بقلم آدمز وايت
بقلم آدمز وايت

مقالات مشابهة

تكنولوجيا

“آر.تي.إكس سبارك”.. “إنفيديا” تراهن على نقل الذكاء الاصطناعي من السحابة إلى الكمبيوتر الشخصي

بقلم آدمز وايت
بقلم آدمز وايت

حين تبدأ شريحة “آر.تي.إكس سبارك” من شركة “إنفيديا” بالوصول إلى الأسواق في أكتوبر/تشرين الأول الجاري، لن يكون الأمر مجرد طرح لمعالج جديد ذي أداء أعلى. الرهان أكبر: نقل جزء من عمليات الذكاء الاصطناعي التي اعتاد المستخدم تشغيلها عبر الإنترنت إلى داخل جهاز الكمبيوتر نفسه.

بدلاً من إرسال مُستند إلى خادم خارجي وانتظار الإجابة، يصبح من الممكن أن يقرأ النموذج الملف داخل الجهاز. وبدلاً من أن يكون “المساعد الذكي” مجرد نافذة محادثة، يمكن أن يتحول إلى وكيل يتنقل بين الملفات والبرامج وينفذ سلسلة من الخطوات للوصول إلى نتيجة.

لهذا تبدو “آر.تي.إكس سبارك” أهم من مجرد شريحة جديدة للمعالجة، فهي محاولة لإعادة تعريف ما يستطيع الكمبيوتر الشخصي فعله في عصر الذكاء الاصطناعي، بعد سنوات كان فيها الجهاز المحلي يؤدي دور الواجهة، بينما تجري العمليات الأثقل في مراكز البيانات.

الشريحة أُعلن عنها في مايو/أيار الماضي، لكن الشهر الجاري هو الاختبار الحقيقي. عندها ستخرج الفكرة من العروض التقنية إلى أجهزة يمكن شراؤها واستخدامها، وسيصبح ممكناً قياس الفرق بين الأرقام المعلنة والتجربة اليومية.

الذكاء داخل الجهاز

جوهر هذه الشريحة بسيط على الرغم من تعقيد هندستها: جمع معالج مركزي قوي ومعالج رسومي مصمم لتسريع الذكاء الاصطناعي مع ذاكرة كبيرة مشتركة بينهما. وفي أقوى التكوينات المحمولة، تصل الذاكرة إلى 128 غيغابايت، وهي سعة غير مألوفة في الكمبيوترات المحمولة التقليدية، خصوصاً عندما يستطيع المعالج الرسومي الوصول إلى جزء كبير منها مباشرة.

تكمن هنا إحدى أهم نقاط التحول، لأن نماذج الذكاء الاصطناعي الكبيرة لا تحتاج إلى قوة حسابية فقط، بل إلى مساحة كافية للاحتفاظ بمليارات الأرقام التي تتكوّن منها. وفي الكمبيوترات التقليدية، كان حجم ذاكرة المعالج الرسومي يشكل سقفاً سريعاً أمام تشغيل النماذج الكبيرة. أما الذاكرة الموحّدة فتسمح بتوسيع هذا السقف بدرجة كبيرة.

وتعلن المنصة إمكان تشغيل نماذج تصل إلى 120 مليار معامل. وللمقارنة، يحتاج تمثيل نموذج بهذا الحجم بدقة عالية إلى مئات الغيغابايت من الذاكرة، لكن تقنيات ضغط الأرقام وتخفيض دقتها يمكن أن تقلل الحجم إلى مستوى يجعل تشغيله على جهاز شخصي ممكناً.

هذه وحدها نقلة مهمة: نماذج كان تشغيلها يحتاج قبل سنوات قليلة إلى خوادم باهظة الثمن يمكن أن تنتقل الآن إلى جهاز محمول أو مكتبي صغير.

لكن كلمة “تشغيل” تحتاج إلى الحذر. قد يستطيع الجهاز استيعاب نموذج ضخم في الذاكرة من دون أن يعني ذلك أنه سيقدم إجابات فورية أو يعمل بأقصى سرعة. فحجم النموذج شيء، وسرعة قراءة البيانات وإجراء الحسابات شيء آخر.

ولهذا فإن الاختبار الحقيقي ليس: هل يفتح النموذج؟ بل: كم يستغرق حتى يقرأ ملفاً كبيراً؟ وكم ينتظر المستخدم قبل ظهور الإجابة؟ وهل يستطيع مواصلة العمل بينما يعمل الذكاء الاصطناعي في الخلفية؟

من المحادثة إلى الوكيل

الأثر الأكبر قد لا يأتي من النماذج الأكبر، بل من انتقال الذكاء الاصطناعي من “محادثة” إلى “تنفيذ”.

اليوم يستطيع المستخدم أن يطلب من نموذج تلخيص مستند أو كتابة رسالة. أما الوكيل المحلي فيمكن، من حيث المبدأ، أن يبحث داخل مجموعة ملفات، ويقارنها، ويفتح برنامجاً آخر، ويعيد تنظيم النتائج، ثم ينتظر موافقة المستخدم قبل تنفيذ الخطوة الأخيرة.

بالنسبة إلى صحافي، قد يعني ذلك البحث في آلاف الوثائق المحلية من دون رفعها إلى الإنترنت. وبالنسبة إلى مبرمج، مراجعة مشروع كامل داخل الجهاز. وبالنسبة إلى مصمم أو منتج فيديو، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يصبح جزءاً مستمراً من أدوات العمل بدلاً من خدمة منفصلة يتم الرجوع إليها عند الحاجة.

