أنهى مظلوم عبدي، القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وجودها كقوة عسكرية مستقلة، معلناً حلها واندماجها في مؤسسات الدولة السورية، في خطوة تتجاوز دلالاتها نهاية تشكيل عسكري؛ فالتنظيم الذي نشأ في خضم الحرب السورية تحول خلال سنوات إلى منظومة نفوذ عسكرية وأمنية وإدارية واقتصادية، وأصبح شريكاً رئيساً للولايات المتحدة في شمال شرق البلاد.
السؤال الحقيقي اليوم، ما الذي سينتقل من “قسد” إلى الدولة السورية، وكيف ستتعامل دمشق مع إرث قوة حكمت مساحة واسعة من البلاد خارج مؤسساتها. قد يكون دمج المقاتلين الجزء الأسهل من العملية، أما استيعاب شبكات النفوذ والمؤسسات والخبرات والموارد والولاءات التي تشكلت حولهم، فيمثل الاختبار الأصعب أمام الدولة السورية الجديدة.
أكراد سوريا قبل “قسد”
لم تبدأ قصة الأكراد في سوريا مع “قسد”، كما أنها لن تنتهي بحلها. فقد عاش الأكراد لعقود على هامش المعادلة السياسية السورية، وسط قيود طالت جوانب من الهوية واللغة والحقوق المدنية والمشاركة السياسية. لكن الحرب فتحت أمامهم مساحة غير مسبوقة لإعادة بناء نفوذهم، خصوصاً بعد تراجع مؤسسات الدولة في مناطق واسعة من الشمال الشرقي.
وجاء تأسيس “قسد” العام 2015 ليحوّل هذا النفوذ إلى قوة عسكرية منظمة، لكن صعودها لم يستند إلى العامل الكردي وحده، بل إلى الحرب التي خاضتها ضد تنظيم “داعش”، والتي شكلت نقطة التحول الأهم في مسارها. ومنذ تأسيسها، أصبحت “قسد” القوة البرية الرئيسة التي اعتمدت عليها الولايات المتحدة والتحالف الدولي في مواجهة التنظيم في شمال شرق سوريا، وخاضت معارك حاسمة انتهت بإسقاط معاقله الرئيسة في المنطقة، قبل أن تتولى لاحقاً مسؤولية احتجاز آلاف من عناصره وإدارة مخيمات تضم عائلات مرتبطة به.
هذا الدور منح “قسد” شرعية دولية تتجاوز حجمها المحلي، وحوّلها من تشكيل عسكري كردي إلى شريك أمني لواشنطن ولاعب رئيس في معادلة مكافحة الإرهاب. ولذلك، فإن حلها اليوم لا ينهي فقط تجربة عسكرية وسياسية، بل يضع أيضاً مسؤولية الإرث الأمني الذي خلفته في عهدة الدولة السورية، من السجون والمعتقلين إلى الخلايا النائمة وملاحقة التنظيم في البادية والشمال الشرقي.
لكن من الضروري الفصل بين “قسد” والأكراد السوريين. إن القوة لم تكن مرادفاً لكل الأكراد، كما أن حلها لا يلغي القضية الكردية ولا المطالب المتعلقة بالحقوق الثقافية والسياسية، بل ينقل هذه المطالب إلى اختبار جديد داخل الدولة، في ظل تعهدات تتعلق بالحقوق الثقافية واللغوية والتعليم باللغة الكردية.
إرث “قسد” داخل الدولة
تبدأ هنا المرحلة الأصعب. الاندماج العسكري يمكن تنظيمه عبر الرتب والوحدات والقيادة، لكن دمج النفوذ أكثر تعقيداً. يحمل المقاتلون الذين دخلوا تشكيلات الجيش السوري خبرة عسكرية اكتسبوها خلال سنوات من الحرب، بينما تمتلك القيادات والكوادر المدنية والأمنية شبكات علاقات تشكلت في ظل إدارة محلية مستقلة.
وهذا يضع دمشق أمام معادلة دقيقة: استيعاب هذه الخبرات من دون استيراد منظومة الولاءات التي نشأت خارج الدولة؛ فالمقاتل الذي كان يحمل سلاحه باسم “قسد” سيحمله الآن باسم الجيش السوري، لكن السؤال الأهم يتعلق بمن يملك القرار عند تعارض الولاء المحلي مع القرار المركزي. والكوادر التي أدارت مؤسسات شمال شرق سوريا يمكن أن تصبح جزءاً من الإدارة الحكومية، لكن نجاح التجربة يتوقف على انتقالها من إدارة منطقة إلى خدمة دولة واحدة.
وهنا تبرز قاعدة الاختبار الأساسية: التحدي أمام دمشق ليس حلّ “قسد”، بل منع إعادة إنتاجها داخل مؤسسات الدولة.
