ما بين تصاعد الخطاب حول «الإرهاب المحلي» وقرارات إدارة ترامب لتصنيف حركة «أنتيفا» كمنظمة إرهابية، تقف الديمقراطية الأمريكية أمام اختبارٍ وجوديٍّ يكشف حدود حرياتها، ويمتحن توازنها بين الأمن والحقوق المدنية في عصر الاستقطاب المتفجّر.
عُقب اغتيال الناشط اليميني تشارلي كيرك في جامعة «يوتا فالي» في الـ 10 من سبتمبر/أيلول 2025، في حادث وصفته السلطات الأمريكية بأنه «اغتيال ذو دوافع سياسية»، تفجّر نقاش قانوني سياسي واسع حول ماهية حركة “أنتيفا” ومدى مسؤوليتها الفعلية عن الحادث.
غير أن الخطاب العام – خاصة في الأوساط الجمهورية – وجّه أصابع الاتهام نحو ناشطين محسوبين على “أنتيفا”، الأمر الذي مهّد الطريق لإحياء مشروع سياسي طالما سعت إليه إدارة ترامب: تصنيف الحركة كمنظمة إرهابية داخلية.
سرعان ما تجاوز الجدل حدود التحقيق الجنائي إلى صلب الأسئلة الدستورية: أين ينتهي حقّ الاحتجاج ويبدأ تعريف الإرهاب؟. وتحت عنوانٍ فضفاض هو «مكافحة الإرهاب والعنف السياسي المنظَّم»، بدأت ملامح المُخطط السياسي تتضح أكثر: حرية التعبير، والمعارضة السياسية، واستقلالية الحكومات المحلية في مرمى النيران.
من هي “أنتيفا” ولماذا صارت هدفاً؟
أصبحت “أنتيفا” خلال السنوات الأخيرة محور سجال سياسي وإعلامي حاد، والمصطلح بحد ذاته اختصارٌ لمفهوم “مناهضة الفاشية”، أو (Anti-Fascist). وهو تقليد سياسي نشأ في أوروبا في ثلاثينيات القرن الماضي ضد الأنظمة الشمولية، وفي الولايات المتحدة، تطورت الحركة لتصبح تحالفاً لامركزياً من مجموعات يسارية ونشطاء مدنيين يتشاركون موقفاً ضد العنصرية واليمين المتطرف، دون هيكل تنظيمي أو قيادة مركزية.
هذا الطابع اللامركزي جعلها ظاهرة صعبة التصنيف قانونياً، وأداة رمزية تُستَخدم في الخطاب السياسي أكثر مما تُعرَّف في الواقع التنظيمي.
بعد أيام من الاغتيال، أصدر الرئيس ترامب مذكرتين تنفيذيتين تعتبران “أنتيفا” تهديداً إرهابياً داخلياً، مع تعليمات لوزارات العدل والأمن الداخلي بتوسيع المراقبة والملاحقة القضائية. لكن منظمات مثل مركز “برينان” للعدالة والاتحاد الأمريكي للحريات المدنية (ACLU) وصفت القرار بأنه «تسييس للعدالة الجنائية» ومحاولة تجريم المعارضة.
أشارت تحليلات قانونية إلى أن توصيف الحركة بـ«الإرهاب» يفترض وجود قيادة وتنسيق مركزي، وهو ما لا تدعمه الأدلة. ومع ذلك، بدأت بعض مكاتب الادعاء الفيدرالية بتطبيق القرار عملياً عبر تهمٍ بالإرهاب ضد متظاهرين متهمين بالعنف، ما مثّل سابقة في تغوّل السلطة التنفيذية على القضاء المحلي.
المراقبة والسلطة التنفيذية
فتح توسيع تعريف الإرهاب الداخلي الباب أمام استخدام أدوات مراقبة رقمية واسعة، من عقود التعرف على الوجوه إلى برامج التجسّس السياسي، تحت ذريعة الأمن القومي.
يُحذّر باحثو معهد كاتو الأمريكي من أن هذا الدمج بين أجهزة الـFBI ووزارة الأمن الداخلي والشرطة المحلية يُنتج ما يشبه «نظام أمن موازٍ للدولة المدنية»، يُهدد جوهر الفصل بين السلطات ويُقوض الثقة الديمقراطية.
توقيت القرار لا يمكن فصله عن الاستقطاب السياسي العميق في المجتمع الأمريكي، ولا عن حملة ترامب لإعادة ترسيخ خطاب «القانون والنظام» قبيل انتخابات منتصف الولاية.
التركيز على “أنتيفا” كتهديد داخلي يمنح رواية السلطة زخماً انتخابياً ويعيد ترتيب الأولويات الأمنية في الداخل الأمريكي. لكنه في المقابل يضع النظام الليبرالي أمام سؤال حاسم: هل يمكن لديمقراطية عريقة أن تحافظ على أمنها دون التضحية بحرياتها؟
دروس من التاريخ
ليست الولايات المتحدة أول دولة تُواجه معضلة «العدو الداخلي». فالتاريخ المعاصر يزخر بأمثلة تُظهر كيف يمكن لقوانين مكافحة الإرهاب، حين تُصاغ في بيئة استقطابية، أن تتحوّل من أداة لحماية النظام العام إلى وسيلة لإعادة هندسة المجال السياسي نفسه.
