بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

مقالات مشابهة

جغرافيا المدينة (1-2)

حين تصنع المدينة العزلة: كيف يعيد التخطيط الحضري إنتاج التهميش والغضب والانقسام الاجتماعي؟

بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

تبدل مفهوم المدينة من مجرد تجمع عمراني يضم مباني وطرقاً وجسوراً ومرافقَ، إلى نظام اجتماعي واسع يحدد كيف يعيش الناس معاً، وكيف يلتقون، وكيف يختلفون، وكيف يشعرون بأنهم جزء من مكان مشترك. ولهذا لا يمكن التعامل مع التخطيط الحضري باعتباره مسألة هندسية محايدة فقط. الطريقة التي تُرسم بها الأحياء، وتُوزع بها الخدمات، وتُفصل أو تُوصل بها المناطق، تترك أثراً عميقاً في العلاقات الاجتماعية، وفي الإحساس بالأمان، وفي قدرة المجتمع على مقاومة العزلة والتوتر والتطرف.

لا يعني ذلك أن العمران يصنع التطرف بصورة مباشرة أو آلية. التطرف ظاهرة مركبة، تتداخل فيها عوامل سياسية واقتصادية ونفسية وثقافية وأمنية. كما أن الفقر أو التهميش لا يؤديان بالضرورة إلى العنف؛ فالغالبية الساحقة من سكان الأحياء الفقيرة أو المعزولة يعيشون حياتهم بصورة طبيعية، ويتحملون كلفة الإقصاء أكثر مما ينتجون الخطر. غير أن تجاهل البعد المكاني في فهم هذه الظواهر يترك جزءاً مهماً من الصورة خارج التحليل. فحين تجتمع البطالة، وضعف الخدمات، ورداءة النقل، والوصم الاجتماعي، والعزلة عن مراكز الفرص، يصبح المكان نفسه عاملاً مضاعفاً للإحباط، حتى إن لم يكن سبباً وحيداً له.

المدينة حين تفقد معناها الاجتماعي

عرف التخطيط الحديث، خصوصاً في القرن العشرين، اتجاهاً واسعاً نحو تنظيم المدينة وفق منطق وظيفي صارم: منطقة للسكن، وأخرى للعمل، وثالثة للتجارة، وشبكات طرق واسعة تربط بينها. كان الهدف المعلن هو تحقيق الكفاءة والنظام، وتجاوز فوضى المدن القديمة المكتظة. لكن هذا النموذج، حين طُبق بلا حس اجتماعي، أنتج في كثير من الحالات أحياء باردة، واسعة، متشابهة، تقل فيها المصادفات اليومية التي تصنع الألفة.

المدينة ليست مجرد مساحة تتحرك فيها السيارات. إنها أيضاً أرصفة يلتقي عليها الجيران، وساحات يلعب فيها الأطفال، ومحال صغيرة يعرف أصحابها سكان الحي، ومقاعد عامة تسمح لكبار السن بالبقاء داخل المشهد اليومي. حين تختفي هذه العناصر، أو تتحول إلى إضافات شكلية، يصبح الحي مكاناً للنوم لا للعيش. يتراجع الشعور بالانتماء، وتضعف مراقبة السكان الطبيعية للشارع، وتنكمش العلاقات العابرة التي تمنح المكان دفئه.

هذا لا يعني تمجيد المدينة التقليدية على نحو رومانسي. المدن القديمة عانت أحياناً من الاكتظاظ وضعف البنية التحتية وغياب المعايير الصحية. لكن ميزتها الأساسية كانت في قدرتها على إنتاج قرب اجتماعي: تداخل السكن والعمل، اختلاط الأجيال، وضوح حدود الحي، وحضور السوق والمسجد أو الكنيسة أو الساحة كمراكز لقاء. أما المدينة الحديثة، حين تتحول إلى كتل منفصلة ومناطق أحادية الاستخدام، فإنها قد تبدو منظمة من الأعلى، لكنها أقل قدرة على إنتاج حياة مشتركة من الأسفل.

