غزة اليوم ليست مجرّد مساحة مدمّرة تنتظر إعادة إعمارها، ولا مجرّد أزمة إنسانية عاجلة، بل أصبحت ساحة صراع سياسية حقيقية حول من يحكم ومن يمتلك الشرعية والسيادة. ما يجري منذ انتهاء الحرب الأخيرة يتجاوز ترتيب الخدمات أو إعادة بناء البنية التحتية، ليصل إلى محاولة إعادة تعريف مفهوم الحكم والسيادة والقرار السياسي.
في هذا السياق، تُطرح إدارة انتقالية بشروط دولية، تُشكّل لجنة فلسطينية تُشرف عليها هيئة دولية تحت اسم “مجلس السلام”، وهو ما يثير جدلاً واسعاً حول معنى الحكم في غزة وطبيعة التدخل الدولي وأفق الحل السياسي.
ترامب يقود مجلساً تنفيذياً دولياً
كشف البيت الأبيض عن أعضاء المجلس التنفيذي الجديد لغزة، المكوّن من شخصيات دولية وإقليمية بينها وزيرة الدولة الإماراتية ريم الهاشمي، المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، صهر الرئيس ترامب جاريد كوشنر، وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، ومسؤولون دوليون وأمميون آخرون. وسوف يتولّى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رئاسة المجلس بنفسه، مع الإعلان عن أعضاء إضافيين لاحقاً.
يهدف المجلس إلى دعم الحوكمة وتقديم الخدمات، لكنه يمثل أيضاً مشروعاً سياسياً يعيد رسم العلاقة بين الفلسطينيين والعالم الخارجي. تشير التجارب السابقة إلى أن هذه الهيئات الدولية قد تتحول إلى قوة موازية تؤثر على القرار الداخلي أكثر مما تخدمه، ما يطرح مخاطر الوصاية على السيادة الفلسطينية.
مجلس السلام وأخطار الوصاية الدولية
تقوم الفكرة الراهنة لإنشاء “مجلس سلام” دولي للإشراف على المرحلة الانتقالية في غزة على تنسيق التمويل ومراقبة إعادة الإعمار، وبناء إدارة مدنية محلية. لكن هذه الترتيبات لا تُقرأ على أنها مجرّد مقاربة تقنية، بل هي مشروع سياسي يعيد تشكيل العلاقة بين الفلسطينيين والعالم الخارجي.
مثل هذه الهياكل تميل إلى تكرار أخطاء إدارة ما بعد الحرب في مناطق أخرى، حيث تتحول الهيئات الدولية فوق السلطة المحلية إلى قوة موازية تؤثر على القرار الداخلي أكثر مما تخدمه. أي إدارة لا تنبع من تفويض شعبي فلسطيني واضح، ولا ترتكز إلى مشروع سياسي وطني، تتحول تلقائياً إلى سلطة فوقية، مهما حسنت نواياها.
الولايات المتحدة: استقرار بلا سيادة
في هذا الإطار، تنظر الولايات المتحدة إلى غزة من زاوية أمنية أولاً وأخيراً، إذ إن هدفها المركزي يتمثّل في منع عودة أي تهديد لإسرائيل، ولو على حساب أي تصور حقيقي للسيادة الفلسطينية. تسعى خطة السلام المعتمدة إلى وقف الحرب كهدف أولي، ثم تتحرك نحو إدارة انتقالية يُشرف عليها مجلس دولي، مع لجنة فلسطينية تكنوقراطية لإدارة الشؤون المدنية.
من هذا المنطلق، يأتي اسم توني بلير وأسماء دولية أخرى، ليس كزعماء سلام مستقلين، بل كوجوه تمثل مقاربة الاستقرار مقابل تقليص التهديد، لتقديم أدوات للغرب لكبح دائرة العنف مع إبقاء الخط السياسي الأكبر مرهوناً بشروط أمنية واستراتيجية.
