بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

مكافحة الإرهاب

فلوريدا تعيد رسم معادلة مكافحة الإرهاب وتوسّع مفهوم التهديد الأمني في الولايات المتحدة

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

تشهد مكافحة الإرهاب في الولايات المتحدة تحوّلاً متسارعاً في مقاربتها، مع انتقالها تدريجياً من التركيز على ملاحقة منفذي الهجمات وتفكيك الخلايا المسلحة إلى استهداف ما تعتبره السلطات “البيئة الحاضنة” التي توفر للتنظيمات المتطرفة التمويل أو الدعم اللوجستي أو الغطاء التنظيمي أو الأيديولوجي. ويعكس هذا التحول تطوراً في العقيدة الأمنية الأمريكية يقوم على الانتقال من سياسة ردّ الفعل إلى استراتيجية الوقاية المبكرة، حتى وإن أثار ذلك جدلاً واسعاً حول حدود السلطة التنفيذية والحريات الدستورية.

ويأتي قانون فلوريدا الجديد لمكافحة الإرهاب (HB 1471)، الذي دخل حيز التنفيذ في الأول من يوليو/تموز الجاري، بوصفه أحدث تجليّات هذا التحول. فالقانون لا يكتفي بتشديد العقوبات على التنظيمات المصنفة إرهابية، بل يمنح سلطات الولاية آلية مستقلة لتصنيف منظمات محلية وأجنبية، في خطوة تعكس اتجاهاً متنامياً نحو توسيع دور الولايات في رسم سياسات مكافحة الإرهاب، بعدما ظل هذا الملف لعقود حكراً على الحكومة الفيدرالية.

ومع بدء تطبيق القانون، باشرت سلطات فلوريدا تفعيل آلية التصنيف الجديدة، لتشمل في مرحلتها الأولى فرع مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (CAIR) في الولاية، وحركة “أنتيفا”، وجماعة “الإخوان المسلمين”، إلى جانب أكثر من تسعين تنظيماً أجنبياً، من بينها كارتيلات للجريمة المنظمة العابرة للحدود و”الحرس الثوري الإيراني”. وتعكس هذه القائمة اتجاهاً نحو توسيع مفهوم التهديد الأمني، بحيث لم يعد يقتصر على التنظيمات المسلحة التقليدية، بل امتد ليشمل جهات ترى الولاية أنها توفر دعماً أو غطاءً لأنشطة متطرفة، وهو ما يجعل التجربة جزءاً من نقاش أوسع حول مستقبل سياسات مكافحة الإرهاب في الولايات المتحدة.

تجفيف البيئات الحاضنة

يعكس القانون تحولاً أعمق في فلسفة مكافحة الإرهاب داخل الولايات المتحدة. فبعد سنوات من التركيز على تفكيك الخلايا المسلحة واستهداف قيادات التنظيمات، اتجهت المؤسسات الأمنية تدريجاً إلى التركيز على البنية التي تسمح لهذه التنظيمات بالاستمرار، سواء عبر التمويل أو التجنيد أو الدعاية أو الدعم اللوجستي.

وتقوم هذه المقاربة على قناعة مفادها أن التنظيمات المتطرفة لا تنشأ في فراغ، وإنما تعتمد على شبكات ومؤسسات وأفراد يوفرون لها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، الموارد اللازمة للاستمرار. لذلك، أصبحت المواجهة تمتد إلى ما تصفه الأجهزة الأمنية بـ”البنية الداعمة”، وليس فقط إلى العناصر المنفذة للعمليات.

ومن هذا المنطلق، لا يمثل قانون فلوريدا مجرّد إضافة تشريعية، بل يعكس توجهاً يعتبر أن الوقاية تبدأ قبل وقوع الهجوم، من خلال تعطيل الشبكات التي يمكن أن تشكل بيئة مساعدة لنشاط التنظيمات المصنفة إرهابية.

توسيع مفهوم التهديد

لم يعد مفهوم الإرهاب، في المقاربة الأمنية الحديثة، مقتصراً على استخدام العنف المسلح، بل بات يشمل أشكالاً مختلفة من الدعم، مثل التمويل والتجنيد والتحريض وتوفير الموارد أو الغطاء التنظيمي. ويستند القانون الجديد إلى هذا الفهم، إذ يتيح فرض قيود واسعة على الجهات المصنفة، تشمل وقف التمويل العام، ومنع التعاقد معها، وحظر استخدام موارد الجامعات والمؤسسات الحكومية للترويج لأنشطتها، إلى جانب ملاحقة من يقدم لها دعماً مادياً.

وتعني هذه الإجراءات أن آثار التصنيف قد تبدأ قبل صدور أحكام قضائية نهائية، عبر تجفيف مصادر التمويل وإضعاف القدرة التنظيمية للجهات المستهدفة، في إطار ما يصفه مختصون بـ”الأثر الردعي التنظيمي”، حيث يؤدي الضغط القانوني والإداري إلى تقليص النشاط حتى قبل الفصل في شرعية التصنيف أمام القضاء.