في تركيا، على سبيل المثال، جرى توسيع تعريف «التهديد الإرهابي» بعد محاولة الانقلاب عام 2016 ليشمل الأكاديميين والمعلمين والنقابيين، ما أتاح للدولة شن حملة واسعة لتطهير المؤسسات من الأصوات المستقلة تحت شعار «الأمن القومي». وأدى ذلك إلى تقويض استقلال القضاء وإغلاق أكثر من 150 وسيلة إعلامية خلال ثلاث سنوات، وفق تقارير “هيومن رايتس ووتش” و”العفو الدولية”.
أما في روسيا، استُخدم قانون «مكافحة التطرف» لتجريم أي نشاط مُعارض غير مصرح به، حتى ولو كان احتجاجاً سلمياً أو منشوراً على وسائل التواصل الاجتماعي. وبحلول عام 2022، أصبح أكثر من 200 منظمة غير حكومية مصنفة «عميلة أجنبية» أو «متطرفة»، ما حول المجتمع المدني إلى ساحة مراقبة شاملة.
أما فرنسا، وبعد هجمات 2015 الإرهابية، تم إدماج بنود الطوارئ الأمنية في القانون الجنائي الدائم، مانحةً الشرطة صلاحيات استثنائية للتفتيش والاعتقال الإداري. ورغم النية المعلنة لحماية الأمن القومي، أقرّت لجنة حقوق الإنسان الفرنسية لاحقاً بأن بعض الإجراءات “كرّست منطق الدولة البوليسية”.
في السياق الأمريكي، يُحذّر باحثو «راند كوربوريشن» من أن نقل منطق الحرب على الإرهاب من الخارج إلى الداخل – عبر مصطلحات مثل «الإرهاب المحلي» و«التطرف الداخلي» – قد يُنتج آثاراً عكسية: إضعاف الثقة بالمؤسسات، وتبرير تدخلات أمنية ضد خصوم سياسيين، وتآكل التعددية التي تمثل جوهر النظام الليبرالي الأمريكي.
العلاقة بين السلطة والمجتمع
من هذا المنظور، يُمكن القول إن تصنيف “أنتيفا” كمنظمة إرهابية لا يعبّر فقط عن صراعٍ مع حركة يسارية هامشية، بل عن تحوّل بنيوي في العلاقة بين السلطة والمجتمع، حيث تُصبح مراقبة المواطن جزءاً من تعريف الوطنية، ويُعاد تعريف الولاء على أساس الانصياع الأمني لا المشاركة السياسية. وفي ضوء التجارب المقارنة، يبدو أن الولايات المتحدة تقترب بخطى محسوبة – لكنها ثابتة – من هذا المنعطف ذاته: تطبيع الإجراءات الاستثنائية، وتحويل الخطر الأمني إلى بنية حكم.
إن وصف حركة “أنتيفا” بالإرهابية يفتح ملفّات أخلاقية وقانونية تتعلق بالحقوق المدنية، ويمنح السلطات مدخلات أوسع للمُلاحقة والرقابة. من ناحية مهنية وصحفية، على التحليل العام أن يميّز بين فئات الأنشطة: “ما هو احتجاج سلمي ومقاومة مدنية، وما هو عمل عنف فردي أو جماعي يجب أن يُلاحَق وفق قوانين العقوبات العادية”. فضلاً عن دراسة الأدلة على وجود أي تنسيق مركزي قبل تبنّي أو تعميم تصنيف “إرهابي”.
نحن أمام لحظة فارقة في التاريخ الأمريكي… الرئيس ترامب لا يُحارب الجريمة فقط، وإنما يختبر صلابة المؤسسات الديمقراطية، ويبحث عن نقاط ضعفها. وكل أمر تنفيذي، وكل خطاب، وكل تهديد هو اختبار للتحمّل الديمقراطي.
لم يعد السؤال عمّا إذا كانت بعض عناصر العنف موجودة، فهذا واقع ملموس في كثير من الاحتجاجات وفي مواقع مختلفة ضمن الطيف السياسي، بل في كيفية التعامل الصحيح مع عنف الأقلية دون المساس بالحقوق الأساسية للأغلبية السلمية. وأي تصنيف من هذا النوع يجب أن يمرّ عبر ساحات القضاء والضوابط البرلمانية، لا أن يعتمد وحده على قرار تنفيذي واسع النطاق قد يغير قواعد اللعبة السياسية والمدنية في بلد يسوّق نفسه حاملاً لراية القيم والحرية والتظاهر والتعبير منذ تأسيس الجمهورية.















