بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

تقرير سياسي

واشنطن تعيد رسم خريطة استهداف الشرايين المالية العابرة للحدود لـ”حماس” و”الإخوان المسلمين”

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

تكشف الولايات المتحدة في كل جولة جديدة من العقوبات أن المواجهة مع “حماس” لم تعد تقتصر على استهداف القيادات الميدانية أو البنية العسكرية، بل انتقلت بصورة متسارعة إلى تفكيك المنظومة المالية العابرة للحدود التي تؤمّن للحركة مواردها واستمراريتها. ويعكس إعلان وزارة الخزانة الأمريكية، عبر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) فرض عقوبات جديدة على قيادي بارز في جماعة “الإخوان المسلمين” وثلاثة أفراد وثلاثة كيانات، تحولاً في منهجية واشنطن من ملاحقة الأموال إلى تفكيك البنية التنظيمية التي تدير حركتها بين القارات.

لا تبدو هذه الحزمة مجرّد إضافة أسماء جديدة إلى قائمة العقوبات، بل تمثل حلقة جديدة في استراتيجية أمريكية متصاعدة تستهدف تجفيف الشرايين المالية التي تربط بين جماعة “الإخوان المسلمين”، والواجهات الخيرية، وشركات الصرافة غير الرسمية، وصولاً إلى الجناح العسكري لحركة “حماس”. كما تؤكد أن واشنطن باتت تنظر إلى التمويل باعتباره شبكة متكاملة تتداخل فيها الأدوار التنظيمية والتجارية والخيرية، وليس مجرّد عمليات تحويل مالية منفصلة.

استهداف القيادات التنظيمية

أبرز ما حملته العقوبات هو إدراج محمود الأبياري، القيادي المصري المقيم في المملكة المتحدة، والذي يشغل منصب الأمين العام للأمانة العامة لجماعة “الإخوان المسلمين” على قائمة العقوبات.

وبحسب وزارة الخزانة الأمريكية، لعب الأبياري دورًا في دعم جمع التبرعات لصالح مؤسستين سبق إدراجهما على قوائم العقوبات الأمريكية لارتباطهما بحركة “حماس”، وهما “فلسطين وقفي” و”حياة يولو”. كما أشارت الوزارة إلى أنه تعاون مع تنظيمات تابعة لجماعة “الإخوان المسلمين” لتقديم دعم مالي للحركة.

ويكتسب هذا الإدراج أهمية خاصة لأنه يعكس انتقال العقوبات الأمريكية من استهداف الجهات التنفيذية والمالية إلى استهداف المستوى القيادي داخل البنية التنظيمية لـ”الإخوان المسلمين”، في امتداد للنهج الذي بدأ مع قرارات يناير/كانون الثاني 2026، عندما صنفت واشنطن عدداً من الكيانات المرتبطة بالجماعة ضمن لوائح الإرهاب العالمية.

تكامل العقوبات الأمريكية

لم تأت هذه الإجراءات بمعزل عن السياق العام، بل تشكل الحزمة الثالثة التي تستهدف الشبكة المالية العالمية لـ”حماس” خلال العام 2026، بعد العقوبات الصادرة في 21 يناير/كانون الأول، و12 مارس/آذار. ويشير هذا التتابع إلى أن وزارة الخزانة الأمريكية تعمل وفق خطة تراكمية تعتمد على كشف حلقات الشبكة تدريجاً، بحيث تقود كل دفعة من العقوبات إلى اكتشاف عقد مالية وتنظيمية جديدة.

كما يعكس الإعلان مستوى غير مسبوق من التنسيق بين مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، ومكتب التحقيقات الفيدرالي، وإدارة مكافحة المخدرات وإدارة الجمارك وحماية الحدود، وهو ما يوحي بأن التحقيقات لم تعد تقتصر على الجانب المالي، وإنما تشمل شبكات التهريب، والتحويلات غير النظامية، والأنشطة العابرة للحدود.

واجهات العمل الخيري

العقوبات الجديدة لم تقتصر على الأشخاص، بل طالت مؤسستين خيريتين قالت واشنطن إنهما استخدمتا العمل الإنساني غطاءً لتمويل الأنشطة العسكرية. أولى هاتين المؤسستين هي “توجاه بولة غلوبال”، العاملة أيضاً باسم “سفن سبايكس غلوبال” في إندونيسيا، والتي تؤكد وزارة الخزانة أنها أُنشئت من قبل “حماس” بهدف جمع التبرعات وتوفير موارد مالية للجناح العسكري.

أما الثانية فهي جمعية “مدد فلسطين الخيرية” في قطاع غزة، والتي تتهمها واشنطن بأنها استُخدمت واجهة لجمع الأموال تحت عنوان الإغاثة الإنسانية، بينما جرى، وفق البيان الأمريكي، تحويل جزء من تلك التبرعات إلى أنشطة عسكرية مع علم القائمين عليها.

