في أروقة السياسة الدولية ظل سؤال واحد يتردد لسنوات، يبدو بديهياً لكنه خادع: هل انتهى عصر الهيمنة الأمريكية؟ انشغل كثيرون بتعداد مؤشرات التراجع؛ انسحابات عسكرية من مناطق صراع، صعود صيني متسارع، وتململ أوروبي يتزايد كلما تزايدت تكلفة الاصطفاف. لكن بينما كان النقاش يراقب “تراجع الشرطي الأمريكي” على المسرح، كانت واشنطن تتحرك خارج دائرة الضوء، متقدمة إلى موقع أكثر حساسية، موقع “مهندس النظام”.
لم تعد الهيمنة تُقاس بعدد الجنود على الأرض، بقدر ما تُقاس بالقدرة على التحكم في “نظام التشغيل” الذي يدير العالم: حركة المال، البنية التحتية الرقمية، سلاسل التوريد، والمعايير التي تحدد ما هو مسموح وما هو مستحيل. في هذا المعنى، لا يتحدث هذا المقال عن أمريكا بوصفها دولة قوية فحسب، بل عن طريقة اشتغال نفوذها بوصفه تصميماً للبنية، أي الانتقال من حكم العالم إلى إدارته، ومن فرض الطاعة بالقوة إلى جعل العصيان مكلفاً إلى حدّ يصعب احتماله.
من “الشرطي” إلى “المهندس”
لفهم كيف تدُير واشنطن العالم دون أن تحتله، نحتاج أولاً إلى تخفيف اعتمادنا على تعريفات القوة التقليدية. في الأدبيات السياسية يُفرَّق عادة بين نوعين من القوة:
الأول هو القوة العلائقية: قدرة دولة على إجبار دولة أخرى على القيام بما لا تريد، سواء عبر الحرب، أو التهديد، أو الضغط المباشر. هذا هو منطق “الشرطي”.
الثاني هو القوة الهيكلية: القدرة على تصميم الإطار الذي تتحرك داخله الدول جميعاً، بحيث تُحاصر خيارات الخصم داخل مسارات محددة سلفاً تخدم مصالح الطرف الأقوى، دون أن يضطر إلى الإكراه كل مرة.
هذا التصور يرتبط بما قدّمته المنظّرة في الاقتصاد السياسي الدولي سوزان سترينج، عندما رأت أن القوة الحقيقية لا تختزل في الموارد المادية، بل في السيطرة على “هياكل” أساسية كالأمن، والإنتاج، والتمويل، والمعرفة. الدرس الذي التقطته واشنطن مبكراً هو أن من يملك الملعب ويضع قواعده، لا يحتاج إلى الفوز في كل مباراة؛ يكفي أن تكون اللعبة نفسها مصممة بحيث تميل النتائج النهائية لمصلحته.
خدعة “الاعتماد المتبادل”
في تسعينيات القرن الماضي، بشّر خطاب ليبرالي واسع بأن “الاعتماد المتبادل” والعولمة سيجعلان الحرب أقل احتمالاً، فالدول التي تربطها مصالح تجارية لا تحارب لأنها ستخسر مصالحها. غير أن التجربة العملية كشفت وجهاً آخر أقل وردية، وهو أن الاعتماد المتبادل لا يعمل دائماً كشبكة متساوية، بل قد يتحول إلى علاقة غير متماثلة يملك فيها طرف مفاتيح التشغيل، ويكتشف الآخر أنه رهينة سلاسة الوصول.
هنا تبرز أطروحة الباحثين هنري فاريل وأبراهام نيومان حول “عسكرة الاعتماد المتبادل”، حيث يجادلان بأن الشبكات العالمية، من الإنترنت إلى النظام المالي وسلاسل التوريد، ليست مسطحة ولا ديمقراطية. إنها شبكات شديدة المركزية، تُدار عبر نموذج “محاور وأذرع”. المفاجأة الاستراتيجية أن كثيراً من هذه “المحاور” يتموضع داخل الولايات المتحدة، أو في شركات تخضع لقوانينها ونفوذها، ما يمنح واشنطن مزايا لا يملكها منافسيها بسهولة.
من هذا التمركز خرج سلاحان أساسيان يشرحان الكثير من سلوك النظام الدولي اليوم: “قدرة على الرؤية.. وقدرة على العزل”.
