تعديلات المناهج الدراسية التي قرّرتها حكومة جورجيا ميلوني في إيطاليا، بحجة الإصلاح التربوي وتحديث التعليم، تعدّ أخطر محاولة يشهدها بلد أوروبي لإعادة هندسة الوعي الجماعي للأجيال الناشئة. فحذف أسماء مركزية في تاريخ الفلسفة الحديثة، كماركس وسبينوزا وغرامشي، بالتوازي مع إعادة الاعتبار لرموز الفكر القومي والمحافظ، لا يبدو مجرد خيار أكاديمي أو تربوي، بل يعكس صراعاً أعمق حول هوية إيطاليا الثقافية والسياسية.
في بلد ما زالت ذاكرته مثقلة بإرث الفاشية والانقسامات الإيديولوجية التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، تتحول المدرسة من جديد إلى ساحة مواجهة بين مشروعين متنافسين: أحدهما يدافع عن التعددية الفكرية والإرث النقدي لعصر التنوير، والآخر يسعى إلى بناء سردية وطنية جديدة تعيد تعريف الماضي بهدف التأثير في تشكيل ملامح المستقبل.
المعركة الثقافية الدائرة اليوم في إيطاليا حول المناهج التعليمية ليست مجرد خلاف تقني بين خبراء التربية ووزارة التعليم. المسألة أعمق من ذلك بكثير: معركة على الذاكرة، وعلى صورة الإنسان التي تريد الدولة إنتاجها، وعلى مواصفات المواطن الذي ترغب السلطة في رؤيته بعد عشرين أو ثلاثين عاماً.
في الظاهر، يتعلق الأمر بتعديلات على برامج الفلسفة والتاريخ والأدب في المدارس الثانوية. أما في الجوهر، فالسؤال المطروح: من يملك حق رواية التاريخ؟ ومن يقرر أي الأفكار تستحق أن تنتقل إلى الأجيال الجديدة؟ وأيها يجب أن تُدفع إلى الهامش؟
لذا، لم يكن مستغرباً أن تثير “الخطوط التوجيهية الوطنية” الجديدة التي اعتمدها وزير التعليم الإيطالي جوزيبي فالديتارا عاصفة من الاعتراضات. فحين يختفي كارل ماركس من المناهج، لا يختفي مجرد فيلسوف أو عالم اقتصاد سياسي. وحين يُستبعد باروخ سبينوزا، ويُقصى أنطونيو غرامشي، فإن ما يجري يتجاوز إعادة ترتيب فصول كتاب مدرسي إلى إعادة رسم خريطة كاملة للفكر الحديث.
المفارقة أن ماركس وسبينوزا وغرامشي لا ينتمون إلى مدرسة فكرية واحدة. بينهم اختلافات جوهرية، لكن ما يجمعهم أنهم جميعاً يمثلون تقليداً نقدياً علّم أجيالاً كاملة كيف تشكك في السلطة، وكيف تنظر إلى المجتمع بوصفه بنية تاريخية قابلة للفهم والتغيير، لا قدراً أبدياً يجب التسليم به.
ولعل هذا بالتحديد هو جوهر المشكلة.
فكل سلطة تسعى إلى بناء سرديتها الخاصة للتاريخ تحتاج أولاً إلى ضبط الأدوات التي تُنتج الوعي. والمدرسة كانت دائماً واحدة من أهم هذه الأدوات. لهذا لم يكن التعليم يوماً شأناً محايداً. فمن خلال المناهج تُصاغ الذاكرة الجماعية، وتُبنى الهوية الوطنية، وتُحدد الأسئلة التي يُسمح بطرحها وتلك التي ينبغي نسيانها.
ما يحدث في إيطاليا اليوم يعكس توجهاً أوسع تعيشه أوروبا والغرب عموماً، حيث تتقدم قوى اليمين المحافظ والقومي، وتحمل معها مشروعاً ثقافياً موازياً لمشروعها السياسي. هذه القوى لا تكتفي بالفوز في الانتخابات، بل تسعى أيضاً إلى إعادة كتابة الرواية الوطنية، وإعادة تعريف العلاقة مع الماضي.
