أجرى الحوار نور الدين بالطيب
أجرى الحوار نور الدين بالطيب

مقالات مشابهة

تهافت الفكر الأصولي (1-2)

محمد الحدّاد: “الإخوان المسلمون” عطّلوا مسار إصلاح المجتمعات العربية وأبقوا الحداثة أسيرة النخب

أجرى الحوار نور الدين بالطيب
أجرى الحوار نور الدين بالطيب

منذ بدايات النهضة العربية، ظلّت العلاقة بين الدين والحداثة واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في الفكر العربي الحديث. فبينما سعى روّاد الإصلاح إلى إعادة قراءة التراث الديني وفتح المجال أمام التنوير والتحديث، برزت لاحقاً تيارات دينية وسياسية قدّمت قراءات مختلفة للدين ولعلاقة المجتمعات العربية بالحداثة.

يطرح الباحث التونسي محمد الحدّاد أسئلة شائكة حول المسار الذي قطعه مشروع الإصلاح العربي، وأسباب تعثّره، والحدود التي حالت دون تحوّل الحداثة من مشروع نخبوي إلى ثقافة اجتماعية واسعة. كما ينتقد الخلط بين تيارات الإصلاح الديني والتيارات السلفية والإسلام السياسي، ويرى أن هذا الخلط أسهم في طمس الفوارق الفكرية بين مشاريع متباينة في منطلقاتها وغاياتها.

يتوقف الحدّاد، في الجزء الأول من هذا الحوار الخاص لـ “غلوبال ووتش عربية”، عند تجربته في دراسة الفكر الإصلاحي، ويقدّم قراءته للتحولات التي عرفتها تونس بعد الثورة، وللأسباب التاريخية والاجتماعية التي جعلت مشروع الحداثة، وفق تحليله، بعيداً عن أن يكون مشروعًا شعبيًا جامعًا.

-دعوت إلى “علمنة الإصلاح الديني”، هل تعتقد أن المشروع الإصلاحي العربي لم يكن حاسماً في تعامله مع المسألة الدينية؟

– محمد الحدّاد: طبعاً قضية الدين مطروحة في كل المجتمعات، وكانت مطروحة بقوة زمن النهضة العربية، والمجتمع عندما يعيش فترة انحطاط طويلة يتجّه نحو الدين لإعطاء المشروعية المطلقة لهذا الانحطاط.

روّاد النهضة العربية كانوا واعين جدّاً بهذه الخلفية، لذلك طرحوا القضية الدينية، وأعتقد أني حاولت في عديد من المقالات والكتب التي ألّفتها التعريف بهذه الجهود التي قام بها الروّاد في تناول قضية الدين، لأن الكثير من إنجازاتهم الفكرية إمّا نُسيت أو حُرّفت. 

على سبيل المثال، هناك كتاب لمحمد عبده غير معروف، تولّيت تحقيقه في انتظار إعادة نشره قريباً، فالكثير من نصوص محمد عبده بُترت منها مقاطع وحُذفت، فقد كان ضدّ الفكرة الشهيرة بأن القرآن قديم، فهناك قضية خلافية كبيرة بين الأشاعرة من أهل السنّة، الذين يقولون بقدم القرآن، والمعتزلة الذين يقولون أو أنّه مخلوق، وعلى مدى قرون كانت هذه الفكرة لا تناقش. وأوّل من ناقش هذه الفكرة هو محمد عبده، لكن حذفت الفقرة التي ناقش فيها هذه القضية.

الأخطر من ذلك أنّنا صرنا نلاحظ خلطاً بين الاتجّاه السلفي الذي تمثّله الوهّابية و”الإخوان المسلمون”، والاتجاه الإصلاحي الذي مثّله الأفغاني وعبده والحدّاد وعبد الرازق وغيرهم.. الاتجاهان استعملا الدين، لكن لكل منهما قراءته، ولذا وجب التمييز بينهما. ومع الأسف، 80 في المئة من المناهج المنتشرة اليوم في العالم العربي، بما في ذلك المقرّرات المدرسية في التربية الإسلامية، تخلط بين الاتجاهين، وهو خلط متعمّد حتى يقع امتصاص الجانب الإصلاحي وتهميشه وإضفاء الشرعية على التيار الأصولي والسلفي. لذلك، اهتممت كثيراً بضرورة الفصل بينهما، ونشر نصوص ودراسات تعيد الاعتبار للفكر الإصلاحي.