لم تقتصر التوصيات الأولية على المنظمات ذات الخلفيات السياسية أو الأيديولوجية، بل شملت أيضاً أكثر من تسعين تنظيماً أجنبياً، من بينها كارتيلات المخدرات مثل “سينالوا” و”الشمال الشرقي” و”الخليج”، وعصابة “ترين دي أراغوا” الفنزويلية، إضافة إلى “الحرس الثوري الإيراني”.

ويمنح هذا التنوع القانون زخماً سياسياً، إذ يضع شبكات الجريمة المنظمة والتنظيمات الأيديولوجية ضمن إطار قانوني واحد، ما يجعل معارضة التشريع بصورة شاملة أكثر تعقيداً من الناحية السياسية.

معركة قضائية مرتقبة

تبقى التوصية الخاصة بفرع “كير” في فلوريدا الأكثر إثارة للجدل. وتستند الولاية إلى معطيات تعود إلى قضية “مؤسسة الأرض المقدسة للإغاثة والتنمية” العام 2007، حين أدرج الادعاء الفيدرالي المنظمة ضمن قائمة “المتآمرين غير المتهمين”، من دون توجيه اتهامات جنائية إليها أو صدور إدانة قضائية بحقها. ولاحقاً، اعتبرت محاكم فيدرالية أن نشر تلك القائمة انتهك حقوق من وردت أسماؤهم بموجب مبدأ الإجراءات القانونية الواجبة.

وترى سلطات فلوريدا أن “كير” ترتبط بشبكات محسوبة على جماعة الإخوان المسلمين، بينما تنفي المنظمة هذه الاتهامات، مؤكدة أنها منظمة أمريكية مستقلة للدفاع عن الحقوق المدنية للمسلمين، ولم تُدان قضائياً في أي قضية تتعلق بالإرهاب.

في المقابل، يستعد محامو المنظمة للطعن في القانون أمام القضاء الفيدرالي، فيما ترى منظمات حقوقية، يتقدمها الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية (ACLU)، أن التشريع يمنح السلطة التنفيذية صلاحيات واسعة قد تمس حرية التعبير وتكوين الجمعيات، خصوصاً في ظل استخدام مفاهيم مثل “الترويج” أو “الدعم” التي قد تخضع لتفسيرات متباينة.

هل تتغير خريطة مكافحة الإرهاب؟

لا تقتصر أهمية قانون فلوريدا على مضمونه، بل تمتد إلى دلالاته السياسية والأمنية. فهو يعكس اتجاهاً متزايداً داخل بعض الولايات الأمريكية، ولا سيما ذات الأغلبية الجمهورية، نحو تطوير سياسات أمنية أكثر استقلالاً عن الحكومة الفيدرالية، في ملفات ترتبط بالأمن والهجرة ومكافحة التطرف. وقد يؤدي نجاح هذه التجربة إلى تشجيع ولايات أخرى على تبني تشريعات مشابهة، بما يفتح الباب أمام تباين في مقاربات مكافحة الإرهاب بين الولايات، ويمنح الإدارات المحلية دوراً أكبر في تحديد أولوياتها الأمنية.

في المقابل، يحذر منتقدو القانون من أن توسيع صلاحيات السلطة التنفيذية قد يحول أدوات مكافحة الإرهاب إلى وسائل قابلة للاستخدام السياسي مع تغير الإدارات، بحيث يمكن توظيفها مستقبلاً ضد جماعات تختلف معها السلطة القائمة أيديولوجياً أو سياسياً، وهو ما يثير تساؤلات مستمرة حول حدود التوازن بين الأمن والحريات.

قد تنجح فلوريدا في ترسيخ نموذج جديد لمكافحة الإرهاب، وقد تقرر المحاكم الفيدرالية تقييد بعض صلاحياته، لكن أهمية التجربة تتجاوز مصير القانون نفسه، فهي تعكس تحولاً في التفكير الأمني الأمريكي، يقوم على توسيع نطاق المواجهة من التنظيمات المسلحة إلى البيئات التي يُعتقد أنها تدعمها أو تيسر نشاطها.

ويبقى السؤال المطروح هو ما إذا كانت هذه المقاربة ستسهم في الحد من مخاطر الإرهاب من خلال تجفيف منابع الدعم قبل تحولها إلى تهديد أمني، أم أنها ستفتح مرحلة جديدة من الجدل الدستوري حول حدود سلطة الدولة في مواجهة التطرف، وما إذا كان توسيع مفهوم الإرهاب سيعزز الأمن أم سيزيد من تعقيد العلاقة بين مقتضيات الحماية وضمانات الحريات المدنية.