بعد ثلاثة عشر عاماً من إسقاط القضاء الإسباني محاولتها الأولى، عادت لاردة في إقليم كتالونيا الإسباني إلى معركة النقاب والبرقع، لكن بصياغة مختلفة هذه المرة. أقرّ المجلس البلدي في نهاية سبتمبر/أيلول الماضي تعديلاً على لائحة “السلوك المدني والتعايش”، يمنع الوجود أو التنقل في الفضاء العام بملابس أو عناصر تخفي الوجه بالكامل. ولا يذكر النص النقاب أو البرقع صراحة، لكنه يستهدف عملياً الملابس التي تحول دون ظهور الوجه، مع استثناءات قد تصبح بدورها محوراً لأي نزاع قانوني لاحق.
لم يكن اختيار هذه الصياغة تفصيلاً لغوياً. فالمدينة سبق أن خاضت معركة قضائية بشأن غطاء الوجه الكامل، وانتهت بصدور حكم عن المحكمة العليا الإسبانية.
كانت لاردة سبّاقة عام 2010 إلى فرض قيود على ارتداء غطاء الوجه الكامل في مرافق ومساحات بلدية. وبعد طعن تقدمت به جمعية إسلامية، ألغت المحكمة العليا عام 2013 المواد المتعلقة بالحظر، معتبرة أن استخدام الحجاب الكامل يمكن أن يدخل في نطاق ممارسة الحرية الدينية، وأن فرض قيود على حق أساسي من هذا النوع يحتاج إلى أساس تشريعي لا تستطيع لائحة بلدية أن تحل محله.
بعد أكثر من عقد، تعود المدينة إلى المنطقة القانونية نفسها، لكن من باب إخفاء الوجه، لا من باب تسمية اللباس الإسلامي.
حظر بلا تسمية
تنص الصياغة الجديدة على منع ارتداء أي قطعة ملابس أو لباس أو عنصر آخر يخفي الوجه في الأماكن العامة، ما يجعل القاعدة، من الناحية الشكلية، عامة وغير مرتبطة بدين أو زي محدد.
وهذا الفارق يقع في قلب المسألة القانونية الجديدة. فبدلاً من القول إن المدينة تمنع البرقع أو النقاب، تصبح القاعدة أن الوجود في الفضاء العام يخضع لقيود على إخفاء الوجه، سواء أكان ما يغطي الوجه لباساً دينياً أو عنصراً آخر.
لكن النص نفسه يضع استثناءات مهمة. فالحظر لا يسري في أماكن العبادة، ولا في الأماكن التي تكون فيها تغطية الوجه أمراً معتاداً وفق الأعراف الاجتماعية المقبولة، ولا عندما تتم التغطية في إطار ممارسة حق أساسي وفق التشريعات النافذة.
وتفتح هذه الاستثناءات سؤالاً أساسياً حول التطبيق: إذا كان ارتداء النقاب يُطرح باعتباره ممارسة مرتبطة بالحرية الدينية، فكيف ستفسر البلدية الاستثناء المتعلق بممارسة الحقوق الأساسية عند تطبيق الحظر؟
هذا السؤال ظهر بالفعل داخل المجلس البلدي نفسه. فقد أيد الاشتراكيون و”يونتس” و”فوكس” النص، بينما صوّت “الحزب الشعبي” وERC وComú de Lleida ضده، وإن انطلقت اعتراضات الأحزاب الرافضة من مواقف مختلفة. وتنص اللائحة على غرامات تتراوح بين 400 و750 يورو لمخالفة هذا البند.
بذلك، قد لا تدور المعركة المقبلة حول وجود حظر فحسب، وإنما حول تفسير استثناءاته وحدود قدرة البلدية على تطبيقه من دون إعادة إنتاج الإشكال القانوني الذي وصل إلى المحكمة العليا قبل ثلاثة عشر عاماً.