شخصياً، أعتبر أن هذا العمل ضروري، لأنّي لاحظت طيلة ثلاثين عاماً من الاشتغال على هذه المسألة أن الاستجابة ما زالت محدودة حتّى بين الطلبة، بمن فيهم طلبتي الذين أشرف على تأطيرهم، إذ ما زالوا يخلطون بين الاتجاه السلفي والإخواني والاتجاه الإصلاحي، لأنّ هناك دور نشر ومؤسسات تعمل على تواصل هذا الخلط.

بيني وبين محمد عمارة، مثلاً، معركة طويلة لهذا السبب، فهو من أكبر المسؤولين عن هذا الخلط، إذ نشر ما يسمّيه بالأعمال الكاملة لجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وقاسم أمين والكواكبي، وفي هذه الأعمال الكاملة التي أصبح الباحثون يستعملونها، رسّخ هذا الخلط، ولهذا أنهى حياته بمؤلفات حول المودودي وحسن البنّا. بالنسبة إليه هو خط واحد، يبدأ بالأفغاني وعبده وينتهي بحسن البنّا، وهذا خطأ تاريخي ومعرفي.

– إذن، أنت تنفي أي صلة بين “الإخوان المسلمين” والفكر الإصلاحي؟

– “الإخوان” هم الذين ينفون ذلك في وثائقهم التأسيسية، ولست أنا، وهم يقولون: نحن جئنا بالإسلام الصحيح، لأن الإصلاحيين قد حرّفوا الإسلام لانبهارهم بالغرب.

في تونس مثلاً، نجد هذا واضحاً في كتاب “نحن والغرب”، الذي ساهم فيه عدد من روّاد الحركة الإسلامية هناك، مثل حميدة النيفر وراشد الغنّوشي وغيرهما. وهو كتاب صغير يتحدّث عن المغرَّر بهم، والمقصود بهم عبده والطهطاوي والأفغاني، لأنّهم متأثرون بالغرب ويجب الإبتعاد عن أفكارهم والعودة إلى الإسلام الصحيح الذي لا يقبل أي فكرة غربية، بمعنى أي فكرة حديثة.

بالتالي، لست أنا من ينفي هذه الصّلة بل هم الذين يعتبرون أنفسهم ردّة فعل على الحركة الإصلاحية. لكن في ثمانينيات القرن الماضي، بدأوا في تغيير أفكارهم، حتّى يظهروا بمظهر الحركة المتجذّرة في الثقافة العربية، وأصبحوا يستشهدون ببعض الأسماء من روّاد الإصلاح.

راشد الغنّوشي، على سبيل المثال، وفي محاضرة ألقاها بمركز عبد الجليل التميمي في العاصمة، اعترف أنّه لم يطّلع على أفكار خير الدين التونسي إلا في أواخر التسعينيات، في حين أن حركته موجودة منذ أواخر الستينيات. ولك أن تتصوّر كيف لزعيم الحركة الإسلامية أن لا يعرف أفكار رائد من روّاد الفكر الإصلاحي، خيرالدين التونسي، إلاّ في التسعينيات! 

وأعتقد أن هذا التوجّه أصبح موجوداً، سواء بطريقة أيديولوجية معلنة أو ضمنية. مثلاً، نشرتُ قبل عامين الصيغة الفرنسية لكتاب خير الدين التونسي “أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك”، وهذا ما لا يعلمه الكثيرون عن خير الدين الذي كتب صيغة عربية، وكان يؤيد أن يكتب صيغة فرنسية وإنجليزية وتركية.

نشرت الصيغة الفرنسية، لكن لا أحد اهتمّ بها للأسف بما في ذلك مؤسسات الدولة مثل بيت الحكمة.

– بعد ما عُرف بـ”الثورات العربية”، شهد العالم العربي وصول الحركات الدينية للحكم، وانتشار الخطاب المتشدّد، هل يكشف هذا هشاشة المشروع التحديثي في تونس مثلاً التي لم نكن نتصوّر أن يحكمها “الإخوان المسلمون”؟

– في الجامعة التونسية كان هناك تيّاران، واحد يعتقد أن هناك في تونس تقدّماً نوعياً في قضية الحداثة، ولا يمكن أن تعرف ارتداداً عن مكاسبها، وثانٍ، وأنا منه، يقول إن هذا استنتاج غير صحيح. وكنّا نقول هذا سنوات قبل الثورة، فلا شيء يدفعنا إلى الاعتقاد بأن تونس استثناء.

