تاريخ وخيال علمي

الروائي الجزائري فيصل الأحمر: “النبي الإفريقي” شهادة أدبية على جرح “كولونيالي” لم يندمل بعد!

الجزائر - فتيحة بوروينة
الجزائر - فتيحة بوروينة

في عالمٍ يزداد ضجيجُه كلَّ يوم، يبدو فيه الإنسان أكثر قدرة على الكلام وأقل قدرة على الفهم، يواصل فيصل الأحمر كتابة سردياته بوصفها محاولة لمقاومة الخراب الرمزي الذي يطوّق الإنسان المعاصر. كاتبٌ يتحرك بحرية بين التاريخ والخيال العلمي، بين الفلسفة والسَّرد، ويبدو دائمًا منشغلًا بسؤال الإنسان حين يفقد يقينه بالعالم وبنفسه.

في روايته الجديدة “النبي الإفريقي”، يعود الأحمر إلى سيرة الفيلسوف والمترجم الجزائري محند تازروت، لا ليكتب سيرة تقليدية، بل ليحوّلها إلى مرآة كبرى لأسئلة الاستعمار والمنفى واللغة والاقتلاع. فالرواية، التي تمزج الحقيقة بالخيال، تبدو كأنها شهادة أدبية على جرح كولونيالي لم يندمل بعد، وعلى إنسانٍ ظلّ عالقًا بين وطنٍ غادره قسرًا، وعالمٍ لم يمنحه اعترافًا كاملًا مهما حاول الاندماج فيه.

“غلوبال ووتش عربية” التقى الكاتب فيصل الأحمر في حوار خاص تناول تجربته في كتابة الخيال العلمي، ورؤيته للأدب بوصفه مساحة للتفكير في أسئلة الهوية والاستعمار واللغة والذاكرة. كما تطرق الحديث إلى روايته “النبي الإفريقي”، وما أثارته من قراءات نقدية وفكرية، وإلى الإنسان الذي يحمل منفاه داخله حتى وهو يحاول النجاة منه. وفيما يلي نص الحوار:

– اخترت عنوان “النبي الإفريقي” وهو عنوان يستفز الذاكرتين الدينية والثقافية معًا، هل أردت أن تجعل للنبوة هنا وظيفة أخلاقية وشهادة على الخراب أكثر من كونها ذاكرة دينية؟ وهل في إضافة صفة “الإفريقي” نوع من الانتصار للقارة التي تعرّضت طويلًا للاستغلال والتهميش في السياق الكولونيالي؟

– فيصل الأحمر: انطلقت من نقطة مغرقة في الحميمية، وسوف أعطيك سرًا حصريًا: لقد أصدرت رواية خيالية للناشئة منذ سنوات قليلة ظل عنوانها كمخطوط مطول “النبيّ المنتظر” قبل أن أحوّله عند نشره إلى “في البعد المنسي”. وكارل ماركس في رواية صدرت لي منذ سنتين، كانت تسميه زوجته “جيني”: نبيي الصغير؛ لأنه كان ملتزمًا بلحية الأنبياء تلك لا يحلقها أبدًا، كما أنه قد ظل يبشّر بعالم جديد كحال الأنبياء. وهو ما جرّني إلى عنونة الرواية بالعنوان الكتابيّ العريق “العشاء الأخير لكارل ماركس” في نوع من الإحالة على النبوة. والراجح حسب قراءتي وحسب شعوري الداخلي هو أنني مسكون بصورة النبيّ. 

شخص يتجاوز زمنه بفكرة ما. فكرة تهيمن على حواسه ولا وعيه، تصيب الزمن القائم في مقتل مبشرة بالزمن القادم. وهذا التوصيف ينطبق على محند تازروت، ووصفك لدور الشهادة على أعطاب الوقت الذي ذكرته حاضر وقوي ومركزي في المسألة. أما مسألة “الإفريقي” فهي مركزية في الرواية. وإذا كان لا بد من إدراج الرواية في مدرج رئيسي وهي الواقفة عند مفترق الطرق بين عدة مشارب واتجاهات شكلية وفكرية، فلا بد أن يكون مدرج السرد ما بعد الكولونيالي أو ما سماه أهل هذه الدراسات ببراعة كبيرة “الرد بالكتابة”. 

