بعد الضربات التي تعرضت لها تنظيمات مثل “القاعدة” و”داعش”، برزت تساؤلات جديدة حول قدرة هذه التنظيمات على إعادة إنتاج نفسها، وتوظيف الفضاء الرقمي في عمليات التجنيد والاستقطاب، فضلًا عن التحديات التي تواجه برامج مكافحة الإرهاب، ومحاولات تفكيك الخطاب المتطرف.
في الجزء الأول من هذا الحوار ناقشنا مستقبل “جماعة الإخوان المسلمين” والتحولات التي يشهدها الإسلام الحركي، لكن مشهد التطرف لا يقتصر على تنظيم بعينه، بل يمتد إلى شبكة واسعة من التيارات السلفية والتنظيمات الجهادية التي أعادت تشكيل خطابها وأساليب عملها خلال السنوات الأخيرة.
في هذا الجزء نستكمل ، في “غلوبال ووتش عربية”، حوارنا مع الكاتبة والباحثة الأمريكية المصرية سينثيا فرحات، حول رؤيتها لمستقبل التيار السلفي، وتحولات الخطاب الجهادي، وأسباب استمرار بعض بؤر التطرف، فضلًا عن الآليات الفكرية والسياسية التي تراها ضرورية لتفكيك الأيديولوجيات المتشددة ومواجهة خطاب العنف.
– هل ثمة فروق بين أدبيات “جماعة الإخوان المسلمين” من جهة وأدبيات “القاعدة” و”داعش” من جهة أخرى؟
– سينثيا فرحات: هذا جوهر الموضوع الذي دفعني لكتابة “الجهاز السري”، إذ أن العلاقة بين أدبيات “الإخوان” و”داعش” هي علاقة الشركة الأم بفروعها، فتعتبر أدبيات “الإخوان” جسر العبور للجماعات المسلحة، بدءاً من التنظيم السري والفنية العسكرية ثم تنظيمات “الجهاد” و”الجماعة الإسلامية” وصولا إلى تنظيم “القاعدة” انتهاءً بتنظيم “داعش”، فالمتابع لتيارات وجماعات الإسلام الحركي يدرك من أول لحظة أن الأفكار جميعها متّسقة، وإنما تعددت المسميات التنظيمية ليس أكثر.
– ما هي أبرز التحولات والسمات التي طرأت على الخطاب الجماعات الإسلامية المسلحة خلال السنوات الأخيرة؟
– أصبح الخطاب ركيكاً وغوغائياً سطحياً، يفتقر إلى العمق العقائدي الذي كان موجوداً عند آباء الفكر الجهادي مثل عمر عبد الرحمن، وعبد الله عزام، وسيد قطب، ويعتمد على الأدوات الرقمية في صناعة البروباجندا الدعائية والتي تمكّن تنظيم “داعش” استخدامها في استقطاب الأجيال الجديدة خلال مراحل صعوده في السنوات الماضية.
– في ظل المتغيرات التكنولوجية كيف استفادت الجماعات الإرهابية من الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي؟
– الجماعات الدينية المتطرفة أجادت استخدام الفضاء الرقمي بشكل مبكر، ووظفت الألعاب الإلكترونية وغيرها من الأدوات الرقمية في عمليات الاستقطاب والتجنيد، وتنفيذ العمليات المسلحة، وإعطاء وتمرير الأوامر، وتحريك ما يعرف بـ”الذئاب المنفردة”، فضلاً عن بناء منظومة كاملة من أدوات التأثير الفكري والحركي بين الفئات العمرية المتعددة.
– هل تعتقدين أن الأزمة الأساسية للتنظيمات الأصولية هي أزمة سياسية أم فكرية؟
– هي في المقام الأول أزمة سياسية، فالسياسات هي التي أنتجت وغذّت الفكر الأصولي المتطرف في ظل حكومات ما زالت ترعى هذه المشروعات الفكرية والحركية، كما أن هذه الجماعات لديها رؤية سياسية معارضة لمفاهيم الدولة الوطنية، في مقابل دعمها غير المتناهي لمفردات الأممية الأصولية، واعتبارها ركناً من أركان الإسلام والدين القيم، وعلى الرغم من تبنّى هذه الجماعات مشروعاً في الوصول إلى السلطة فإنها فشلت في إدارة شؤون الحكم عند وصولها إلى رأس الدولة، إذ إنها امتلكت مشروعاً للسيطرة على الدولة وليس مشروعاً لإدارة الدولة.
