في الربع الأول من عام 2026، كشفت مؤشرات متعددة عن تحولات ملموسة في خريطة الحقوق المدنية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، خصوصاً في ما يتعلق بقضايا المرأة. فبينما تتقدم بعض الدول بخطابات وبرامج تمكين على المستويين الاقتصادي والمؤسسي، تظهر في المقابل اتجاهات تشريعية تعيد صياغة بعض الأطر القانونية المنظمة للأحوال الشخصية.
لا تقتصر هذه التحولات على التحديات المرتبطة بالعنف القائم على النوع الاجتماعي في مناطق النزاع، بل تمتد إلى مستوى أكثر تعقيداً يتعلق بطبيعة القوانين وآليات تطبيقها، وهو ما يطرح تساؤلات حول توازن العلاقة بين الإطار المدني والمرجعيات الاجتماعية والدينية.
يبرز العراق كحالة اختبار واضحة لهذه الديناميات، حيث تتقاطع اعتبارات سياسية واجتماعية مع هشاشة مؤسسية تؤثر على مسار التشريعات المدنية. ويظهر ذلك في الجدل الدائر حول تعديل قوانين الأحوال الشخصية، وما يعكسه من تداخل بين الفاعلين السياسيين والدينيين في صياغة هذه القوانين. كما يتزامن مع ضغوط متزايدة على منظمات المجتمع المدني، بما فيها المنظمات النسوية، ما يحدّ من قدرتها على التأثير في النقاش العام أو مرافقة مسارات الإصلاح القانوني.
تفكيك الإطار المدني للأحوال الشخصية
يُعد قانون الأحوال الشخصية العراقي رقم 188 لسنة 1959 أحد أبرز النماذج المدنية في المنطقة، إذ قام على توحيد أحكام الأسرة ضمن إطار قانوني واحد يتجاوز الانقسامات الطائفية. إلا أن التعديلات الأخيرة التي دفعتها كتل سياسية ذات مرجعيات دينية تعكس اتجاهاً مختلفاً، يقوم على إعادة توزيع الصلاحيات داخل هذا الإطار القانوني.
تشريعياً، يمنح التعديل الجديد أطراف العلاقة الزوجية حق اختيار المرجعية المذهبية التي يُعقد بموجبها الزواج، وهو ما يؤدي عملياً إلى نقل جزء من صلاحيات البت في قضايا الأسرة من القضاء المدني الموحد إلى مؤسسات دينية. هذا التحول لا يقتصر على البنية الإجرائية، بل يمتد إلى طبيعة الأحكام نفسها، وما يرتبط بها من تفسيرات فقهية متعددة.
على مستوى التداعيات، تثير هذه التعديلات نقاشاً واسعاً في الأوساط القانونية والحقوقية، خصوصاً في ما يتعلق بسن الزواج، وحقوق الحضانة، والإرث. إذ تشير قراءات حقوقية إلى أن بعض الصيغ المقترحة قد تفتح المجال لتطبيق معايير متفاوتة بين المذاهب، بما قد يؤثر على الحد الأدنى لسن الزواج، أو يعيد ترتيب أولويات الحضانة، أو يحدّ من حقوق المرأة في بعض أنواع الملكية، تبعاً للتفسير المعتمد.
هذا المسار التشريعي ترافق مع تطور قضائي لافت. في 4 شباط/فبراير 2025، أصدرت المحكمة الاتحادية العليا قراراً مؤقتاً بوقف تنفيذ التعديلات لحين البت في الطعون الدستورية المقدمة. إلا أن المحكمة ردّت في الحادي عشر من الشهر نفسه هذه الطعون، معتبرة أن الإجراءات التشريعية متوافقة مع المادة 41 من الدستور. أعقب ذلك مصادقة رئاسة الجمهورية على القانون في 13 شباط/فبراير، ودخوله حيز التنفيذ.
تشريح المسار: محركات سياسية وسياق تفاوضي
لا يمكن قراءة تمرير التعديلات الأخيرة على قانون الأحوال الشخصية بمعزل عن السياق السياسي الذي أحاط بها. إذ تشير معطيات المرحلة إلى أن هذا المسار لم يكن نتيجة نقاش تشريعي معزول، بقدر ما جاء ضمن ترتيبات أوسع بين كتل برلمانية ذات خلفيات متعددة، سعت إلى تمرير مجموعة من القوانين في إطار واحد.
في هذا السياق، ارتبط تعديل قانون الأحوال الشخصية بملفات تشريعية أخرى ذات أولوية لكتل مختلفة، من بينها قانون العفو العام وقضايا تتعلق بالعقارات. وقد جرى التعامل مع هذه الملفات ضمن حزمة واحدة، ما يعكس طبيعة التوازنات السياسية داخل البرلمان، حيث تُدار بعض التشريعات من خلال مقاربات توافقية تربط بين مصالح متعددة في وقت واحد.
على المستوى السياسي، يعكس هذا النمط من التمرير آلية متكررة في البيئات التعددية الهشة، حيث تُستخدم القوانين كأدوات لإعادة توزيع النفوذ بين الفاعلين، أكثر من كونها استجابة مباشرة لحاجات تنظيمية محددة. هذا لا يعني غياب البعد المجتمعي، لكنه يشير إلى أن وزنه قد يكون محدوداً مقارنة باعتبارات التوازن السياسي.
