الكتلة، أي كتلة، في مفهوم الحسّ سلطةٌ: سلطةٌ لأنها تستعير هذه الهوية من الطبيعة، التي ترى في كل جرمٍ احتلّ فراغاً في حرف الوجود امتلاءً، امتلاء هو، بقياس الواقع، قوّة! ولهذا السبب لم يجد إنسان التكوين، في صحراء كبرى هي مسقط رأس التكوين، ما يعبّر به عن ظاهرة طبيعية باهرة كالصّخرة، سوى ملفوظة تبدو بريئة هي: بودره، كما تجري على لسان أمازيغ، أو أمازير، الصحراء الكبرى، للتدليل، لا على طينة الحجر وحده، ولكن على كل تشكيلٍ يعتمد التكتّل هويّةً، سواء أكان حجراً، أو عملةً معدنيّةً، استعارت طينة الوزن، لتحاجج به كائنات الواقع كسلطة.
هذه السلطة، المستعارة من طبيعة حسيّة معاندة، فيما إذا قورنت ببقيّة كائنات المسكونة الهشّة، بسبب هوية عالمٍ انبثق للتوّ من سيولة طوفان مائي، كان له الفضل في ميلادٍ من باطن عدم، فلا يجد الـ (Homo sapiens) ما يمكن أن يعبّر به عن هذا التحدّي سوى كلمة يبّودرَه، أو بودرَه، الأمازيغيّة، الصحراوية، للبرهنة على وجود جسمٍ مريب، يبدو من طينة الطين، ولكنه تنكّر لطينة الطين الرجراجة، ليعتنق دين اليبوسة: اليبوسة كهوية، هو ما استعارته كل اللغات الأوروبية، بدايةً باليونانية في πετρα، ونهايةً باللّاتينية، أمّ اللغات الأوروبية، في pedras، ليكون ترجماناً لطينة ما نسمّيه في العربية الحجر، في وقتٍ لا يجب أن ننسى فيه اعتماده في العربية أيضاً في كلمة بدرة، الدالّة على صرّة المعادن، ذهبية أو فضيّة أو نحاسيّة، المتداولة في واقع الأسواق كعملة هي، في المفهوم، تكتّل، أو التآم في صلد هو الكتلة (بُودرَه) الأمازيغية، البدْئية. وما يهب هذه الكتلة طينة العملة ليس جنس المعدن، في مفهوم العبقرية العفوية، ولكنه صلابة الجِرم، أي ما يمكن أن يعوّل عليه في التعامل في أزمنة التكوين، وهو التحجّر. أي طبيعة الصلدم كتكوينٍ صادمٍ، حجماً وعنصراً، قادر أن يستوي في مفهوم أيّة صفقة تجارية، فلم تجد أمم الزمان إلّا أن تعتمده، لا كسلطة نفعية وحسب، ولكن كمرجع، أو كقياس، للقوّة الحسيّة، ليغدو تالياً ترجماناً لإسم لغزٍ هو: الحجر! لأنه الملاذ الوحيد الذي نستطيع أن نحتكم إليه في فردوس الطبيعة، فلا يخذلنا في حزمه، عندما ننصّبه، في نشاطنا النفعيّ، وصيّاً يلعب دور عملة تعامل.
هذا يبرهن مرة أخرى على الكيفيّة التي يراهن عليها العقل البدْئي، في بُعده الفطري، على واقع الحسّ، ليستنبط منه المفهوم المجرّد، كطينة طليعة في نحت المعنى؛ لأن الكتلة، في المعادلة تلعب دور الأرومة، التي أنتجت لنا هذا الجرم البليد، المدعو في اللغات حجراً، ليس الحجر وحده، ولكن ما ماثل الحجر في خصاله الصلديّة، كما العملة المسكوكة في دنانير ذهبيّة أو فضيّة أو نحاسيّة، عندما تتآلف في حيّز مكاني ضيّق، كما الصرّة القماشية أو الجلدية، لتستعير، بالوزن، هويّة دامغة، فتغدو حجّةً.
ولكن ما يجب ملاحظته هو أن «بُودره» مجرّد كتلة، مجرّد طينة، طينة لمادّة لم تتشكّل في صيغة، وهو ما يمكن أن يصلح تعريفاً للحجر، في صورته البدئية، في صورته الفطريّة؛ حتّى إذا شئنا أن نخضعه لتشكيل، اضطررنا أن نستجير بالنّعت لكي نصفه حقّاً، كأن نقول «كتلة ذهب»، أو «فضّة»، أو «نحاس» إلى آخره.، أي تحديد ماهيّته في سيرورة تحوّل، انتصاراً لرسالته، انتصاراً لقيمة له تسكن الهوية، ولكنها القيمة. ذلك أن الحجر كـ«بُودره» جسم مغترب بالطبيعة، ولا يستعير القيمة لا بالوزن ولا بالجرم، ولا بالمفعول، ما لم يخضع لامتحان نفعي، تجاري، لأن «بودره» مجرد صلابة، تدل على الحجر، ولكن أن تكون الكتلة ذهباً أو فضّةً، أو نحاساً، فهذا امتياز إضافي، يعلي شأنها في التداول، لتتحوّل الصلابة في التكتّل، حكمةً؛ الحكمة التي تهبها قيمةً.