يمتد الاختبار إلى الاقتصاد. فالمناطق التي كانت تحت إدارة “قسد” تضم موارد استراتيجية، بينها النفط والغاز والزراعة والمياه، ما يجعل إعادة دمجها جزءاً من استعادة الدولة لسيادتها الاقتصادية. وقد تكون معركة الموارد أكثر حساسية من معركة السلاح: من يديرها؟ ومن يقرر توزيع عائداتها؟ وكيف تمنع دمشق تحول المركزية الاقتصادية إلى سبب جديد للتوتر المحلي؟
أما الإرث الأمني، فيمثل تحدياً أكثر حساسية. فقد تحملت قوات سوريا الديمقراطية لسنوات مسؤولية إدارة سجون تضم عناصر من “داعش” ومخيمات لعائلات مرتبطة بالتنظيم، إلى جانب ملاحقة خلاياه. ومع انتقال هذه المسؤوليات إلى الدولة، تنتقل معها واحدة من أثقل المهام الأمنية في سوريا.
وهنا تكمن المفارقة: القوة التي بنت جزءاً من شرعيتها على حماية سوريا والعالم من “داعش” أصبحت جزءاً من الدولة التي يفترض أن تتولى وحدها مهمة منع عودته.
تركيا تراقب شكل الاندماج
تتعامل تركيا مع التحول من زاوية مختلفة. فالمشكلة بالنسبة إلى أنقرة لم تكن اسم “قسد” بحد ذاته، بل وجود قوة كردية مسلحة ومنظمة على حدودها الجنوبية، تعتبرها مرتبطة بحزب العمال الكردستاني.
لذلك يمثل الاندماج في مؤسسات الدولة السورية مكسباً استراتيجياً لتركيا، لأنه ينقل القوة الكردية من وضع مستقل إلى مؤسسة تابعة لدولة ذات سيادة. لكن أنقرة لن تتعامل مع الإعلان باعتباره نهاية الملف، بل بداية مرحلة جديدة من المراقبة.
ستراقب أنقرة تركيبة الوحدات التي ستضم المقاتلين السابقين، ومواقع القيادات الكردية، وحجم النفوذ السياسي والإداري الذي سيبقى لهم، ومدى تحول الحقوق الكردية إلى صيغة حكم ذاتي مقنّعة.
وهكذا قد تنتقل تركيا من مواجهة “قسد” مباشرة إلى التأثير في دمشق لضمان ألا تعيد الدولة السورية إنتاج المشروع الذي كانت تعتبره تهديداً لأمنها القومي. بمعنى آخر، انتهت مهمة مطاردة قوة كردية مستقلة، وبدأت مهمة مراقبة الدولة التي استوعبتها.
واشنطن تعيد تعريف الشراكة
أما الولايات المتحدة فتواجه تحولاً في نموذج حضورها السوري. فقد كانت “قسد” شريكها المحلي الأساسي في الحرب على “داعش”، لكن انتقالها إلى مؤسسات الدولة يضع واشنطن أمام واقع جديد: القوة التي اعتمدت عليها لسنوات لم تعد تعمل بوصفها كياناً مستقلاً.
لا يعني ذلك بالضرورة أن الولايات المتحدة خسرت “قسد”. فقد تكون واشنطن أمام انتقال من الاعتماد على قوة محلية للسيطرة على منطقة إلى التعامل مع دولة سورية قادرة على تحمل مسؤوليات الأمن والحدود ومكافحة الإرهاب.
هذا التحول يكتسب أهمية أكبر مع انفتاح واشنطن على دمشق وتراجع بعض القيود التي كانت تعرقل إعادة دمج سوريا في الاقتصاد والنظام الإقليمي. وفي هذا السياق، يصبح حل “قسد” جزءاً من إعادة ترتيب أوسع للعلاقة الأمريكية مع سوريا، وليس مجرد تسوية بين دمشق والأكراد.
لكن واشنطن ستبقى معنية بضمان ألا يؤدي تفكيك القوة التي قاتلت “داعش” إلى فراغ أمني يسمح للتنظيم بإعادة بناء شبكاته. كما ستراقب كيفية إدارة ملف المعتقلين والمخيمات، وقدرة دمشق على مواصلة مكافحة التنظيم في البادية والشمال الشرقي.
تقاطع المصالح
وهنا تتقاطع المصالح الأمريكية والتركية للمرة الأولى منذ سنوات حول هدف واحد، وإن اختلفت دوافعهما. تركيا تريد إنهاء القوة الكردية المستقلة على حدودها، والولايات المتحدة تريد انتقالاً منظماً لا يخلق فراغاً أمنياً أو يعيد “داعش” إلى الساحة.
لكن نجاح المسار سيبقى مرتبطاً بقدرة دمشق على تحويل “قسد” من منظومة نفوذ إلى مؤسسة وطنية. فإذا نجحت الدولة في دمج المقاتلين والكوادر والمؤسسات، وضمان الحقوق الكردية، وإدارة الموارد بصورة عادلة، فقد يصبح حل “قسد” محطة فعلية في استعادة وحدة الدولة السورية.
أما إذا بقيت شبكات الولاء والسلاح والنفوذ منفصلة عن المركز، فقد يتغير الاسم بينما يبقى جوهر المشكلة. لهذا، فإن “قسد” لم تختفِ بالكامل؛ لقد انتقلت إلى الاختبار الأصعب. انتهت كقوة خارج الدولة، وبدأ اختبار بقائها داخلها.