لماذا اخترت شخصية محند تازروت تحديدًا؟ هل لأن مأساته تختصر تحديدًا مسيرة المثقف الذي حاول العبور إلى العالم عبر لغة المستعمر؟ ثم هل يمكن قراءة صورة تازروت عبر صورة المهاجر الإفريقي المعاصر الذي يكشف أن الغرب لا يمنحه الاعتراف الكامل مهما حاول الاندماج؟ 

– مُحَنْد تازروت ليس مجرد صوتٍ فردي بل شاهدٌ صامتٌ على تاريخٍ جريحٍ شكّله الاستعمار وآثاره النفسية المُدمّرة. نستطيع من خلال مسيرته العجيبة من الريف القبائلي الجزائري إلى ألمانيا وسويسرا وخاصة فرنسا، الحديث عن أجيالٍ حُرمت من الثقة بهويتها ولغتها وذاكرتها الثقافية ومن الإمكانية البسيطة للبقاء على أراضيها وأراضي أجدادها (كحال الفلسطينيين وكحال كثير من الأفارقة وسكان أميركا اللاتينية اليوم). يُجسّد هذا الكاتب العبقري المجهول الشرخ بين حقيقتنا وما أجبرنا الخطاب الاستعماري على تصديقه في سرديته عن أنفسنا. تعكس حياته التآكل البطيء لتقدير الذات الناتج عن العنف التاريخي والفقر والحرمان العميقين وكذا التشريد والاغتراب الثقافي. مع ذلك، ولأنه يقف تحديدًا خارج دائرة الشهرة والروايات الرسمية، فهو قادرٌ على سرد واقعنا بصدقٍ وعمق كبيرين. إنه يرى (أو يجعلنا نرى حتى من حيث لا يرى هو) الجروح الخفية الكامنة تحت سطح الحياة العادية. في الوقت نفسه، تكشف حكايته الأليمة وهويته المجهولة عن حقيقة مؤلمة أخرى: استحالة حصول العديد من المهاجرين الأفارقة على التقدير الحقيقي.. حتى وإن امتلكوا مواهب استثنائية أو عبقرية حقيقية.

– يكتب محند تازروت ويفكر بلغة الآخر ولكنه يظل مسكونا بجروح الأصل. هل اللغة الفرنسية في الرواية لغة تحرر أم أنها شكل آخر من أشكال المنفى؟ وهل يمكن للمثقف المستعمَر أن يستغل لغة المستعمِر ضده؟ أم أنه سيكون دائمًا تحت شكل من أشكال الهيمنة؟ 

– ستقف الحقيقة دومًا بين حقيقتين منقوصتين هما تلك التي عبر عنها مالك حداد بتوقفه نهائيًا عن الكتابة رفضًا لاستمرار عمل سُمَّ لغة المستعمر في عروق نصوصه، وبين الحقيقة التي عبر عنها فرحات عباس في هذه المسألة قائلًا: سوف أستعمل لغة فولتير والقيم المترسبة عبرها للثورة الفرنسية لكي أوجه ضربة قاضية للفرنسيين (وقد نجح في ذلك كثيرًا)، وهي الفكرة التي صاغها “كاتب ياسين” صياغة جيدة واصفًا لغة المستعمر بغنيمة الحرب؛ وأن استعمالها من قبل أبناء المستعمرات يعد نوعًا من استغلال غنائم فاز بها هؤلاء نتيجة للحرب.

وقد حوّل العديد من كُتّاب ما بعد الاستعمار العظماء، الفرنسية والإنجليزية والإسبانية إلى فضاءاتٍ للتمرد وإعادة ابتكار الذات، لكن هناك جانبًا مظلمًا يظل حاضرًا أثناء ذلك كله؛ فاللغة ليست محايدة أبدًا، بل تحمل في طياتها رؤيةً للعالم، وتسلسلاتٍ هرمية ثقافية، وبنى خفية للسلطة وللتحيزات الوجدانية. وبالنسبة لأبناء المُستعمَرات قد تُؤدي الكتابة بتلك اللغة إلى اغترابهم عن أصولهم وذاكرتهم وخيالهم الشعبي. ويُخاطر الكاتب بالسعي إلى اكتساب الشرعية من النظام الثقافي نفسه الذي أنكر إنسانيته. وبهذا المعنى، قد تُصبح لغة المُستعمِر فخًا خفيًا: إذ يتحدث المرء بحرية، لكن ضمن حدودٍ ورثها من الهيمنة.