فإذا اعتبرنا وجود مفكرين مثل الطاهر الحداد، نجد مثله في مصر وسوريا، أما عن الزعماء فهناك أيضاً زعماء في المشرق العربي، بل أكثر من ذلك عرف المشرق العربي مفكرين ملحدين أصلاً.

ليس هناك ما يؤكد وجود استثناء تونسي، فوضع تونس مثل كل البلدان الأخرى، قابل للتراجع والارتداد والتقدّم، وممّا عمّق قناعتي الشخصية بهذا أنّني منذ أحداث 2001 في الولايات المتحدة وبداية اهتمامي بالفكر الجهادي، وجدت أن أكثر العمليات الإرهابية في العالم شارك فيها تونسيون.

أحداث 11 سبتمبر، جاءت بعد عملية اغتيال الزعيم الأفغاني شاه مسعود، التي نفّذها تونسي خريّج الجامعة التونسية! وقس على ذلك في كل العمليات الكبرى التي حصلت منذ ذلك التاريخ.

إذن، كما كنت أقول دائماً، لا يوجد استثناء تونسي، بل، ربّما، كانت هناك سياسة أمنية قويّة مارسها نظام بن علي. وحتى في تلك الفترة حدثت عمليات إرهابية، مثل عمليتي جربة وسليمان، والأخيرة بالذات تثير الكثير من الأسئلة، إذ شكّك فيها جزء من المعارضة وكذّبوا سردية النظام، وبعد الثورة تمّ إدماجهم في الوظيفة العمومية!  

الكثيرون كانوا يعتقدون أن الإرهاب فزّاعة وهذا شيء سخيف، لأن وجود التونسيين في الشبكات الدولية للإرهاب حقيقة وليس فبركة من النظام. وبالتالي، ليس غريباً وجود تونسيين في تنظيمات إرهابية دولية، لذلك لم أفاجأ بما حدث في تونس بعد 2011.

هذا يؤكد مرّة أخرى أن الموضوع الديني ينبغي أن يكون مطروحاً بجديّة ولا يمكن تجاهله، ولابد أن نرى الواقع كما هو، وأن نقرّ بالحقيقة، وأن لا نعيش في الأوهام، وأن يساهم المثقف في بلورة مشاريع للحلول لأنّه لا يملك القرار، والبداية تكون بالتشخيص الصحيح.

– في بداية القرن الـ19 عرف العالم العربي موجة إصلاحية كبيرة: الأفغاني، محمد عبده، الطهطاوي، قاسم أمين، علي عبد الرازق، طه حسين، الطاهر الحدّاد… إلخ. وتدعّم هذا المسار بحركة التحديث في الأدب والفنون، لماذا تراجع هذا الزخم؟ وربّما توقّف، كيف تفسّر هذا؟

– في الحقيقة، هناك عدّة تفسيرات. منها أنّ فترة الانغلاق والانحطاط كانت طويلة، حوالي ستّة قرون، لأن الانحطاط بدأ منذ القرن السادس الهجري ولا يمكن في سنوات قليلة تجاوز هذا الإرث الكبير.

وأيضاً، لأن ظهور الحركة الإصلاحية تلاه الاستعمار مباشرة، وهذا خلط كل شيء، لأن الهدف الأساسي للحركة الإصلاحية في البداية كان تحديث المجتمعات، ثمّ فيما بعد ارتبط التحديث بالاستعمار، وبناء عليه أصبحت مقاومة الإستعمار هي مقاومة التحديث، وكان السؤال ماهي حدود التحديث الإستعماري، وما هي حدود التحديث الإصلاحي؟!

يُضاف إلى ذلك أن الأنظمة الوطنية التي تولّت الحكم بعد الاستعمار، لم تنجح في استقطاب الشباب خاصة، وهو ما أدّى عبر تراكمات إلى ما حدث في 2011. لذلك ألّفت كتاباً بعد 14 يناير/كانون الثاني 2011 بعنوان: “التنوير والثورة” مع عنوان فرعي: “دمقرطة الحداثة أم أخونة المجتمع”.

فالحداثة بقيت عالقة مقتصرة على النخب، وطبيعي أن الذين لم يستفيدوا من الحداثة سيصبحون من أعدائها، ذلك أن الحداثة بقيت في المدن الكبرى وفي طبقات اجتماعية معينة، ولم تتجذّر في المجتمع، عكس ما حدث في أوروبا، حيث البرجوازية تنازلت عن جزء من مكاسبها للطبقة العاملة التي تبنّت المشروع الحداثي، وهذا لم يحصل في مجتمعاتنا لعدّة اعتبارات. 