الفصل الوظيفي والطبقي

تجاوزت العزلة الحضرية حدود التصميم، لترتبط بطريقة توزيع الثروة والخدمات داخل المدينة. فحين تتحول الطبقات القادرة إلى مجمعات مغلقة، وتُدفع الفئات الأقل دخلاً نحو الأطراف، لا يعود الأمر اختلافاً عادياً في أنماط السكن. يصبح المجال الحضري خريطة واضحة للتفاوت: هنا أمن خاص، ومدارس أفضل، ومساحات مصانة، وطرق مريحة؛ وهناك نقل ضعيف، ومرافق محدودة، وفرص عمل بعيدة، وخدمات عامة مثقلة.

المجمعات السكنية المغلقة تقدم لسكانها وعداً بالطمأنينة: بوابات، حراسة، خصوصية، ونمط حياة منظم. لكنها في المقابل تطرح سؤالاً سياسياً واجتماعياً: ماذا يحدث للمدينة حين يشتري جزء من سكانها الانفصال عن بقية المجتمع؟ في هذه الحالة لا يختفي الخوف، بل يعاد ترتيبه عمرانياً. ليصبح الخارج مجهولاً ومهدداً، والداخل محمياً ومفصولاً. ومع الوقت، تتراجع فكرة المدينة بوصفها مجالاً مشتركاً، ويحل محلها تصور يقوم على الجزر المعزولة: كل فئة تبحث عن أمنها الخاص بعيداً عن الآخرين.

في الطرف الآخر، تعيش الأحياء المهمشة عزلة مضاعفة. فهي معزولة مادياً عن مراكز القرار والفرص، ومعزولة رمزياً عبر خطاب عام يختزلها في صور الخطر والجريمة والفشل. هذا الوصم يعمق المشكلة بدلاً من حلها، فعندما يُنظر إلى حي كامل بوصفه عبئاً أمنياً أو اجتماعياً، يشعر سكانه بأنهم خارج العقد المدني، وأن المدينة لا تراهم إلا من زاوية الاشتباه أو الحاجة إلى الضبط.

الحي المهمش كساحة للفراغ

عندما تغيب الخدمات العامة الفعالة، يمتلئ الفراغ بقوى أخرى: شبكات غير رسمية، عصابات، خطابات متطرفة، أو اقتصاد ظل يوفر للشباب مكانة بديلة. هنا يصبح الحي المهمش بيئة قابلة للاختراق، لا لأنه ينتج التطرف بذاته، بل لأنه يترك شبابه أمام أسئلة عالقة: من يعترف بي؟ أين أجد مكانتي؟ كيف أخرج من هذا المسار المغلق؟ ولماذا تبدو المدينة القريبة بعيدة إلى هذا الحد؟

الجماعات المتطرفة، مثلها مثل عصابات الشارع أو شبكات العنف، تقدم أولاً شعوراً بالانتماء، ثم تطرح أيديولوجيتها المجردة. إنها تمنح الفرد لغة تفسر غضبه، وجماعة تمنحه قيمة، وعدواً واضحاً يحمّله مسؤولية الإحباط. وفي البيئات التي ضعفت فيها المدرسة، وغاب فيها المركز الثقافي، وتراجعت فيها الثقة بالمؤسسات، يصبح هذا العرض أكثر جاذبية لبعض الفئات، خصوصاً من الشباب الذين يعيشون أزمة هوية وانسداد أفق.

هنا يظهر الخطر الحقيقي للعزلة المكانية، بأنها تضيق الخيارات المشروعة أمام الأفراد. وبالتالي، تزيد من قابلية الخيارات المتطرفة أو العنيفة لتبدو كأنها طريق بديل، حتى لو كان مدمراً.

البنية الخفية للاندماج

كثيراً ما يُختزل التخطيط الحضري في صورة المباني، لكن أحد أهم عناصر العدالة المكانية هو القدرة على الوصول. فالحي قد لا يكون بعيداً جغرافياً، لكنه بعيد عملياً إذا كان النقل العام ضعيفاً، أو إذا كانت كلفة الحركة مرتفعة، أو إذا كان الوصول إلى الجامعة والعمل والمستشفى يستغرق ساعات. في هذه الحالة يتحول البعد إلى عقوبة يومية.

