بقلم: كمال كروري
بقلم: كمال كروري

مقالات مشابهة

تقرير ميداني

نيجيريا بين الفقر والتطرف.. موجة عنف ديني تضع أكبر دول إفريقيا أمام اختبار وجودي في وجه الإرهاب

بقلم: كمال كروري
بقلم: كمال كروري

مع تصاعد موجة الإرهاب في نيجيريا واحتلالها المرتبة السادسة في مؤشر الأعمال الإرهابية لعام 2025، وتهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بالتدخل العسكري لحماية المسيحيين، تتزايد المخاوف من تحول الدولة الأكثر سكاناً في إفريقيا إلى بؤرة للإرهاب الديني الخطير، يمكن تمتد تداعياته إلى جميع أنحاء القارة. فما العوامل التي تغذي النزعات الإرهابية في المنطقة؟ وما أبرز الجماعات النشطة؟ ومن أين تستمد قوتها اللوجستية والمالية والبشرية؟

يرى البروفيسور عبد المنعم همت، المتخصص في شؤون الجماعات الإرهابية، أن تصاعد وتيرة الهجمات خلال الأشهر الماضية يعكس حجم التحديات الأمنية التي تواجهها منطقة غرب إفريقيا. وقال لموقع “غلوبال ووتش عربية” إن الهجمات الأخيرة أظهرت قدرة الجماعات الإرهابية، خصوصاً “بوكو حرام” و”تنظيم الدولة”، على إعادة ترتيب الصفوف وتغيير التكتيكات، على الرغم من الضربات الموجعة التي تلقتها خلال السنوات الماضية.

ويشير همت إلى أن الفقر والبطالة يعدان من أبرز العوامل التي تغذّي تصاعد أنشطة هذه الجماعات، إذ يجعل هذان العاملان الشباب أكثر عرضة للتجنيد في صفوف التنظيمات المتطرفة. 

كما يؤكد ضرورة تبنّي نهج متكامل يجمع بين الجهود العسكرية والتنمية الاجتماعية والاقتصادية، وتنفيذ برامج تعليمية تهدف إلى تقليل معدلات البطالة، بما يسهم في خلق بيئة أقل عرضة للتطرف.  ويضيف: “توفير التعليم وفرص كسب العيش للسكان يجعل عملية استقطابهم وغسل أدمغتهم للانضمام إلى الجماعات المتطرفة أكثر صعوبة بكثير”.

الفقر والبطالة.. أرض خصبة للتجنيد

تُعد الظروف الاقتصادية الصعبة في شمال شرق نيجيريا أرضاً خصبة لتجنيد الشباب في صفوف الجماعات الإرهابية، إذ تُعرض عليهم مبالغ مالية كبيرة، إلا أن العديد منهم يُقتل في المداهمات أو خلال المواجهات الأمنية المستمرة.

أظهرت دراسة أجرتها كلية الدفاع والدراسات الاستراتيجية في لاغوس أن الطقوس الاجتماعية تلعب دوراً كبيراً في استمرار أنشطة الجماعات الإرهابية من خلال توفير مجندين جدد. وأوضحت الدراسة أن ثقافة تعدد الزواج المنتشرة على نطاق واسع في شمال نيجيريا تُسهم في إنجاب أطفال لا يستطيع الأهل رعايتهم، فيصبحون صيداً سهلاً لسماسرة متخصصين في التجنيد لصالح الجماعات الإرهابية.

بحسرة شديدة، يروي إبراهيم ثاني قصة ابن عمه الذي قتل في مواجهات قرب مدينة كانو شمال البلاد، بعد شهرين فقط من انضمامه إلى “بوكو حرام”. يقول ثاني لموقع “غلوبال ووتش”: “الكثير من أقاربي وأقراني أغراهم المال للانضمام دون التفكير في العواقب”.

وعلى الرغم من أن الاقتصاد النيجيري يُعد الأكبر في إفريقيا بناتج إجمالي وسطي يصل إلى 480 مليار دولار سنوياً، إلا أن أكثر من 60% من السكان يعيشون تحت خط الفقر، وفقاً للمكتب الوطني للإحصاء.

تصنيف نيجيريا دولياً

في مطلع نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تصنيف نيجيريا كـ”دولة مثيرة للقلق بشكل خاص”، بعد حملة قادها عضو الكونغرس رايلي مور، مدعياً أن المسيحيين في البلاد يتعرضون لـ”اضطهاد مقلق ومتواصل”. ووفقاً لمور، قُتل نحو 7000 مسيحي خلال العام ذاته، أي بمعدل 35 شخصاً يومياً. بناء على ذلك، وجّه ترمب وزارة الحرب للاستعداد لتحرك عسكري سريع إذا لم تتخذ الحكومة النيجيرية إجراءات صارمة لوقف عمليات قتل المسيحيين.

