بقلم آدمز وايت
بقلم آدمز وايت

مقالات مشابهة

التزام أخلاقي

من “الاصطناعي” إلى “الفائق”..ترامب يغيّر اسم الذكاء ويترك لشركات التكنولوجيا مهمة مراقبة نفسها

بقلم آدمز وايت
بقلم آدمز وايت

لم يكن اللقاء الذي جمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وكبار قادة صناعة الذكاء الاصطناعي في البيت الأبيض أخيراً، مجرد محاولة لطمأنة الأمريكيين بشأن مخاطر التكنولوجيا. فخلف الاتفاق القصير الذي خرج به الاجتماع تظهر ملامح سياسة أوسع: واشنطن تريد أن تواصل الشركات تطوير أنظمة أكثر قوة وبأقصى سرعة ممكنة، على أن تتحمل الصناعة نفسها جانباً كبيراً من مسؤولية مراقبة المخاطر.

وقّع ترامب وقادة “غوغل” و”أنثروبيك” و”ميتا” و”أوبن إيه آي” و”إنفيديا” و”إكس إيه آي” ما سُمي “اتفاق البيت الأبيض بشأن الذكاء الفائق”. ووصفه الرئيس بأنه “ملزم أخلاقياً”، لكنه ليس قانوناً أو لائحة تنظيمية جديدة. وتعهدت الشركات بأربع طبقات من الرقابة: ضوابط داخلية لمراقبة قدرات النماذج ومخاطرها أثناء التدريب والتشغيل، وفريق داخلي للتحقق من عمل هذه الضوابط، ومدقق أو مقيّم خارجي مستقل، ولجنة مستقلة على مستوى مجلس الإدارة تتلقى تقارير المراجعة وتشرف عليها.

الرقابة الذاتية وتغيير الاسم

تبدو هذه البنية أقرب إلى نظام حوكمة مؤسسية منها إلى تنظيم حكومي مباشر. البيت الأبيض يحدد المبادئ، لكن الشركات هي التي تطبقها وتراقبها وتستعين بمن يراجعها، من دون عقوبات خاصة ينص عليها الاتفاق إذا لم تفعل. وهنا تحديداً تكمن دلالة وصف ترامب الوثيقة بأنها “ملزمة أخلاقياً”: الاتفاق يريد إنتاج التزام سياسي وسمعة عامة حول الشركات من دون تحويله، حتى الآن، إلى التزام قانوني قابل للإنفاذ.

في اليوم نفسه، اتخذ ترامب خطوة أكثر إلزاماً في مسألة تبدو للوهلة الأولى أقل أهمية، وهي “الاسم”. فقد أصدر أمراً تنفيذياً يوجّه مؤسسات السلطة التنفيذية إلى استخدام اسم “Super Intelligence” أو “SI”، أي “الذكاء الفائق”، بدلاً من “الذكاء الاصطناعي” “Artificial Intelligence” أو “AI” في المراسلات والاتصالات العامة والمواقع والتقارير والوثائق غير التشريعية، إلى أقصى حد يسمح به القانون.

وقال ترامب إن التكنولوجيا “ليست اصطناعية”، بينما يذهب الأمر التنفيذي إلى أن المصطلح القديم لم يعد يعكس القدرات المتقدمة للأنظمة الحديثة.

لكن تغيير الاسم لا يعني أن الولايات المتحدة أعلنت علمياً وصول الأنظمة الحالية إلى ما يعرف في الأدبيات التقنية بـ”الذكاء الفائق”، بل إن الأمر التنفيذي نفسه يستخدم مؤقتاً التعريف القانوني القائم للذكاء الاصطناعي لتحديد التكنولوجيا التي سيطلق عليها الاسم الجديد، ويطلب إعداد مقترح لتعريف فيدرالي جديد خلال 60 يوماً.

هذا يجعل التسمية أكثر من لعبة لغوية وأقل من إعلان علمي. إنها رسالة سياسية حول الكيفية التي تريد الإدارة أن يرى بها الأمريكيون التكنولوجيا: ليست أداة مصطنعة ينبغي التعامل معها أساساً من زاوية الخطر، بل قوة متقدمة تحمل فرصاً اقتصادية واستراتيجية واسعة.

واللافت أن القرار الأكثر إلزاماً في يوم الاجتماع لم يكن متعلقاً بمعايير الأمان، بل باللغة التي ستستخدمها الحكومة.

رهان على الشركات

يجمع ذلك بين خيطين في سياسة ترامب تجاه التكنولوجيا. الأول هو المنافسة. فقد تحدث الرئيس عن الذكاء الاصطناعي باعتباره سباقاً بين الولايات المتحدة والصين له فائز وخاسر، مؤكداً أهمية ألا تخسر الشركات الأمريكية سرعتها في التطوير. وفي مثل هذه الرؤية تصبح القواعد الصارمة قبل إطلاق التكنولوجيا تكلفة محتملة على القدرة التنافسية، لا مجرد وسيلة للحماية من المخاطر.

والثاني هو الرقابة الذاتية. قال ترامب بعد الاجتماع إنه يرى جانباً كبيراً من قدرة الشركات على مراقبة نفسها، وإدراكها ضرورة القيام بذلك. وهكذا يصبح الاتفاق محاولة للجمع بين مطلبين متعارضين ظاهرياً: عدم إبطاء السباق، وإقناع الجمهور بأن السرعة لن تأتي على حساب السلامة.

لكن هذه المعادلة تضع الشركات في موقع مزدوج، فهي التي تطور النماذج وتتنافس على إطلاقها والاستفادة منها تجارياً، وهي أيضاً المصدر الأساسي للمعلومات عن قدراتها ومخاطرها والجهة الأولى المكلفة بضبطها.

الرقابة الذاتية تحت الاختبار

وجود مدققين خارجيين ولجان مستقلة داخل مجالس الإدارة يضيف طبقة رقابية إلى هذه المعادلة، لكنه لا يحل وحده السؤال الأساسي: ماذا يحدث عندما يتعارض تحذير متعلق بالسلامة مع مصلحة الشركة في إطلاق نموذج جديد قبل منافسيها؟

الاتفاق لا يقدم حتى الآن جواباً حكومياً ملزماً. وهو نفسه يعترف بإمكان الحاجة لاحقاً إلى تحويل هذه الخطوات إلى قوانين أو لوائح. لذلك قد تكون أهم نتيجة لاجتماع البيت الأبيض ليست الضمانات الأربع ولا الاسم الجديد، بل النموذج الذي جمعهما: إدارة تريد أن تمنح التكنولوجيا مكانة استراتيجية أكبر، وتمنح الشركات مساحة واسعة لتطويرها، ثم تطلب من الصناعة أن تثبت أن بإمكانها ضبط القوة التي تصنعها.

نجاح هذا النموذج لن يُقاس بعدد الشركات التي وقّعت الاتفاق، بل بما يحدث عندما يظهر أول تعارض حقيقي بين السرعة والسلامة. عندها سيتضح ما إذا كان “الإلزام الأخلاقي” قادراً على تغيير قرار تجاري، أم أن واشنطن ستضطر إلى الانتقال من التعهد الطوعي إلى القانون.