لم يكن الهجوم الذي استهدف مطار نيامي الدولي مجرد خرق أمني عابر في قلب عاصمة النيجر، بل اختباراً قاسياً لهيبة الدولة. فحين ينجح مسلحون بالاقتراب من منشأة سيادية حساسة، تُعد شرياناً مدنياً وعسكرياً معاً، تتجاوز الرسالة عدد الضحايا أو حجم الأضرار، إلى التركيز على أن البلاد نفسها عرضة للإرباك في أي وقت. وبأن التحالفات التي وُعِد بها الشارع، بوصفها ضمانةً للأمن، لم تُنتج بعدُ عمقاً سيادياً يحمي الحدود والطرق والممرات.
في التاسع والعشرين من يناير/كانون الثاني 2026، دوّت انفجارات وإطلاق نار كثيف في محيط مطار ديوري هاماني ليلاً، على مسافة غير بعيدة من القصر الرئاسي. وتبنّى تنظيم الدولة الإسلامية العملية، فيما أعلنت السلطات مقتل عشرات المهاجمين وإصابة جنود. لكن دلالة الهدف، مطار العاصمة، هي ما أعاد ترتيب الأسئلة: هل دخل “داعش” طوراً جديداً في النيجر؟ وهل بات قادراً، إذا تراكمت قدراته، على نقل نموذج “الحصار الاقتصادي” الذي طبّقته القاعدة في مالي إلى نيامي؟
صدمة المطار.. وبصمة التطور
اختيار الهدف لم يكن صدفة. فالمطارات رموز سيادية ونقاط ارتكاز لوجستية، وضربها، ولو جزئياً، يُشكل صدمة معنوية ويشكك في كفاءة المنظومة الأمنية. تقارير مصوّرة أظهرت مسلحين يتحركون في محيط المدرج، وهو ما دفع الولايات المتحدة إلى إجلاء غير الأساسيين من بعثتها بعد العملية، في إشارة إلى أن أثر الهجوم تجاوز الداخل النيجري إلى حسابات الشركاء.
تكتيكياً، يوحي الهجوم بانتقال التنظيم من استنزاف الأطراف إلى اختبار المركز، ضربات عالية القيمة، سريعة، تُحرج السلطة وتستدعي ردود فعل سياسية واقتصادية تفوق كلفتها العسكرية المباشرة.
من الصدمة إلى الحصار: درس مالي
التحذير الأكبر يكمن في المسار لا الواقعة. ففي مالي، نجحت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين العام الماضي في تطوير حرب اقتصادية، تمثلت باستهداف طرق وقوافل الوقود، تعطيل الشرايين التي تغذي باماكو، وخلق اختناقات ضغطت على الحكم العسكري. هذا النموذج لا يحتاج سيطرة كاملة؛ يكفي تراكم الضربات على الطرق واللوجستيات.
وإذا استطاع “داعش” توسيع مناطق الإسناد غرب النيجر (تيلابيري ومحيطها)، وبناء شبكات تمويل محلية (إتاوات/تهريب)، فإن انتقاله إلى اقتصاد الحصار يصبح احتمالاً حقيقياً، حتى من دون “سيطرة إقليمية” كلاسيكية.
ساحل بلا عمق.. وتحالفات لا تكفي
لقد عرّى الهجوم هشاشة البنية الإقليمية للنيجر بعد سنوات الانقلابات والعزلة. فالتنسيق السياسي، مهما تغيّرت تسمياته، لا يُنتج تلقائياً قدرة حدودية. وتشير البيانات الميدانية إلى أن الفراغات التي خلّفها تفكك الشراكات القديمة لم تُملأ بعد، بل استُثمرت من التنظيمات لإعادة التموضع والتوسع.
على اعتبار أن جنوداً روس ساعدوا المجلس العسكري في صد هجوم مطار العاصمة نيامي، روّجت السلطات لتحولها نحو موسكو بوصفها بديلاً أمنياً. عملياً، يظهر أن روسيا ركّزت، حيث حضرت، على حماية النخبة والمنشآت الحساسة وصفقات الموارد، مقابل قدرة محدودة على سد الفجوات الواسعة في الأطراف والحدود. والهجوم، حتى لو أُحبط سريعاً، أظهر حدود هذا الردع حين يتعلّق الأمر بتحصين الدولة كمنظومة.
ارتداد فوري على الحدود
بعد يومين فقط، برزت الهشاشة على الخاصرة الليبية–النيجرية مع سيطرة مجموعة مسلحة مؤقتاً على معبر التوم قبل استعادته. والرسالة واضحة، مفادها أن الحدود سريعة السقوط، وأي صدمة في المركز ترفع شهية الفواعل المسلحة عند خطوط التماس، بصرف النظر عن شعاراتها.
سلّط محللون على منصة “إكس” الضوء على تعدّد اللغات الذي كان حاضراً في خطاب التنظيم عقب الهجوم (العربية، الهوسا، الكانورية)، ووصفوا ذلك بأنه دلالة تُقرأ عادةً كإشارة إلى تشابك ساحل النيجر مع مسرح بحيرة تشاد وشمال نيجيريا، وكلها خبرات وخطابات تجنيد عابرة للحدود.
عليه، يتمثل السيناريو الأقرب قصير المدى بتحصين العاصمة مع استمرار تآكل الأطراف. لكن الأخطر هو تكرار ضربات عالية القيمة، أو الانزلاق، إذا توفرت الشروط، إلى اقتصاد حصار يضغط على نيامي كما ضُغطت باماكو. وفي الحالتين، يظل المستقبل الأمني مفتوحاً على المجهول ما لم تُسد فجوة “حماية السلطة” ببناء قدرة سيادية شاملة على الأرض.