التسليم بحقيقة وجوب إخضاع المفردات، لمنطق علم الأصوات، سوف يسهم يقيناً في إعادة النظر في نشوء المفاهيم الوجودية، المعتمدة في معاجم اليوم، بعد أن برهنت تجربتنا في موسوعتنا «بيان في لغة اللاهوت» على وجود جذر لغوي بدئي استطاع حقن اللغات السائدة بشفرة مرجعيّة، لعب دوراً بطوليّاً في إعلاء شأن التجربة الحسيّة، التي كانت أُسّ المفهوم في معراج صعوده إلى أعلى، أي إلى ما نسمّيه اليوم تجريداً.
فما هو الحجر؟ الحجر صلد. ما هو الصّلد؟ الصلد تكتّل. أي جرم عصيّ، يشكّل تحدّياً سافراً بطبيعته ككيان له حضور في وجودٍ طبيعي، ليحتفظ بهذه الهوية حتّى لو تفتّت، ليستعير هشاشةً في بودره أو مسحوق هشاشة ليست من طبيعته في المنشأ، ولكنها سجيّة مستعارة من صدمة استحدثت في طينته تحوّلاً حاسماً أفضى إلى تزوير الهوية، بحيث تنكّرت لمعدنها في الأرومة، كصلد يرمي بقفّاز التحدّي، ويراهن على التصدّي، أو فلنقل، التعدّي، وإلّا لما كان صلداً، استثناءً، قاهراً، عدوانياً، معادياً، قياساً في ملحمة سلطة، حتّى في حال تنازل عن كبريائه، عن سلطانه، وقبل بدور الهشاشة في بودره (باودر)، ليحتلّ منزلة نقيضه الصلد، أو الكتلة (بودره)، ولكنه لا يستسلم، لأنه بالهشاشة، سيستمر في أن يحاجج بالطينة، وفاءً للمنبت السلالي؛ فهو حتّى في نكبته كمسحوق، بماهيّته كغبار، يحتفظ بنزعته في الإنتماء إلى جناب الحجر، جناب الكتلة، في بودره البدْئيّة، لا في الطينة وحسب، ولكن في الإسم أيضاً.
التكتّل الدالّ على الحجر، وعلى صرّة القطع النقديّة، صادم، لأنه يحرّض على تأمّل جسمٍ مهيمن على الواقع في صورة صلد له خصائص حميميّة في علاقتها بكل ما متّ بصلة لعالم الحسّ. فالكتلة، سواء أكانت صلداً من صخر، أو جرماً من معدن، كما الحال مع البدرة النقدية، محسوسة لمساً، ومسموعة صوتاً، ومشمومة أنفاساً، ومرئية بصراً، وليس لنا إلّا أن نعترف بها في محفل واقعنا سلطةً، بل سلطاناً: بعبع عبوس، مبهم، عارٍ من الشعر يتحدّى ببرهان ملفّق من حبكة حسّ، ليصنع من هيكلها المنيع ما يوحي بوجود لقية معنويّة، مشتقّة من وظيفتها الطبيعية، كحجر، أو كمعدن، هي غنيمة بالمنطق العملي، في واقع حرفيّ، دنيوي، نفعي، يستطيع أن يتأهّل، ليغدو قيمة أرقى منزلةً من الوظيفة المترجمة في حرف التعامل التجاري؛ لأن المعنى الهمجي الأعمى، المعبَّر عنه بالجرم الصخري الجبلي، هو ما تهفو إليه الكتلة الجبلية في هجمتها، وهمجيّتها، وعدوانيّة زلزلتها، وثقتها بسلطان سلطتها، سواء في الوزن، سواء في هيمنتها، باستقطاع مساحة بفضل قوّتها، فتفرض سطوتها، غير معنيّة بالواقع الجغرافي الذي يحتويها، فتسحق كل قوّة تعترض مسيرتها!
والبذرة، بالذال المنقوطة، أيضاً لُقية مستعارة من ذات المستودع التجريبي، القاضي باصطفاء الصلابة في تأهيل حبّة البذار لتتحوّل نواةً لاستنبات النّبوت، لتغدو الصلابة هنا هي المرجع في حرف الكتلة.
من هنا حقّ للعربية أن تطلق على القمر، عندما يكتمل، إسم «بدر»، كاستعارة من «بُودره»، لأن ما هو هذا الكوكب السابح في الفضاء، إن لم يكن صخرةً ضائعة، تستعير أشعّة الشمس الغاربة، لتنسج من خيوطها أَلَقَاً تستنير به في مسيرتها؟
كم هو حكيمٌ إنسان البدايات في رصد نبض الطبيعة، كي يستنطق في نشاطها الظاهرة، ليستنبط منها المفهوم المعنوي؟!
