– كيف أثرت تجربة الحكم لدى بعض تيارات الإسلام السياسي على صورتها لدى المجتمعات العربية؟
– في اعتقادي أن وصول الإسلاميين إلى الحكم أسهم بشكل مباشر في رفع معدلات انتشار الإلحاد في المجتمعات العربية، فـ”جماعة الإخوان” والسلفيون بشرّوا بالإلحاد في المنطقة أكثر من داروين وكل مشاهير الإلحاد مجتمعين، وذلك لأنها تبنت مفاهيم السمع والطاعة، وثقافة القطيع، وعدم إعمال العقل، وفي ظل حالة التخبط التي شهدتها هذه الجماعات خلال السنوات الأخيرة، حدث للكثير من أتباعها هزة فكرية وعقائدية نتيجة تبنيها سياسة التبرير والمظلومية، وعدم القدرة على التعامل مع المواقف بنوع من المواجهة والمراجعة الفكرية والسياسية.
– إلى أي مدى أسهم مفهوم “الحاكمية” في تشكيل البنية الحركية للجماعات الأصولية؟
– هذا سؤال مهم جداً، إذ أن مفهوم “الحاكمية” الذي صاغه الشيخ أبو الأعلى المودودي لعب دور جوهري في جلب الأنظار للمودودي بسبب تمكنه من إعادة صياغة “علوم الفقه” من خلال استخدام منهج القياس في الاصطلاح الأصولي، وإعادة طرح “علوم الفقه” من خلال ألفاظ سياسية حديثة، ما منحه القدرة في بناء المرتكزات الفكرية لتيارات وجماعات الإسلام السياسي المعاصر، والتي تم استكمالها على يد سيد قطب وشقيقه محمد قطب وغيرهما من المرجعيات الفكرية التي طورت الأدبيات والأسس المعرفية لهذه الجماعات حتى وقتنا هذا.
– ما المفاهيم الفكرية الأكثر خطورة التي ما زالت تنتقل بين أتباع تيارات الإسلام الحركي حتى الآن؟
– اعتقد الأسوأ على الإطلاق، هو عدم الاعتراف بأهمية الإنسان، وكرامته ونفسيته وغيرها من حقوقه المدنية، فالبشر لدى خطاب الجماعات الأصولية المتطرفة مقسمون بالعقيدة، والنوع، والعرق، ويمثلون في النهاية مجرد رقم ضمن قائمة الأدوات والوسائل التي يتم استخدامها في تحقيق حلم الوصول إلى السلطة والسيطرة على مقدرات الدولة وتخريب هويتها الفكرية والثقافية.

وثاني مأزق هو “التكفير”، في ظل تكفير المسلم للمسلم، وتكفير الإسلاميين لكافة غير المسلمين، ومعظم سكان الكرة الأرضية، ومن ثم يمثل فكراً معادياً للبشرية، بينما ثالث مفهوم، يتمثل في “فقه الجهاد” أو “حتمية الصدام والعمل المسلح”، إذ أن حالة الحرب تعتبر القاعدة وليست الاستثناء في معارك الإسلام الحركي وجماعات العنف المسلح، ورابعها يتمثل في مفهوم “الحاكمية” وعدم شرعية الدولة الوطنية، وتقديم الانتماء الديني على الانتماء الوطني، وخامساً، يتمثل في “احتقار وكراهية المرأة”، واعتبارها مجرد كائن هاش وثانوي وتابع لأهواء قيادات هذه الجماعات ورموزها وفق خطاب شرعي وانحرافات فكرية وعقائدية.
– لماذا أخفقت بعض برامج مكافحة التطرف والإرهاب في تحقيق نتائج مستدامة؟
– الإجابة عنه باختصار شديد تتمثل في أنها حاولت معالجة الأعراض، وليس الأسس العقائدية والانحرافات الفكرية، واقتصرت فقط على تجفيف منابع ممارسة العمل المسلح وفق الترهيب والترغيب، فضلاً عن عدم مراعاة الجوانب النفسية لقيادات ورموز هذه التنظيمات الإرهابية خلال تصميم هذه البرامج.
– كيف يمكن تفكيك البنية الفكرية التي تستند إليها التنظيمات المتشددة؟
– يتطلب الأمر شجاعة فكرية وأخلاقية كبيرة لمواجهة الأصول الفقهية، وعدم الاكتفاء بالمسكنات دون التطرق إلى اقتلاع الجذور الفكرية لهذه الجماعات وانحرافاتها العقائدية، وكلما تأخرنا زادت الفاتورة.