هذا يفتح أيضاً باباً مهماً أمام المؤسسات التي تتعامل مع بيانات حساسة. إبقاء المستندات داخل الجهاز يمكن أن يقلل الحاجة إلى إرسالها إلى خدمات خارجية.

لكن “محلي” لا يعني “خاصاً” تلقائياً. فإذا استخدم الوكيل خدمة بحث أو تخزيناً سحابياً أو تطبيقاً خارجياً، فقد تغادر بعض البيانات الجهاز. كما أن منح وكيل صلاحية تعديل الملفات أو إرسال الرسائل يحمل مخاطر تختلف تماماً عن مجرد السماح له بقراءة نص. لذلك لن تكون قوة الكمبيوتر وحدها معيار نجاح هذه الفئة؛ إدارة الصلاحيات ومعرفة ما يستطيع الوكيل الوصول إليه ستكون جزءاً من المنتج نفسه.

أكثر من ذكاء اصطناعي

الشريحة لا تستهدف الذكاء الاصطناعي وحده. القوة الرسومية نفسها موجهة للألعاب والتصميم والفيديو والعمل ثلاثي الأبعاد.

تتحدث المواصفات عن تشغيل ألعاب بدقة 1440p بمعدلات تتجاوز 100 إطار في الثانية في ظروف محددة، وعن التعامل مع فيديو بدقة 12K ومشاهد ثلاثية الأبعاد ضخمة وتوليد فيديو بالذكاء الاصطناعي بدقة 4K.

لكن هذه الأرقام تحتاج إلى قراءة عملية، لأن تشغيل فيديو 12K لا يعني أن كل مشروع بهذه الدقة سيعمل فورياً. وقد يستطيع الجهاز تحميل مشهد ثلاثي الأبعاد ضخم، لكن زمن تحويله يعتمد على تعقيد الإضاءة والمواد. وحتى معدل الإطارات في الألعاب يتغير بحسب الإعدادات وتقنيات إعادة بناء الصورة وتوليد الإطارات.

الأهم هو أن مساحة العمل الممكنة على الكمبيوتر المحمول تتسع. مشاريع كان من المعتاد إرسالها إلى محطة عمل كبيرة أو إلى السحابة قد يصبح جزء متزايد منها قابلاً للتنفيذ محلياً.

العقبة ليست المعالج

مع ذلك، قد لا تكون المشكلة الكبرى في القوة الحسابية، بل في البرامج. فالشريحة تعتمد على معمارية Arm، بينما بُنيت عقود من برامج ويندوز حول معمارية x86 التقليدية. يستطيع النظام تشغيل كثير من التطبيقات القديمة عبر المحاكاة، لكن فتح البرنامج لا يضمن أن تعمل كل إضافاته وتعريفات الأجهزة والملحقات بالطريقة نفسها.

وهذا قد يكون الاختبار الأكثر حسماً للمحترفين. المصمم لا يشتري معالجاً فقط؛ يشتري جهازاً يجب أن يشغل برنامج التصميم وإضافاته ولوحه الرقمي وطابعته وأرشيفه. والمطور يحتاج إلى بيئة كاملة من الأدوات والمكتبات. واللاعب يحتاج إلى اللعبة ونظام الحماية والتعريفات معاً.

إذا نجح النظام البيئي في تجاوز هذه العقبة، فقد تتسارع النقلة. وإذا بقي التوافق متفاوتاً، ستظل القوة النظرية أكبر من فائدتها العملية لبعض المستخدمين.

أكتوبر هو البداية

لا تعني “آر.تي.إكس سبارك” نهاية الحوسبة السحابية، ولا نهاية المعالجات التقليدية. بل تشير إلى اتجاه مختلف: توزيع الذكاء الاصطناعي بين الجهاز والسحابة بدلاً من إرساله كله إلى مكان واحد.

قد ينفذ الكمبيوتر المهام الخاصة والسريعة محلياً، بينما تلجأ الأعمال الأثقل إلى مراكز البيانات. وقد يقرر التطبيق نفسه أين تُنفّّذ كل خطوة وفق السرعة والتكلفة والخصوصية.

وهنا تكمن النقلة التي يبدأ اختبارها في أكتوبر الجاري. فإذا أثبتت الأجهزة أن نموذجاً كبيراً يستطيع العمل باستمرار إلى جانب البرامج اليومية، وأن الوكيل المحلي قادر على الوصول إلى الملفات وتنفيذ المهام من دون تعقيد أو استنزاف للبطارية، فإن الذكاء الاصطناعي قد يتحول من خدمة يزورها المستخدم إلى طبقة دائمة داخل نظام التشغيل.

عندها لن يكون السؤال عند شراء جهاز الكمبيوتر: كم تبلغ سرعة المعالج وحجم التخزين فقط؟ بل سيضاف سؤال جديد: ما حجم الذكاء الاصطناعي الذي يستطيع هذا الجهاز تشغيله بنفسه؟ وهذا هو الرهان الحقيقي لـ “آر.تي.إكس سبارك”. ليس بناء أسرع جهاز محمول، بل جعل الذكاء الاصطناعي الكبير جزءاً من الكمبيوتر الشخصي نفسه.