لم تكن هناك طبقة برجوازية بل مجرد نخبة احتكرت الحداثة، ومن الطبيعي أن تستعمل بقيّة الفئات الاجتماعية الدين لتعادي الحداثة، لهذا كان العنوان الفرعي للكتاب “دمقرطة الحداثة أو أخونة المجتمع “. وحتّى بعد الثورة، لم أر اتجاهاً كبيراً نحو دمقرطة الحداثة، ما حدث هو إعادة تشكّل النخبة نفسها، وطالما لم تصبح الحداثة مسألة شعبية مشتركة بين كل الفئات الاجتماعية ستبقى معزولة.

لكن هناك بعض الفئات اليوم تتمسّك بالحداثة، لا بصفتها مشروعاً فكرياً بل كصيغة تقدمية ذات مكاسب. مثلاً، في قضية المرأة، نجد جزءاً كبيراً من النساء غير مستعدّات للتنازل عن مكاسبهن، ولا مجال للتفريط فيها. وهذا شيء مهم ينبغي على المجتمع أن يكون منخرطاً في الدفاع عن بقية المكاسب، وأن لا تبقى قضية الحداثة مسألة نظرية مقتصرة على النخبة فقط.

– اهتممت في ندوات وكتب ومقالات بتحديث الإسلام، أو كما سمّاه المفكّر الرّاحل العفيف لخضر “إصلاح الإسلام”، هل تعتقد أن جماعات الإسلام السياسي هي أكبر حاجز اليوم ضدّ هذا المسار التحديثي؟

– بالتأكيد ، لماذا؟ لأنّنا عندما نعود إلى القرن التاسع عشر، في ذلك الوقت، لم يكن هناك “إخوان مسلمون”، وكانت مشكلة الإصلاحيين مع المؤسسات الدينية التقليدية. لكن هذه المؤسسات ضعفت بسبب التعليم الحديث وانهيار نظام الأوقاف، سواء ألغي تماماً مثل ما هو الحال في تونس، أو في مصر، التي أصبحت الدولة فيها تلعب دوراً اجتماعياً، ففقدت المؤسسة الدينية سندها المالي، إذ إن المال الذي كان يُسند لهذه المؤسسات أصبح يمنح للدولة كضرائب، وبالتالي ضعف “الأزهر” في مصر وأغلقت “الزيتونة” في تونس.

– المسار التاريخي العادي كان يتّجه نحو التحديث مثلما حدث في أوروبا، ما هي المعطيات الجديدة التي أوقفت هذا المسار ووجّهته لمكان آخر؟

– هي بلا شك ظهور حركات الإسلام السياسي التي حلّت محلّ المؤسسات الدينية التقليدية، بل أصبحت خطراً عليها، فـ”الأزهر” مثلاً، كان هو المؤسسة الرسمية الأشعرية – وفي فترة ما أصبح سلفياً – وحارب “الإخوان المسلمين” لأنّهم كانوا يريدون الحلول مكانه. بالتالي، عندما نرى هذا المسار التاريخي، نلاحظ أن المؤسسات التقليدية ضعفت، لكن لم يكن هذا لصالح الحداثة والإصلاح، بل لصالح حركات الإسلام السياسي التي تقدّم نفسها بديلاً عن هذه المؤسسات.

سيرة موجزة

الدكتور محمد الحدّاد، أستاذ في المعهد العالي للغات بتونس، ومن أبرز أساتذة الحضارة في الجامعة التونسية، متخصّص في فكر الإصلاح والنهضة العربية والأديان المقارنة. أثرى المكتبة العربية بعدد كبير من الكتب والدراسات الصادرة بين بيروت وتونس، كما درّس كأستاذ زائر في جامعة بولونيا بإيطاليا.

اهتم الحدّاد في منجزه الفكري بنقد الخطاب الديني والفكر الإصلاحي وقضايا الإسلام السياسي، مستعيداً سير روّاد النهضة العربية. ومن أبرز مؤلفاته “حفريات تأويلية في الخطاب الإصلاحي العربي”، و”محمد عبده: قراءة جديدة في خطاب الإصلاح الديني”، و”الإسلام: نزوات العنف واستراتيجيات الإصلاح”، و”ديانة الضمير الفردي ومصير الإسلام في العصر الحديث”، إلى جانب “التنوير والثورة” و”قواعد التنوير”، التي تناول فيها قضايا الفكر الديني والسياسي والدولة والمجتمع.