أنهت الولايات المتحدة الأمريكية وجودها العسكري في العراق مع اكتمال انسحاب قواتها ومعداتها من قاعدة أربيل الجوية، وإغلاق الفصل العراقي من عملية “العزم الصلب” التي استمرت منذ العام 2014 لمواجهة تنظيم “داعش”. لكن مغادرة القوات الأمريكية لا تعني خروج واشنطن من المعادلة العراقية بقدر ما تعني انتقال العلاقة إلى صيغة مختلفة، فيما يدخل العراق مرحلة تتقاطع فيها إعادة تموضع النفوذ الأمريكي مع حسابات إيران وشبكات الفصائل المسلحة المرتبطة بها.
لا تكمن أهمية اللحظة الجديدة في القوات التي غادرت أو القواعد التي أُخليت، بل في الفراغ الذي أعاد الانسحاب تعريفه. فقد انتقل العراق من بيئة كان فيها الوجود العسكري الأمريكي عاملاً مباشراً في معادلة الردع، إلى مرحلة تصبح فيها الدولة العراقية مسؤولة بصورة أكبر عن إدارة أمنها، وضبط السلاح، ومنع أراضيها من التحول إلى ساحة للمواجهة بين القوى الإقليمية.
وفي الوقت نفسه، لا تختفي واشنطن بالكامل من المعادلة الأمنية. فقد انتقلت قيادة قوة المهام المشتركة إلى الأردن، مع استمرار قدرة الولايات المتحدة على تقديم التدريب والدعم الاستخباري ومواصلة عمليات مكافحة “داعش” في سوريا. وهذا يعني أن الانسحاب من العراق هو إنهاء للوجود العسكري المباشر، وليس قطعاً للعلاقة الأمنية بين البلدين.
من الوجود العسكري إلى النفوذ المركب
كان الوجود الأمريكي في العراق أحد أكثر عناصر التوازن وضوحاً خلال السنوات الماضية، لكنه لم يكن الأداة الوحيدة التي تمتلكها واشنطن. العلاقة مع بغداد تشمل الأمن والدفاع والاستخبارات، إلى جانب المال والطاقة والنظام المصرفي والتجارة.
تظهر أهمية العامل المالي بصورة خاصة، إذ يظل النظام المصرفي العراقي والتعاملات المرتبطة بالدولار جزءاً من البيئة التي تستطيع واشنطن التأثير فيها عبر العقوبات والرقابة على الشبكات المالية. وقد استخدمت وزارة الخزانة الأمريكية العقوبات ضد شخصيات وشركات عراقية اتهمتها بتسهيل تحويل موارد من قطاع النفط لمصلحة إيران وفصائل مسلحة مرتبطة بها.
وبذلك، لا يعني خروج القوات الأمريكية انتهاء النفوذ الأمريكي، بل انتقال جزء مهم منه من المجال العسكري إلى أدوات مالية ومؤسسية واستخبارية. وهذه الأدوات قد تكون أقل ظهوراً من القواعد العسكرية، لكنها تظل قادرة على التأثير في شبكات التمويل والطاقة والعلاقات الاقتصادية.
الدولة أمام اختبار الأمن
يضع الانسحاب العراق أمام مسؤولية مختلفة. فبعدما كانت القوات الأمريكية والتحالف يوفران جزءاً من قدرات الاستطلاع والدعم الجوي والاستخباري، تصبح المؤسسات العراقية مطالبة بإدارة المجال الأمني بدرجة أعلى من الاعتماد على الذات.
وهذا الاختبار لا يتعلق بتنظيم “داعش” وحده، بل بتعدد مراكز القوة داخل البلاد. الدولة التي تتولى الآن المسؤولية الأمنية المباشرة تحتاج إلى تحديد واضح لمن يملك قرار استخدام القوة، ومن يحدد مصادر التهديد، ومن يقرر دخول العراق في مواجهة أو تجنبها.
ومن هنا تتحول مرحلة ما بعد “العزم الصلب” إلى اختبار لمفهوم الدولة نفسه. إن نجاح الانسحاب بالنسبة إلى بغداد لا يقاس فقط بغياب القوات الأجنبية، بل بقدرة مؤسساتها على منع ظهور قوة بديلة تملأ المجال الأمني الذي تركه هذا الانسحاب.
الفصائل بعد زوال الذريعة
تواجه الفصائل المسلحة الآن واقعاً مختلفاً عن ذلك الذي نشأت فيه أو عززت حضورها خلاله، إذ ارتبط جزء من خطابها خلال السنوات الماضية بمقاومة الوجود العسكري الأمريكي، بينما غادرت القوات الأمريكية العراق فعلياً.
