تدفع روسيا الحرب الأوكرانية نحو مرحلة أكثر خطورة عبر إدخال صواريخ “أوريشنيك” الباليستية متوسطة المدى إلى معادلة الصراع، في خطوة تتجاوز البعد العسكري التقليدي نحو إعادة رسم مفاهيم الردع الاستراتيجي في النظام الدولي. فهذه الصواريخ، تروّج لها موسكو باعتبارها قادرة على تجاوز أنظمة الدفاع الغربية الحديثة، لا تمثل مجرّد تطور تقني في ساحة المعركة، بل تحمل رسائل سياسية وأمنية موجهة إلى الولايات المتحدة الأمريكية وحلف شمال الأطلسي بقدر ما تستهدف أوكرانيا نفسها.
يعكس هذا التصعيد إدراك الكرملين أن الحرب لم تعد نزاعاً حدودياً تقليدياً، بل مواجهة مفتوحة على توازنات القوة الدولية ومستقبل الهيمنة الغربية. لذلك، فإن إدخال منظومات تسليح مرتبطة بعقيدة الردع النووي إلى ساحة الصراع يمثل محاولة روسية لفرض قواعد اشتباك جديدة، قائمة على توسيع هامش الخوف الاستراتيجي لدى الخصوم، وإظهار أن موسكو ما تزال قادرة على امتلاك أدوات تفوّق نوعي على الرغم من العقوبات والاستنزاف العسكري الطويل.
تصعيد يتجاوز الميدان
تكمن خطورة صاروخ “أوريشنيك” في أنه يطمس تدريجاً الحدود الفاصلة بين الأسلحة التقليدية ومنظومات الردع الاستراتيجي. فحتى وإن جرى استخدامه برؤوس تقليدية، فإن طبيعته التقنية وإمكانية تزويده برؤوس نووية تمنحه بُعداً نفسياً بالغ التأثير، إذ يصعب على الخصوم الفصل الكامل بين الرسالة العسكرية والرسالة النووية الضمنية.
وفي القراءة الاستراتيجية الغربية، يندرج هذا النوع من الأسلحة ضمن منطق “السيطرة على التصعيد”، أي رفع مستوى التهديد العسكري إلى حافة شديدة الخطورة بهدف دفع الخصم على التراجع السياسي أو الحد من انخراطه في الحرب. ومن هنا، لا تسعى موسكو فقط إلى تحقيق أثر ميداني، بل إلى خلق بيئة ردع نفسي تجعل الغرب أكثر حذراً في توسيع دعمه العسكري لكييف.
غير أن هذه الاستراتيجية تنطوي على قدر عالٍ من المجازفة. فكل تصعيد يرتبط بأسلحة استراتيجية يرفع احتمالات سوء التقدير أو سوء الفهم بين القوى الكبرى، خصوصاً في ظل التوتر المتزايد بين روسيا والغرب، وتراجع قنوات التواصل الأمني التقليدية التي كانت قائمة خلال مراحل الحرب الباردة. لذلك، فإن استخدام “أوريشنيك” يفتح الباب أمام مرحلة أكثر هشاشة في النظام الأمني العالمي، حيث تصبح الرسائل العسكرية أكثر غموضاً وقابلية للتأويل الخطر.
هندسة الخوف الاستراتيجي
تحاول موسكو عبر استعراض الصواريخ الفرط صوتية إعادة إنتاج معادلة ردع جديدة تقوم على إقناع الغرب بأن أي توسع إضافي في دعم أوكرانيا قد يؤدي إلى انفلات مستويات التصعيد بصورة يصعب التحكم بها. ومن هنا، فإن “أوريشنيك” لا يُستخدم فقط كسلاح، بل كأداة لإدارة الإدراك الاستراتيجي لدى الخصوم، عبر تعظيم الشعور بالخطر وعدم اليقين.