النقل ليس خدمة تقنية فقط؛ إنه أداة اندماج. حين يستطيع سكان الأطراف الوصول بسهولة إلى فرص العمل والتعليم والثقافة، تنخفض عزلة المكان. وحين تكون المدارس والمراكز الصحية والحدائق والملاعب موزعة بعدالة، يشعر السكان بأن المدينة لا تميز بينهم. أما حين تتركز الجودة في مناطق محددة، فإن المدينة ترسل رسالة صامتة لكنها قوية: بعض السكان يستحقون أكثر من غيرهم.

ومع تراكم هذه الرسائل الصامتة، يكفي أن يرى المواطن الطريق غير المعبد، والحافلة الغائبة، والمدرسة المتداعية، والحديقة المغلقة، والمركز الثقافي البعيد ليشعر بالتهميش، من دون الحاجة إلى خطاب مباشر.

لماذا التخطيط؟

الحل لا يكمن في وصف الأحياء المهمشة كمشكلة أمنية، ولا في تجميلها سطحياً بمشاريع معزولة. المطلوب هو إعادة التفكير في المدينة بوصفها شبكة عدالة وفرص. ويبدأ ذلك من دمج الإسكان بالخدمات، وربط الأطراف بالمراكز، وتوفير فضاءات عامة حقيقية، وتحسين النقل، ومنع تحول الفوارق الطبقية إلى حدود عمرانية صلبة.

كما يتطلب الأمر إشراك السكان في تحديد احتياجات أحيائهم. فالخبرة المحلية ليست تفصيلاً ثانوياً؛ سكان الحي يعرفون أين تنقطع الحركة، وأين يشعر الأطفال بالخطر، وأين تغيب الإنارة، وأي ساحة يمكن أن تتحول إلى مركز حياة إذا أُعيد تصميمها بصورة صحيحة. التخطيط الذي يُفرض من أعلى قد ينتج مشاريع جميلة في التقارير، لكنه يفشل إذا لم يلامس الحياة اليومية.

الأهم أن التخطيط يجب أن يتحول من منطق السيطرة إلى منطق الاحتواء. المدينة الناجحة لا تطرد الفقراء من المشهد، ولا تعزل الأغنياء خلف الأسوار، ولا تتعامل مع الشباب كتهديد دائم. إنها تخلق مساحات مشتركة تسمح بالاختلاط المنظم، وتفتح مسارات للصعود الاجتماعي، وتمنح السكان سبباً للدفاع عن مدينتهم لأنهم يشعرون أنها تخصهم.

هشاشة أمام الغضب

إن المدينة التي تعزل سكانها مكانياً وطبقياً تضعف نسيجها المدني، حتى لو بدت آمنة من الخارج. والحي الذي يُترك بلا خدمات وفرص لن يصبح بالضرورة مصدراً للخطر، لكنه يصبح أكثر هشاشة أمام الغضب والانسحاب والسرديات المتطرفة.

لذلك، فإن مواجهة التطرف والانقسام تبدأ من الشارع والحديقة والمدرسة ومحطة النقل والمركز المجتمعي، بالإضافة إلى أجهزة الأمن ومناهج التعليم والخطاب الديني والسياسي. تبدأ من سؤال بسيط وعميق في آن واحد: هل يشعر الناس أن المدينة لهم جميعاً، أم أنها موزعة بينهم كامتيازات متفاوتة؟

المدينة التي تعزز التقارب، وتوزع الفرص، وتحمي الفضاء العام، لا تبني عمراناً فقط؛ إنها تؤسس مناعة اجتماعية. أما تلك التي تسمح للعزلة بأن تصبح جغرافيا يومية، فإنها تنتج، إضافة إلى الأحياء المترامية، سكاناً يشعرون بأنهم بعيدون عن المعنى نفسه.