– تتناول الرواية شخصية حقيقية ولكنها “مزدحمة بالخيال” كما تقول أنت نفسك، والسؤال: لماذا نحتاج إلى التخييل ونحن نكتب عن شخصية حقيقية؟ أم أن الحقيقة وحدها عاجزة عن قول الألم الإنساني؟

 – لمسألة عندي ليست مسألة عجز أو سواه، في كل حكاية – مهما تقلصت المسافة داخلها بين الخيال والواقع – بعد هام هو البعد الواقعي، وهو البعد الذي يعطي جدارة للحكاية التي تحكيها الرواية بأن تثير اهتمامنا؛ وهذا البعد الواقعي لا تستطيع الواقعية أن تستوعبه، لهذا نحتاج إلى الخيال. الخيال هو تعزيز للواقع، ودعامة معنوية لكسوره حتى تجبرها.

أما معطيات الخيال التي هي ليست وقائع ثابتة في سيرة محند تازروت فهي معطيات واقعية جزائرية، معطيات عاشها غيره ممن يقاسمونه الحلم والأمل والألم والخيبة، لهذا فسيرته تتسع لوقائعهم بأريحية تامة. الخيال هو منظار فصيح وكاشف أمين للواقع وليس نقضًا له.

– فيصل الأحمر من أهم من اشتغلوا جزائريًا وعربيًا على الخيال العلمي، السؤال: لماذا يبدو الخيال العلمي أقلّ حضورًا على مستوى المدونة السردية العربية مقارنة بالرواية الواقعية أو التاريخية مثلًا؟ وهل ترى أن الخيال العربي قد أخفق لأنه ظل يحاكي النموذج الغربي بدلاً من الانطلاق من أسئلتنا ومن نموذجنا الخاص؟ 

– في ما يتعلق بعلاقة العرب مع الخيال العلمي فلي رأي خاص جدًا، أثبته في كتابي “عن الخيال العلمي أتحدث”( 2023).  أنا أرفض تمامًا القناعة التي ترى أن العرب على صلة عسيرة مع الخيال العلمي. يخشونه أو يتجنبونه لأنهم بلا ثقافة علمية أو لأن واقعهم فارغ من العلم والتكنولوجيا. أعتقد أن هناك كمًّا لا يستهان به من الأعمال التي يمكننا أن نستشف منها ملمحًا معينًا. أقول هذا الكلام على بينة لأنها الفكرة التي لا مهرب منها بالنسبة لمن يقرأ بتمعن كتابي الجماعي في هذا الميدان (خرائط العوالم الممكنة – دار فضاءات بالأردن 2018) ثم كتابي المكمل له (أحفاد المعري – دار وهج 2024)، وفيهما  نصوص ودراسات وشهادات لحوالي ثلاثين كاتبًا من مختلف البلدان العربية، وإحدى الأفكار التي تنبعث بقوة من الكتاب هي الطريقة الجميلة في دخول الكتّاب العرب إلى ميدان الخيال العلمي الغربي (أو العالمي) دخولًا مشبعًا بالولع والحماس والتبني الحماسي للأشكال والأفكار، ثم انتقاؤهم لمجموعة من التيمات والأشكال الكتابية دون غيرها؛ وفي كل هذا تصرف حميد يدل على عبقرية معينة لا على عقدة طورها من يشعرون بالنقص إزاء أمر دخيل عليهم لا يرتاحون إليه. 

من هنا تأتي إجابة الجزء الثاني من السؤال. في الواقع العكس هو ما حدث – وحسنًا فعل – لأن الغالب لدى كتابنا هو استثمار كتاب الخيال العلمي للفضاء العربي والميثولوجيا المحلية، وقد سمّى أحمد السعداوي كائنه الفراكنشتايني “الشسمو” بتعبير عراقي عريق في روايته (فرانكنشتاين في بغداد)، وصوّر عز الدين ميهوبي مدينة تامنراست المستقبلية تام سيتي في روايته “مذكرات إسكرام”، واستحضر التونسي الهادي ثابت زمن هانيبال وقرطاج القديمة لكي يقدم رواية خيالية علمية بنكهة تونسية، كما استغل نبيل دادوة الثورة الجزائرية ورواسبها الأليمة إطارًا لروايته “الكلمات الجميلة”، وعاد إلى التاريخ الإسلامي كل من المغربي خالد اليعبودي (العودة إلى غرناطة عبر ساجيتوريوس)، والجزائري الحبيب مونسي الذي اختار حكاية الدجال وقصة سيدنا موسى لرسم ديستوبيا غريبة في روايته (جلالته الأب الأعظم)… إلخ