ويُدرك الكرملين أن فعالية الردع لا تعتمد دائماً على الاستخدام الفعلي للقوة، بل على قدرة الدولة على إقناع خصومها بأنها مستعدة للذهاب بعيداً في التصعيد إذا اقتضت الضرورة. لذلك، فإن الرسائل الإعلامية والسياسية التي ترافق الإعلان عن هذه الصواريخ لا تقل أهمية عن استخدامها العسكري نفسه.
لكن هذا النوع من الردع يحمل تناقضاً بنيوياً واضحاً. فكلما زادت موسكو منسوب التهديد الاستراتيجي، ازدادت في المقابل قناعة الغرب بضرورة تطوير منظومات الدفاع الصاروخي وتعزيز الدعم العسكري لأوكرانيا. كما أن الإفراط في استخدام خطاب الردع النووي قد يؤدي إلى تآكل فعاليته تدريجاً، عندما يتحول التهديد المتكرر إلى عنصر اعتيادي في المشهد السياسي، بدلاً من أن يبقى أداة استثنائية لفرض الهيبة الاستراتيجية.
ارتباك الردع الغربي
أثار استخدام “أوريشنيك” قلقاً متزايداً داخل الدوائر الغربية، ليس فقط بسبب القدرات التقنية للصاروخ، بل لأن ظهوره يعكس تحولات أوسع في طبيعة الحرب الحديثة. فالدول الغربية تدرك أن الأسلحة الفرط صوتية تقلّص زمن الاستجابة العسكرية، وتزيد صعوبة اعتراض الصواريخ أو التنبؤ بمساراتها، ما يضع منظومات الدفاع التقليدية أمام تحديات غير مسبوقة.
كما تفرض هذه التطورات على حلف “الناتو” إعادة تقييم استراتيجيات الردع الحالية، خصوصاً في ظل تصاعد سباق التسلح المرتبط بالأسلحة الفرط صوتية لدى روسيا والصين والولايات المتحدة. ولذلك، فإن الحرب الأوكرانية تحولت عملياً إلى مختبر مفتوح لاختبار توازنات القوة الجديدة، وليس مجرّد صراع إقليمي محدود.
وتخشى العواصم الغربية من أن يؤدي التطبيع التدريجي مع استخدام أسلحة ذات طابع استراتيجي داخل نزاعات تقليدية إلى خفض العتبة النفسية المرتبطة بالتصعيد النووي. فكلما أصبحت هذه الأسلحة جزءاً مألوفاً من العمليات العسكرية، تراجعت الحساسية الدولية تجاه مخاطر استخدامها، وهو ما قد يقود مستقبلاً إلى انزلاقات أكثر خطورة في أزمات دولية أخرى.
حافة الانفجار الدولي
تكشف أزمة “أوريشنيك” أن العالم يدخل مرحلة جديدة تتآكل فيها الضوابط التقليدية التي حكمت التوازن النووي لعقود طويلة. فالحرب في أوكرانيا لم تعد مجرّد مواجهة جيوسياسية حول النفوذ والحدود، بل أصبحت اختباراً مباشراً لقدرة القوى الكبرى على إدارة التصعيد من دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
وفي ظل غياب تسويات سياسية قريبة، يبدو أن موسكو ستواصل استخدام أدوات الردع الاستراتيجي لرفع كلفة المواجهة على الغرب، بينما سيستمر “الناتو” في تعزيز دعمه العسكري لكييف لمنع روسيا من فرض وقائع جديدة بالقوة. وهذه المعادلة تجعل العالم أمام بيئة أمنية شديدة السيولة، حيث تتقاطع الحسابات العسكرية مع الحرب النفسية والرسائل النووية غير المباشرة.
لا يكمن الخطر الحقيقي فقط في استخدام صاروخ فرط صوتي متطور، إنما في اعتياد القوى الكبرى على إدارة الصراعات عبر الاقتراب المستمر من حافة الانفجار الاستراتيجي. ومع كل جولة تصعيد جديدة، تتراجع المسافة الفاصلة بين الردع المحسوب والمغامرة غير القابلة للسيطرة، ما يجعل الأمن الدولي أكثر هشاشة من أي وقت مضى.