من هنا يمكن فهم العودة اللافتة إلى شخصيات مثل جيوفاني جينتيلي، الفيلسوف الذي ارتبط اسمه تاريخياً بالنظام الفاشي وبصياغة عقيدته الفكرية. صحيح أن الرجل يحتل مكانة مهمة في تاريخ الفلسفة الإيطالية، لكن استعادته في اللحظة نفسها التي يجري فيها إبعاد غرامشي وماركس لا تبدو محض مصادفة.
الأمر نفسه ينطبق على التعديلات المقترحة في تدريس التاريخ. فاختزال الثورة الروسية في توصيف “انقلاب نوفمبر”، أو تقديم صعود موسوليني بوصفه نتاج براعة سياسية وتحالفات برلمانية أكثر منه نتيجة عنف منظم مارسته الميليشيات الفاشية، لا يعكس مجرد اختلاف في التأويل الأكاديمي، بل يكشف عن رغبة في إعادة ترتيب الأولويات الأخلاقية داخل السردية التاريخية نفسها.
ثم إن أخطر ما في هذه المراجعات ليس ما تقوله، بل ما تتجاهله.
فالتاريخ لا يُزوَّر فقط بإضافة الأكاذيب، بل أيضاً بحذف الوقائع المزعجة. ويمكن لمنهج دراسي أن يكون مضللاً من دون أن يحتوي على خطأ واحد، إذا اختار بعناية ما يرويه وما يصمت عنه.
وإذا كان من حق أي حكومة أن تمتلك رؤيتها السياسية، فإن المدرسة ليست المكان المناسب لتحويل هذه الرؤية إلى عقيدة رسمية. وظيفة التعليم ليست إنتاج مواطنين متشابهين، بل تكوين عقول قادرة على المقارنة والنقد والمساءلة. والطالب الذي لا يقرأ ماركس لن يفهم جانباً أساسياً من تاريخ الرأسمالية الحديثة، تماماً كما أن الطالب الذي لا يقرأ سبينوزا سيخسر أحد أهم المفاتيح لفهم العقلانية الأوروبية، والذي لا يقرأ غرامشي سيفوته فهم جزء كبير من النقاش المعاصر حول الثقافة والسلطة والإعلام.
المثير للقلق أيضاً أن التعديلات الجديدة لا تستهدف أسماء بعينها فقط، بل تضرب فكرة التسلسل التاريخي للأفكار. فالفلسفة ليست قائمة من الاقتباسات المتجاورة، بل هي تراكم طويل عبر القرون. حذف حلقة واحدة من هذا التراكم يربك فهم الحلقات الأخرى. ولذا، فإن اختزال كانط، أو تهميش هوبز ولوك وروسو، أو تجاهل فيشته وشيلينغ، لا يؤدي إلى تبسيط المعرفة بقدر ما يؤدي إلى تفكيكها.
ربما تنجح الحكومات في تغيير الكتب المدرسية. وربما تستطيع التأثير في طريقة تدريس التاريخ والفلسفة لسنوات. لكنها لا تستطيع إلغاء الأسئلة التي أنتجها هؤلاء المفكرون. فالأفكار الكبرى لا تعيش داخل المناهج فقط، بل في الواقع الذي ولّدها.
لذا، تبدو المعركة الإيطالية الحالية أكثر من مجرد خلاف تربوي. إنها اختبار لعلاقة الديمقراطية الأوروبية بتراثها الفكري نفسه. المجتمعات الواثقة من نفسها لا تخشى قراءة ماركس، ولا تقلق من تدريس غرامشي، ولا ترى في سبينوزا تهديداً. وحدها المجتمعات التي تشعر بالقلق على سرديتها الخاصة هي التي تدخل في حرب مع الكتب.
وعندما تبدأ السلطة، أي سلطة، في الخوف من المفكرين والفلاسفة، فذلك لا يعني أن المشكلة في الفلسفة، بل في البنية الفكرية لتلك السلطة.
