أما على مستوى الخطاب، فقد برزت مقاربات مختلفة في تبرير التعديلات. إذ استندت بعض الأطراف إلى مفاهيم مثل “الخصوصية الثقافية والدينية” لتأكيد مشروعية التغيير، في حين ركزت أخرى على البعد المدني للقانون وضرورة الحفاظ على طابعه الموحد. هذا التباين في السرديات يعكس طبيعة الجدل الدائر، ويكشف عن صعوبة الفصل بين القانوني والسياسي في مثل هذه الملفات.
ديناميات الضغط على المجتمع المدني
في موازاة المسار التشريعي، تواجه المبادرات المدنية والنسوية التي عارضت التعديلات، ومنها “تحالف 188″، بيئة أكثر تقييداً من حيث العمل والتعبير. هذا الضغط لا يتخذ شكلاً واحداً، بل يتوزع بين أدوات قانونية وأخرى مجتمعية.
على المستوى القانوني، تشير متابعات حقوقية إلى استخدام نصوص عامة في قوانين العقوبات وتشريعات الجرائم الإلكترونية لملاحقة بعض الناشطات والمحاميات، ضمن قضايا تتعلق بمفاهيم مثل “السلم العام” أو “الإساءة الدينية”. هذه الصياغات الواسعة تفتح مجالاً لتفسيرات متعددة، وهو ما يثير نقاشاً حول حدود استخدامها وتأثيرها على مساحة العمل المدني.
في المقابل، تواجه المدافعات عن حقوق الإنسان أشكالاً من الضغط المجتمعي، تمتد من الحملات الرقمية المنظمة إلى التهديدات الشخصية والتشهير. ورغم صعوبة التحقق من جميع هذه الحالات أو نسبها إلى جهات محددة، إلا أن تكرارها يعكس بيئة غير مستقرة للعمل الحقوقي، ويحدّ من قدرة الفاعلين المدنيين على الاستمرار أو التوسع.
يتقاطع ذلك مع عامل آخر لا يقل تأثيراً، يتمثل في تراجع التمويل الدولي المخصص للمنظمات النسوية، خاصة في مناطق النزاع والهشاشة. وتشير تقديرات صادرة عن هيئات أممية إلى أن نسبة كبيرة من هذه المنظمات تواجه تحديات مالية حادة، ما يضعف قدرتها على الاستمرار أو تقديم الدعم القانوني والاجتماعي.
المآلات: اتجاهات النظام القانوني والاجتماعي
مع دخول التعديلات حيز التنفيذ وإغلاق مسار الطعون الدستورية، يتجه الإطار القانوني في العراق نحو مزيد من التعدد في المرجعيات، خصوصاً في قضايا الأحوال الشخصية. هذا التحول قد يؤدي إلى تباين في آليات الفصل في النزاعات الأسرية بين القضاء المدني والمؤسسات ذات الطابع الديني، وهو ما يطرح تساؤلات حول اتساق الأحكام ومدى تكافؤ الوصول إلى العدالة، خاصة بالنسبة للنساء في البيئات الأقل استقراراً قانونياً.
على المستوى الاجتماعي، تشير تقديرات حقوقية إلى أن أي تغيير في سن الزواج أو في أنماط الحضانة قد ينعكس على مؤشرات مرتبطة بالتعليم والصحة، بما في ذلك احتمالات ارتفاع التسرب المدرسي للفتيات أو التحديات الصحية المرتبطة بالزواج المبكر. كما قد تتأثر آليات التعامل مع قضايا العنف الأسري، تبعاً لاختلاف التفسيرات القانونية المعتمدة.
في السياق الأوسع، قد ينعكس هذا المسار على مستوى مشاركة النساء في الفضاء العام، بما في ذلك الأدوار المرتبطة بصنع القرار أو عمليات الوساطة المجتمعية. وتشير بيانات أممية إلى أن تمثيل النساء في عمليات السلام لا يزال محدوداً على المستوى العالمي، ما يجعل أي تراجع في البيئة القانونية الداعمة لمشاركتهن عاملاً إضافياً قد يؤثر على هذا الحضور.
بين السرديات الرسمية والضغوط الدولية
لا يمكن فصل الحالة العراقية عن اتجاهات أوسع في المنطقة، حيث يتقاطع مسار تمكين المرأة مع اعتبارات سياسية واجتماعية متباينة. ففي عدد من دول الشرق الأوسط، تترافق مبادرات تعزيز مشاركة المرأة في الاقتصاد والإدارة العامة مع استمرار نقاشات حساسة حول قوانين الأسرة والمواريث، وهو ما يعكس توازناً دقيقاً بين متطلبات التحديث والاعتبارات المجتمعية.
على المستوى الدولي، يُلاحظ أن أولويات مثل مكافحة الإرهاب والاستقرار الإقليمي والهجرة تظل في صدارة الأجندة، وهو ما قد يؤثر على حجم الضغط الموجّه نحو ملفات حقوقية أكثر تعقيداً، مثل قضايا الأحوال الشخصية أو حرية العمل المدني. هذا الترتيب للأولويات لا يعني غياب الاهتمام، لكنه يحدّ أحياناً من تأثيره العملي على السياسات الداخلية.
في ضوء ذلك، تكشف التجربة العراقية عن تحدٍ أوسع يتعلق بقدرة المؤسسات القانونية والدستورية على التعامل مع ملفات تتداخل فيها الاعتبارات السياسية والدينية. كما تطرح تساؤلاً مفتوحاً حول مستقبل الحراك المدني والنسوي في المنطقة، ومدى قدرته على التكيّف مع بيئات أكثر تقييداً، سواء من خلال أدوات محلية أو عبر مسارات تعاون عابرة للحدود.