ولا يعني ذلك أن الفصائل فقدت قدرتها أو أن ملف السلاح حُسم، لكنه يسحب من خطاب “مقاومة الاحتلال” جزءاً مهماً من البيئة التي كان يستند إليها. ولذلك ينتقل السؤال من مواجهة القوات الأجنبية إلى سؤال أكثر مباشرة: ما المبرر لاستمرار قوة مسلحة خارج المؤسسة الرسمية بعد انتهاء الوجود العسكري الذي قاتلته؟
وتزداد المسألة حساسية لأن الفصائل لا تمثل مجرد تشكيلات عسكرية، إذ إن بعضها يمتلك امتدادات سياسية واقتصادية واجتماعية، ما يجعل مشكلة السلاح مرتبطة ببنية النفوذ داخل الدولة نفسها. وبالتالي فإن معالجة الملف لا تتعلق فقط بتسليم الأسلحة، وإنما بإعادة تعريف العلاقة بين القوة المسلحة والقرار السياسي والموارد الاقتصادية.
وتكشف التطورات الأخيرة صعوبة هذا المسار. الموعد الذي كان مرتبطاً بنزع سلاح الفصائل أُرجئ إلى يونيو/حزيران 2027، فيما أبدت فصائل موالية لإيران مواقف رافضة للالتزام بجدول زمني موحد. وهذا يعني أن خروج القوات الأمريكية لم يُنهِ مشكلة السلاح، بل جعلها أكثر وضوحاً باعتبارها قضية عراقية داخلية.
إيران أمام بيئة جديدة
لا يعني الانسحاب الأمريكي تراجع النفوذ الإيراني تلقائياً. طهران تمتلك شبكة واسعة من العلاقات السياسية والأمنية والاقتصادية داخل العراق، كما أن أهمية العراق في حساباتها تتجاوز مسألة الوجود الأمريكي.
لكن تغير البيئة العسكرية يفرض إعادة حساب للأدوات. ففي مرحلة الحرب على “داعش”، كان من الممكن تقديم السلاح خارج مؤسسات الدولة باعتباره جزءاً من مواجهة تهديد أمني مباشر. أما بعد خروج القوات الأمريكية، فإن استمرار هذا السلاح يصبح أكثر ارتباطاً بالصراع على القرار السياسي والسيادي داخل العراق.
ومن هذا المنطلق، تواجه إيران معادلة أكثر تعقيداً: الحفاظ على نفوذ حلفائها من دون أن يتحول هذا النفوذ إلى عامل يدفع الدولة العراقية إلى مزيد من العزلة أو العقوبات أو الصدام مع شركائها الخارجيين. وكلما أصبح النفوذ الإيراني مرتبطاً بقدرة الحلفاء على العمل داخل مؤسسات الدولة، ازدادت أهمية أدوات السياسة والاقتصاد إلى جانب القوة المسلحة.
أربيل والفراغ الأمني
ومن جهة أخرى، يظهر أثر الانسحاب بصورة خاصة في إقليم كردستان، الذي كانت فيه القوات الأمريكية والتحالف جزءاً من البيئة الأمنية لمواجهة “داعش”. ومع مغادرة آخر القوات والمعدات من قاعدة أربيل، تتحمل بغداد وأربيل مسؤولية أكبر عن إدارة المناطق الهشة والتنسيق بين القوات العراقية والبيشمركة.
وتزداد أهمية هذا الملف مع المخاوف المرتبطة بعودة نشاط خلايا “داعش”، إضافة إلى فقدان بعض القدرات التي كانت توفرها قوات التحالف، ومنها أنظمة الدفاع الجوي. وهذا يجعل العلاقة بين بغداد وأربيل عاملاً مركزياً في منع أي فراغ أمني يمكن أن تستغله التنظيمات المسلحة أو القوى الإقليمية.
السيادة بعد الانسحاب
ينهي الانسحاب الأمريكي مرحلة عسكرية، لكنه لا ينهي التنافس على العراق. فالصراع ينتقل إلى مستويات أقل ظهوراً تشمل المال والطاقة والاستخبارات والاستثمار والنفوذ السياسي، فيما يصبح ضبط السلاح القضية الأكثر مباشرة في اختبار قدرة الدولة.
السيادة العراقية لا تتحدد بمجرد خروج القوات الأجنبية، بل بقدرة بغداد على منع تحول الفراغ الذي خلفه الانسحاب إلى مساحة جديدة لنفوذ الفصائل أو القوى الإقليمية. الدولة التي استعادت مسؤوليتها الأمنية تحتاج الآن إلى إثبات قدرتها على امتلاك القرار الذي كانت تتقاسمه خلال مرحلة الحرب مع قوى خارجية وداخلية متعددة.
ومن هذه الزاوية، فإن نهاية “العزم الصلب” ليست نهاية التنافس على العراق، بل بداية مرحلة مختلفة منه. خرجت القوات الأمريكية، لكن السؤال الذي بقي داخل العراق أصبح أكثر وضوحاً: هل تستطيع الدولة أن تملأ المجال الذي تركه الانسحاب بسلطة مؤسساتها، أم سوف تملؤه مراكز قوة أخرى؟
الاختبار الحقيقي للمرحلة الجديدة لن يكون في غياب القوات الأجنبية، وإنما في قدرة بغداد على تثبيت احتكار الدولة للسلاح والقرار، وإدارة علاقاتها مع واشنطن وطهران من موقع مستقل، ومنع العراق من العودة إلى موقع الساحة المفتوحة للصراعات الإقليمية.