اعترض الرئيس النيجيري بولا تينوبو على الخطوة الأمريكية، مؤكداً أن التصنيف لا يعكس واقع نيجيريا ولا قيمها، وأن الحكومات المتعاقبة عملت على ترسيخ التعايش السلمي بين المكوّنات الدينية المتنوعة.

بعد ديني واجتماعي معقد

تشير بيانات مشروع مواقع وأحداث النزاع المسلح (ACLED)، وهو مرصد مستقل لرصد العنف، إلى صعوبة ربط حالات القتل بالانتماءات الدينية فقط، إذ طالت أعمال العنف جماعات من مختلف الأديان، وسُجّلت وفيات مدفوعة بعوامل عرقية ودينية متشابكة.

توضح البيانات أن الهجمات استهدفت الكنائس والمساجد على حد سواء، مع ارتفاع طفيف في الاعتداءات على الكنائس خلال السنوات الست الماضية.

ويحذّر الصحافي فيستوس أويت من خطورة تداخل العاملين العرقي والديني في موجة الإرهاب الحالية، مؤكداً أن “نيجيريا دولة يتقاسم فيها المسلمون والمسيحيون النفوذ، وأي توظيف لهذه الانقسامات يمكن أن يدفع البلاد نحو مستويات أخطر من العنف والانقسام”.

الجماعات الإرهابية وأساليب التمويل

تقليدياً، وُجّهت الاتهامات إلى منظمات وهيئات إغاثية، سواء كانت إسلامية أو غربية، بدعم الجماعات الإرهابية عبر التمويل أو إنشاء مدارس دينية أخرجت أجيالاً من المتشددين. لكن المفاجأة كانت اتهام السيناتور سكوت بيري للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية “USAID” بضخ نحو 600 مليون دولار في قنوات مرتبطة بهذه الجماعات خلال السنوات الماضية.

تعتمد الجماعات الإرهابية في نيجيريا على أساليب تمويل متعددة:

  • الاختطاف مقابل الفدية وسرقة البنوك.
  • تحويلات مالية ضخمة عبر قنوات علنية.
  • تحايل على الرقابة من خلال شبكات غير رسمية وغسل الأموال عبر التجارة.

ويشير الباحث فيفوري ويزدوم إلى أن بعض السياسيين يختبئون خلف جماعة “بوكو حرام” لدوافع دينية أو جهوية أو طموحات سياسية، لكن جميعهم يسهمون في رعاية الإرهاب وزعزعة الاستقرار.

العتاد والانتشار العسكري

لا تواجه الجماعات المتطرفة صعوبة في الحصول على العتاد اللازم لتنفيذ عملياتها، في ظل انتشار واسع للأسلحة الصغيرة والخفيفة وازدهار التجارة بها، إضافة إلى تهريب الذخائر عبر الحدود مع تشاد والكاميرون والنيجر. وعلى الرغم من بروز تنظيم الدولة الإسلامية في غرب إفريقيا من خلال عمليات نوعية، تظل “بوكو حرام”، المتحالفة مع “داعش” والمتمركزة في شمال شرق نيجيريا، الأوسع انتشاراً داخل البلاد وعبر الحدود مع الدول المجاورة.

أوضح تقرير صادر عن وحدة الاستخبارات المالية في البنك المركزي النيجيري أن الجماعات الإرهابية تعتمد أساليب تمويل يصعب تتبّعها، ما يعقّد جهود مكافحة الإرهاب.

وذكرت التحقيقات أن “بوكو حرام” تموّل أنشطتها عبر التبرعات الأجنبية والابتزاز والفدية وتهريب السلع الأساسية، في حين يجمع تنظيم الدولة الإسلامية أمواله من الخطف وفرض الجبايات غير القانونية.

وتستفيد الجماعات من التحويلات غير الرسمية عبر نقاط البيع، ما يسهّل وصول الأموال من دون رقابة فعّالة. ويعتمد نحو 36% من البالغين في البلاد، أي نحو 35 مليون شخص، على أنظمة غير مصرفية مثل الحوالات التقليدية، إضافة إلى أنشطة غسل الأموال عبر التجارة، ما يزيد المخاطر المتعلقة بتمويل الإرهاب.