم تنازلات تمهّد لإنجاز تسوية سياسية.

وكتب زيلينسكي على منصة “إكس”، أن تقديم الهدايا لبوتين لن يجلب السلام، ولن يحقق أي فائدة للعالم ‌المتحضر. وأن روسيا سوف ترد الجميل مقابل الديزل ⁠بمزيد من الإرهاب والغدر. 

تفاقمت حدة الانتقادات بعد الضربات الروسية التي استهدفت مدينة زابوريجيا جنوب شرقي أوكرانيا، وأسفرت عن سقوط قتلى مدنيين بينهم أطفال. وربط الرئيس الأوكراني بين الهجمات والقرار الأمريكي، في رسالة سياسية تُظهر التناقض بين إتاحة متنفس اقتصادي أمريكي لموسكو واستمرار عملياتها العسكرية داخل الأراضي الأوكرانية.

ويزيد هذا التطور من تعقيد المساعي الأمريكية لتقديم الاتفاق بوصفه خطوة نحو خفض التصعيد، ويضع واشنطن أمام معضلة دبلوماسية: كيف يمكن إقناع كييف بأن تخفيف العقوبات قد يخدم جهود السلام، ما لم يقترن بالتزامات روسية واضحة وقابلة للتحقق، تعكس تحولاً ملموساً في سلوك موسكو على الأرض؟

برلين ترسم حدود الخلاف

قدّمت ألمانيا أول إشارة واضحة إلى أن القرار الأمريكي لن يؤدي تلقائياً إلى تغيير النهج الأوروبي تجاه روسيا. كما أكدت استمرار التزامها بالعقوبات المفروضة بسبب الحرب، مشددة على أنها تعمل مع شركائها الأوروبيين على فرض إجراءات إضافية رادعة، وأن دعمها لأوكرانيا لم يتغير.

ومن المتوقع أن يتركز الرد الأوروبي على ثلاثة مسارات مترابطة: أولها التمسك بالإطار القانوني للعقوبات الأوروبية، وثانيها مواصلة دعم أوكرانيا عسكرياً ومالياً، وثالثها تجنب انتقال الخلاف مع واشنطن إلى مواجهة أوسع بشأن التجارة والطاقة والأمن الأوروبي.

لا يعني ذلك أن جميع الحكومات الأوروبية ستتبنّى بالضرورة النبرة الألمانية نفسها؛ فاختلاف أوضاع الطاقة والاحتياجات الاقتصادية قد ينعكس على أساليب التعامل مع الأزمة. لكن الإطار الأوروبي للعقوبات مستقل عن الإعفاء الأمريكي، ولا يترتب على قرار واشنطن رفع القيود الأوروبية تلقائياً.

أسعار الوقود ومصداقية التحالفات

في المحصلة، يكشف اتفاق الديزل عن معضلة تواجه إدارة ترامب بين ضرورات الداخل الأمريكي ومتطلبات السياسة الخارجية. فخفض تكاليف الطاقة يمكن أن يخفف الضغط على المزارعين وشركات النقل والمستهلكين، لكن أثر الإمدادات الروسية لن يتحدد بالكميات المعلنة وحدها، بل بسرعة وصولها وحجمها الفعلي واستمرار اضطرابات السوق العالمية.

في المقابل، يثير تخفيف العقوبات تساؤلات بشأن اتساق السياسة الأمريكية تجاه روسيا، خصوصاً إذا لم يقترن بخطوات ملموسة نحو إنهاء الحرب. أما أوروبا، فتملك هامشاً لمواصلة نهجها المستقل، لكنها ستحتاج إلى موازنة دعم أوكرانيا مع تجنب اتساع الخلاف مع واشنطن.

وسيكون الاختبار الحقيقي خلال الأسابيع المقبلة مزدوجاً: هل تنعكس الإمدادات الإضافية على أسعار الديزل بصورة ملموسة قبل انتخابات 3 نوفمبر/تشرين الثاني؟ وهل يقابل الانفتاح الاقتصادي الأمريكي “المؤقت” على موسكو تقدم دبلوماسي قابل للقياس؟ وحتى تتضح الإجابة، يبقى الاتفاق خطوة ذات عائد سياسي محتمل لترامب، ومكسب اقتصادي محتمل لروسيا، ومصدر قلق لأوكرانيا وأوروبا، من دون ضمانات بأن يتحول إلى انفراجة في سوق الطاقة أو مسار السلام.