ويعكس هذا النمط استمرار تركيز الولايات المتحدة على ما تعتبره استغلالاً للقطاع الخيري في بناء منظومات تمويل موازية يصعب تتبعها عبر النظام المصرفي التقليدي.

شبكات الصرافة السرية

في المقابل، كشفت العقوبات عن أهمية شبكات الصرافة غير الرسمية باعتبارها الحلقة التي تربط بين الأموال المجمعة خارج المنطقة والمستفيدين داخلها.

في هذا السياق، أدرجت وزارة الخزانة شركة “القاهرة للتجارة العامة” ومقرها تركيا، متهمة إياها بتحويل مئات آلاف الدولارات لصالح “حماس”، إضافة إلى تقديم خدمات مصرفية غير رسمية باستخدام العملات التقليدية والعملات المشفرة.

كما شملت العقوبات مالك الشركة خلدون خميس زكريا الدين، إلى جانب زيد عصام أحمد الجبوري وعبدالله عصام أحمد الجبوري، اللذين اتُهما بالمشاركة في تقديم خدمات مالية غير رسمية لشبكات إجرامية منظمة، من بينها “شبكة فوكس تروت” السويدية، فضلاً عن شبكة إجرامية أخرى منفصلة.

ويشير هذا الجانب من القرار إلى أن واشنطن أصبحت تتعامل مع شبكات غسل الأموال وتمويل الإرهاب والجريمة المنظمة باعتبارها منظومة متداخلة تستخدم الأدوات ذاتها والقنوات المالية نفسها.

هندسة التمويل المتداخل

وصفت وزارة الخزانة الأمريكية هذا النموذج بأنه “نمط تمويلي متعدد الطبقات”، وهو توصيف يعكس البنية المعقدة التي تعتمدها الشبكات المالية المرتبطة بـ”حماس”.

تبدأ الدورة المالية، وفق الرؤية الأمريكية، من جمع التبرعات عبر مؤسسات خيرية في دول مثل إندونيسيا، ثم تمر عبر شركات صرافة غير رسمية في تركيا، قبل أن تصل إلى جمعيات محلية داخل غزة، حيث يجري – بحسب الاتهامات الأمريكية – توجيه جزء منها لدعم الجناح العسكري للحركة.

هذا النموذج يمنح الشبكة قدرة على إخفاء مصدر الأموال، وتوزيع المخاطر بين ولايات قضائية عدة، والاستفادة من اختلاف الأنظمة الرقابية والقانونية، بما يجعل تعقب التدفقات المالية أكثر تعقيداً.

رسائل العقوبات الجديدة

تحمل هذه العقوبات دلالات تتجاوز قيمتها المالية المباشرة، إذ تؤكد أن واشنطن باتت تعتمد مقاربة تستهدف البنية الكاملة للتمويل وليس مجرّد تجميد الأصول.

فالرسالة الأولى تتمثل في تعزيز الربط التنظيمي بين جماعة “الإخوان المسلمين” و”حماس”، من خلال استهداف شخصية قيادية في الجماعة بدعوى المشاركة في دعم الشبكات المالية للحركة. أما الرسالة الثانية فتتعلق بتفعيل العقوبات الثانوية، إذ تواجه أي مؤسسة مالية أجنبية تُجري أو تسهّل عن علم معاملات جوهرية لصالح الأشخاص أو الكيانات المدرجة خطر فقدان إمكانية الوصول إلى النظام المالي الأمريكي، وهو ما يدفع البنوك والمؤسسات المالية حول العالم إلى تشديد إجراءات الامتثال.

في حين تكشف الرسالة الثالثة عن اتساع الرقعة الجغرافية للملاحقة الأمريكية، بعدما انتقلت من التركيز التقليدي على الشرق الأوسط إلى استهداف مسارات مالية في جنوب شرق آسيا وتركيا وأوروبا، في مؤشر إلى أن واشنطن باتت تنظر إلى تمويل “حماس” باعتباره شبكة عالمية متعددة المراكز.

ويختصر تصريح وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت هذه المقاربة بقوله “سواء عملوا تحت غطاء الجمعيات الخيرية أو الشركات أو الشبكات المصرفية السرية، فإن كل من يساعد حماس سيُفضح ويُعاقَب ويُحاسَب”.

ومع كونها حزمة العقوبات الثالثة خلال العام 2026، تبدو هذه الإجراءات جزءاً من استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى تضييق المساحات التي تتحرك فيها الشبكات المالية العابرة للحدود، ورفع كلفة الالتفاف على العقوبات الدولية، بما يجعل الحرب على التمويل أحد أبرز ميادين المواجهة في المرحلة المقبلة.