“بانوبتيكون” الرقمي
السلاح الأول هو ما يُعرف بتأثير “البانوبتيكون”: الرقابة الشاملة دون حضور مباشر. التشبيه مأخوذ من فكرة السجن الذي يرى فيه الحارس الجميع بينما لا يراه أحد. في العالم المعاصر، يمنح التموضع داخل الشبكات المالية والتقنية قدرة على الرصد يصعب تعويضها.
حين تمر نسبة كبيرة من التحويلات عبر منظومة الدولار ومراكزها، وحين تمر كميات ضخمة من حركة البيانات عبر بنى تحتية وخدمات تسيطر عليها شركات تكنولوجية كبرى، تصبح واشنطن قادرة على “قراءة” النظام: تدفقات المال، اتجاهات التجارة، شبكات الشركات، والثغرات الاقتصادية. هذه القدرة ليست ترفاً استخباراتياً، بل أداة نفوذ تمنح أفضلية في القرار الاستباقي، ضد الخصوم، وأحياناً في ضبط الحلفاء أيضاً.
نقاط الاختناق: العزل بقرار إداري
السلاح الثاني هو نقاط الاختناق: القدرة على قطع الوصول. إن السيطرة على العقد المركزية تعني أن فصل دولة أو كيان عن النظام قد لا يحتاج إلى عملية عسكرية، بل إلى قرار تنظيمي، أو عقوبة، أو حظر تقني. وهنا تكمن فاعلية “القفص غير المرئي”، لا جدران واضحة، لكن هناك بوابات يمكن إغلاقها.
الفكرة التي تشرحها هذه المقاربة أن واشنطن لا تحتاج إلى قصف بنية دولة ما إذا استطاعت فصلها عن شبكات التشغيل الأساسية، كمنظومات المدفوعات، أو التكنولوجيا المتقدمة. بهذا المعنى يصبح العزل أشبه بقطع “الجهاز العصبي” للاقتصاد، ما يترجم سريعاً إلى شلل وظيفي دون إطلاق رصاصة واحدة. والخطر الإضافي أن هذا النوع من الإجراءات يأتي غالباً في هيئة قانونية أو تقنية، فيبدو “إدارياً”، في حين أنه يحمل أثراً سيادياً بالغ العمق.
القفص الذهبي: لماذا لا يهرب العالم؟
إذا كان هذا النظام يخلق اختلالاً في موازين القوة، فلماذا لا تسعى القوى الصاعدة إلى كسره؟ لماذا تتعثر محاولات روسيا والصين ودول من “الجنوب العالمي” في بناء مسارات بديلة كاملة؟
الجواب الأكثر واقعية هو “تكلفة الخروج”. فقد صُمم النظام الدولي بحيث تصبح كلفة البقاء فيه، حتى مع شروط مجحفة أحياناً، أقل بكثير من كلفة الانفصال عنه. الدولار لا يزال الأكثر سيولة واستخداماً، التكنولوجيا الأمريكية والغربية عموماً تشكل معياراً عملياً لمعظم التطبيقات الحديثة، والشبكة المالية السائدة أسرع وأكثر موثوقية مقارنة بالبدائل الناشئة.
لكن محاولات بناء نظام موازٍ، كما تسعى بعض التكتلات اليوم، ستواجه عوائق هيكلية، ومنها بدائل أقل كفاءة في المدى القريب، وأعلى تكلفة، ومحدودة النطاق. ولهذا تستمر كثير من الدول في العمل داخل النظام ذاته، حتى عندما تعلن عدم رضاها عنه.
إدارة الفوضى بدلاً من حلّها
نحن إذن أمام مشهد جيوسياسي جديد، هيمنة عبر إدارة النظام. الولايات المتحدة لا تبدو معنّية اليوم بأن تكون “محبوبة” أو أن تحوز شرعية أخلاقية دائمة بقدر ما تسعى لأن تكون “ضرورية”. ويمكن تسمية هذا التوجّه بـ”الاحتواء الهيكلي”، وهو عدم تدمير الخصوم عسكرياً، بل هندسة بيئة دولية تجعل تحوّلهم إلى بديل “نظامي” أمراً بالغ الصعوبة.
وهكذا لابد من تفكيك أدوات هذا الاحتواء بمزيد من التفصيل: كيف يعمل “سلاح الدولار” عملياً؟ كيف تحولت الرقائق الإلكترونية في القرن الحادي والعشرين إلى مورد استراتيجي يشبه النفط؟ ولماذا تُعد المعايير التقنية ساحة الصراع الأكثر حساسية في السنوات القادمة؟