– ما الدور الذي يجب أن تقوم به المؤسسات الدينية في مواجهة الفكر المتطرف وكيف يمكن تحصين الشباب من السرديات المتشددة؟
– المؤسسات الدينية عليها دور كبير في تحصين الوعي، مع ضرورة اتساقها مع الدور الوطني لمؤسسات الدولة وعدم خروجها عن السياق في طبيعتها أو اختراقها من قبل بعض العناصر الإخوانية أو السلفية التي تعطلها عن السير في مسارها السليم ضمن الدور التوعوي، في تصحيح المفاهيم الفكرية المغلوطة والتي تاجرت بها هذه الجماعات منذ نشأتها، مع ضرورة تطبيق القانون على المخالفين وعدم التبرير في تركهم يمارسون دوراً في تخريب العقول دون ردع أو عقاب.
– كيف يمكن مواجهة خطاب المظلومية الذي تعتمد عليه جماعات الإسلام السياسي في التجنيد والحشد؟
– خطاب المظلومية في ذاته خطاب قائم على الضعف وعدم القدرة على المراجعة أو تصحيح الموقف أمام الأتباع والاتساق مع دور الضحية، وبالتالي من السهل تفكيكه على المستوى الإعلامي والسياسي، خصوصاً أنه خطاب غير قائم على منطق فكري أو سياسي متماسك.
– ما أبرز التجارب العربية الناجحة في مجال المواجهة الفكرية للتطرف؟
– أعتقد أن تجربة دولة الإمارات مبهرة، كما أن المملكة العربية السعودية قدمت عملاً عظيماً بشجاعة رغم الحملات ضدها، ويضاف إلى ذلك ما حققته الدولة المصرية خلال حقبة الرئيس عبد الفتاح السيسي في مواجهة الجماعات الإرهابية ومنعها من إقامة أي تمركزات تنظيمية مسلحة، وفق ما نُفّذ خلال العملية الشاملة سيناء 2018، والتي جففت منابع التطرف والإرهاب، بجانب توظيف القوة الناعمة، ومحاولة إعادة دور المؤسسات الدينية في المشهد الشعبي والدعوي من خلال التدريبات التي تتم عبر المنظومة المشتركة بين وزارة الأوقاف المصرية والأكاديمية المصرية لبناء جيل من الدعاة يؤمن بمفردات الدولة الوطنية ويسهم في القضاء على أي دور للجماعات التكفيرية المسلحة.
سينثيا فرحات في سطور
سينثيا فرحات كاتبة ومحللة سياسية وباحثة أمريكية من أصل مصري، ومؤلفة كتاب “الجهاز السري: الإخوان المسلمون وصناعة الموت”، الذي نُشر عام 2022. شاركت في تأسيس حزبي “مصر الأمة” و”المصري الليبرالي” في مصر عام 2003، اللذين ساندَا موقف مصر من معاهدة كامب ديفيد للسلام مع إسرائيل، واقتصاد السوق الحر، والفصل بين الدين والسياسة.
درست سينثيا الفقه الإسلامي وتاريخ الشرق الأوسط لأكثر من عشرين عامًا، وشاركت في تأليف عدة كتب باللغة العربية، من بينها “ازدراء أحد الأديان السماوية”، الذي حظرته رسميًا جامعة الأزهر في القاهرة عام 2008 بسبب أبحاثه النقدية لقوانين ازدراء الأديان في مصر.
أُدرج اسم فرحات على قائمة اغتيالات تابعة لجماعات مرتبطة بتنظيم القاعدة، كما مُنعت رسميًا من دخول لبنان بسبب عملها على تعزيز السلام الإقليمي. وكانت فرحات تتلقى تهديدات يومية بالقتل من إسلاميين متطرفين. وبعد أن تعرض شقيقها للتعذيب على يد إسلاميين في عام 2011، وقُتلت صديقتها في مذبحة ماسبيرو، وحاول إسلاميون اغتيالها، هاجرت فرحات إلى الولايات المتحدة.
أدلت فرحات بشهادتها أمام مجلس النواب الأمريكي، وقدمت إحاطات لأكثر من 300 عضو في الكونغرس، كما قدمت المشورة لعدد كبير من الأجهزة الأمنية في قضايا الإرهاب. وحصلت على جائزتين في الولايات المتحدة تقديرًا لعملها.
نُشرت كتاباتها في العديد من وسائل الإعلام العربية والغربية، من بينها “ناشيونال ريفيو” الإلكترونية، و”ميدل إيست كوارترلي”، و”ذا هيل”، و”فوكس نيوز”، و”ذا واشنطن تايمز”. كما ظهرت في العديد من البرامج العربية والغربية والآسيوية، وتُرجمت أعمالها إلى 20 لغة.















