بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

مقالات مشابهة

حقوق وحريات

إخلاء مُسنّة من مسكنها يشعل غضب الشارع الإسباني.. وإسقاط مرسومي الحماية يوسّع الاحتجاج

بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

خرج عشرات الآلاف إلى شوارع مدريد ومدن إسبانية أخرى، السبت الماضي، بعد يوم من رفض مجلس النواب إقرار مرسومين بقانون لحماية المستأجرين وتنظيم سوق الإسكان. وجاء التصويت ليزيد غضباً أشعله إخلاء ماريكارمن أباسكال، البالغة 87 عاماً، من منزل عاشت فيه أكثر من سبعين عاماً.

قدّرت مندوبية الحكومة في مدريد المشاركين في مظاهرة العاصمة بنحو 70 ألف شخص. وظلَّت معظم التحركات سلمية، بينما شهدت فالنسيا مواجهات استخدمت خلالها الشرطة الرصاص المطاطي والغاز المسيل للدموع، ودخلت مجموعة من المحتجين إلى مدينة الفنون والعلوم قبل إخراجها. وقالت نقابة المستأجرين إنها تتجه إلى الدعوة لإضراب عام بعد التشاور مع النقابات العمالية.

بدأت موجة الغضب الأخيرة في 23 سبتمبر/أيلول الماضي، عندما أُخرجت أباسكال من شقتها في مدريد. انتشرت صور الإخلاء، وأقام محتجون مخيماً في ساحة بويرتا ديل سول وسط العاصمة، مطالبين بحماية أقوى للمستأجرين. وبعد ضغط شعبي وسياسي، توصلت ممثلتها القانونية والشركة المالكة للعقار إلى اتفاق يتيح لها العودة بعقد إيجار جديد. وأكدت محاميتها قبولها الاتفاق، على أن تعود بعد خروجها من المستشفى.

أتاح الاتفاق حلاً لقضيتها، لكن المطالب التي حملها المحتجون تجاوزت مصير مستأجرة واحدة إلى كلفة السكن واستقرار العقود وحدود تدخل الدولة في السوق.

حماية بشروط

في نهاية الشهر الماضي، أقرّ مجلس الوزراء مرسومين بقانون استجابة لأزمة السكن والضغط المتصاعد في الشارع. وتضمن المرسوم الأول تعليق إجراءات إخلاء أشخاص في أوضاع هشة لا يملكون بديلاً سكنياً حتى نهاية عام 2030، وفق شروط تختلف بحسب وضع المستأجر وطبيعة الجهة المالكة.

لم يكن النص يحظر جميع عمليات الإخلاء. فقد ميّز بين فئات المالكين، ووضع شروطاً واستثناءات للحماية، كما ألزم السلطات الإقليمية، في حالات محددة من الإخلاء بسبب عدم دفع الإيجار، بالتدخل لتسوية المبالغ المستحقة أو توفير بديل سكني.

وشملت التدابير قيوداً مؤقتة على بعض عمليات شراء المساكن لأغراض استثمارية وتنظيم الإيجارات الموسمية وتأجير الغرف، وإجراءات لزيادة المعروض من المساكن الميسرة. أما المرسوم الثاني فاستهدف تعزيز استقرار الإيجار السكني عبر التجديد التلقائي للعقود، مع استثناءات وتعويضات في حالات محددة عند عدم التجديد.

دخل المرسومان حيز التنفيذ عقب نشرهما، لكن استمرار نفاذهما كان يتطلب إقرار مجلس النواب. وفي 2 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، رفض المجلس إقرارهما، فأُلغيا. لذلك لم يكن التصويت رفضاً لمقترحين لم يُطبَّقا بعد، بل إنهاءً لنفاذ تدابير حكومية حديثة.

انضم حزب “جونتس” الكتالوني إلى الحزب الشعبي وحزب “فوكس” في التصويت ضد المرسومين، فيما اختلفت مواقف أحزاب أصغر بين النصين. وقال “جونتس” إن الإجراءات قد تدفع مالكي العقارات إلى سحب مساكنهم من سوق الإيجار، بما يقلص المعروض ويزيد صعوبة العثور على مسكن. ودافع الحزب الشعبي عن زيادة البناء والمعروض بوصفهما جزءاً أساسياً من معالجة ارتفاع الأسعار.

في المقابل، قدمت الحكومة التدابير باعتبارها وسيلة لتقليل هشاشة المستأجرين ومواجهة المضاربة، بينما ضغطت نقابة المستأجرين لإقرار ضمانات أقوى تمنع فقدان المسكن وتحد من ارتفاع الإيجارات.

الحق والتطبيق

ينص الدستور الإسباني على حق الإسبان في التمتع بمسكن لائق ومناسب، ويلزم السلطات العامة بتهيئة الظروف والقواعد اللازمة لتحقيقه، وتنظيم استخدام الأراضي وفق المصلحة العامة لمنع المضاربة. لكن هذا الاعتراف لا يوفر، بمفرده، حماية تلقائية من كل إخلاء؛ إذ ترتبط الحماية العملية بالتشريعات وشروط تطبيقها والبدائل السكنية المتاحة.

وتوضح قضية أباسكال هذه المسافة بين الحق المعلن والضمانات الفعلية. وجود إطار قانوني للسكن لم يمنع إخلاءها، كما أن الاتفاق الذي أتاح لها العودة كان تسوية خاصة مع مالك العقار، وليس نتيجة حماية عامة استُحدثت لجميع من يواجهون وضعاً مشابهاً.

وتزداد حدة النزاع مع ارتفاع الإيجارات. ووفق بيانات منصة “إيدياليستا” العقارية التي نقلتها “أسوشيتد برس”، ارتفع متوسط سعر المتر المربع للإيجار من 8.20 يورو عام 2016 إلى 15.10 يورو في 2026. ويضع هذا الارتفاع الأسر التي تعتمد على الإيجار أمام ضغط متزايد، لكنه لا يحسم وحده الخلاف بشأن أثر كل أداة تنظيمية مقترحة.

يرى معارضو القيود أن تقليص قدرة المالك على استعادة عقاره أو تغيير شروط تأجيره قد يدفعه إلى مغادرة السوق. أما المدافعون عن حماية أقوى فيركزون على خطر ترك المستأجرين أمام ارتفاع الأسعار وانتهاء العقود من دون ضمانات كافية. ويتعلق الخلاف بكيفية توزيع كلفة الحماية، وبقدرة الدولة على توفير مساكن ميسرة بالتوازي مع تنظيم العلاقة بين المالك والمستأجر.

حسم التصويت مصير المرسومين، لكنه لم يختبر عملياً أثر تدابيرهما في المعروض والأسعار. وبعد إلغائهما، بقيت مطالب المحتجين مفتوحة، وانتقل الضغط إلى التحضير لمزيد من التحركات والتشاور بشأن إضراب عام، فيما ظل الاتفاق الخاص بأباسكال منفصلاً عن مصير الحماية الأوسع التي يطالبون بها.