والفارق مهم، لأن حكم 2013 لم يحسم نقاشاً اجتماعياً عاماً حول قبول البرقع أو رفضه، بل انصب أساساً على حدود سلطة البلدية عندما تتقاطع لوائحها مع حق أساسي تحميه القواعد الأعلى مرتبة.
ومن هنا تنقل الصياغة الجديدة مركز النقاش من سؤال: “هل تستطيع البلدية منع لباس ديني؟” إلى سؤال آخر: “هل تستطيع فرض قاعدة عامة على تغطية الوجه في الفضاء العام، مع الاحتفاظ باستثناء لممارسة الحقوق الأساسية؟”.
قد تبدو المسافة بين السؤالين صغيرة في الشارع، لكنها كبيرة أمام القضاء.
تحالف غير مألوف
سياسياً، كشفت القضية عن تقاطع بين قوى تختلف في مواقعها داخل المشهد الكتالوني.
مرّ التعديل بـ16 صوتاً مقابل 11، بدعم الأعضاء التسعة الذين يمثلون الحزب الاشتراكي الكتالوني الحاكم في المدينة، وخمسة أعضاء من حزب “يونتس”، وعضوين من “فوكس”.
وقال رئيس بلدية لاردة الاشتراكي فيليكس لاروسا خلال الجلسة إن “التعايش يعني أن نحترم بعضنا البعض ونلتزم بالقواعد”، مشيراً أيضاً إلى ارتفاع مخالفات اللوائح البلدية منذ عام 2020.
لكن الاتفاق على التصويت لا يعني بالضرورة الاتفاق على المبررات. فملف النقاب في إسبانيا وأوروبا يتحرك داخل أكثر من إطار في الوقت نفسه: حقوق النساء، والاندماج الاجتماعي، والحرية الدينية، ومتطلبات التعرف إلى الأشخاص، وحدود حضور الممارسات الدينية في المجال العام. ولهذا يمكن لقوى سياسية مختلفة أن تلتقي عند إجراء واحد انطلاقاً من حجج متباينة.
حقوق ومصالح دستورية
لا تجري معركة لاردة بمعزل عن نقاش إسباني أوسع. ففي مايو 2026 وافق مجلس النواب على إنشاء لجنة فرعية داخل اللجنة الدستورية لدراسة احتمال تبني تشريعات تنظم استخدام الملابس التي تغطي الوجه بالكامل في الأماكن والمنشآت العامة، مع بحث أثر أي تنظيم محتمل في الحرية الدينية والمساواة والكرامة وغيرها من الحقوق والمصالح الدستورية.
هنا تكمن أهمية حالة لاردة: فالمدينة لا تبدأ النقاش من الصفر، بل تعود إليه وهي تحمل سابقة قضائية ضد حظر سابق، في وقت لم يحسم فيه المشرع الإسباني بعد الإطار الوطني لهذه المسألة. ففي عام 2010، كان حظرها من أوائل الإجراءات البلدية الإسبانية المتعلقة بغطاء الوجه الكامل. لكن حكم المحكمة العليا عام 2013 وضع حداً لتلك المحاولة، وقرر أن البلدية لا تستطيع فرض قيد من هذا النوع، من خلال لائحة محلية وحدها، على ممارسة تندرج ضمن حق أساسي.
لهذا فإن الاختبار الحقيقي للنص الجديد لن يكون في عدد الأصوات التي حصل عليها داخل المجلس البلدي، وإنما في كيفية تطبيقه، وفي مدى صمود هندسته القانونية إذا تعرض للطعن مجدداً.
لقد اختفى “النقاب” من كلمات اللائحة، لكنه لم يختف من الجدل الذي أنتجها.
وبين حظر 2010 وصياغة 2026، انتقلت لاردة من تسمية لباس بعينه إلى تنظيم تغطية الوجه بصورة عامة. لكن الاستثناء الذي يحمي ممارسة الحقوق الأساسية يعيد الحرية الدينية إلى قلب النص نفسه، وهنا تحديداً قد تبدأ المعركة القانونية التالية.