أوروبا: دعم محدود ومشروط
يتسم الموقف الأوروبي بالدعوات الإنسانية والدعم المالي، لكنه يتجنب الدخول العميق في القضايا التي تمسّ جوهر الصراع أو السيادة الفلسطينية بشكل مباشر. وترى أوروبا في السلطة الفلسطينية الخيار “الأقل كلفة” لإدارة غزة، بشرط أن تُبقي على الشروط الغربية المتعلقة بالإصلاح والحوكمة وعدم التصعيد. هذه المقاربة، وعلى الرغم من إنسانيتها الظاهرة، تعكس تجنّب أوروبا المعركة السياسية الكبرى مع إسرائيل والولايات المتحدة في الملف الفلسطيني، ما يجعل الدعم الأوروبي جسراً لتسيير الأزمة لا لإدارتها بعمق سياسي.
الموقف العربي: الاستقرار ومخاوف الوصاية
المواقف العربية تحفها البراغماتية، حيث ترى العديد من العواصم أن استمرار الفراغ في غزة يحمل مخاطر إقليمية. تعكس دعوات لتسريع الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف الحرب رغبة عربية في حصر الأزمة وإدارتها بما يحافظ على استقرار المنطقة.
في الوقت ذاته، هناك مخاوف من أن تتحوّل أي إدارة دولية إلى “وصاية جديدة” تُحكم من الخارج، وتُبعد الذاتية الفلسطينية عن مركز القرار، ما يوضح التوتر بين دعم الاستقرار والخشية من فقدان القرار الوطني.
إسرائيل تحقق السيطرة دون مواجهة مباشرة
بالمقابل، تستفيد إسرائيل من هذا الترتيب عبر ضبط غزة أمنياً وسياسياً من دون الانخراط المباشر في الإدارة، إذ يتيح لها وجود إدارة فلسطينية تحت إشراف دولي منع أي تهديد عسكري أو صاروخي، وتقليص قدرة المقاومة على التأثير في القرار اليومي، مع الحفاظ على سيطرتها غير المباشرة على الحدود والمعابر والمجال الأمني.
يضمن هذا الترتيب لإسرائيل هدوءاً نسبياً على المدى القصير ويعزز وضعها التفاوضي، بينما تظل غزة معزولة سياسياً ومقيدة اقتصادياً، ما يقلل من فرص ظهور سلطة فلسطينية قوية قادرة على تحدي السياسات الإسرائيلية.
السلطة الفلسطينية: شرعية بلا أدوات
من جهتها، تُعلن السلطة الفلسطينية رفضها لأي ترتيبات تحوّل غزة إلى مشروع وصاية دولية، وتؤكد أنها الكيان الشرعي الوحيد. لكنها تدرك أن رفض كل الترتيبات قد يعني إقصاءها نهائياً. لذلك، تعتمد السلطة خطاباً مزدوجاً، تؤكد تمسكها بوحدة الأرض والتمثيل، لكنها تبدي استعداداً عملياً لقبول إدارة انتقالية أو حكومة تكنوقراط، على أمل أن تتحول هذه المرحلة لاحقاً إلى عودة سياسية كاملة. غير أن قبول السلطة بهذه الصيغ من دون إصلاح عميق ورؤية سياسية واضحة يهدد شرعيتها الشعبية ويحوّلها إلى كيان تابع للمسار الدولي أكثر من كونه قائداً للقرار الوطني.
حماس: رفض الإقصاء والتحكم بالمعادلة
أما حركة “حماس” فهي ترفض بشكل قاطع أي وصاية دولية أو مجلس سلام مفروض، وترى في هذه الطروحات محاولة لإعادة إنتاج السيطرة الإسرائيلية بأدوات دولية. لكنها تظهر مرونة تكتيكية في قبول إدارة فلسطينية غير فصائلية، شريطة عدم نزع السلاح بالكامل، وعدم إخراجها من المعادلة الوطنية الفلسطينية. هذه المرونة ليست تنازلاً استراتيجياً، بل مناورة سياسية لحماية دور الحركة. أي صيغة تتجاوز الخطوط الحمراء التي وضعتها “حماس” ستُعتبر إعلان مواجهة، ولو مؤجلة.
توني بلير: رجل النموذج لا الحل
إن وجود توني بلير في هذا المشهد ليس تفصيلاً، فالرجل يحمل إرثاً سياسياً مثقلاً من فترة حرب العراق وتجربته كمبعوث للرباعية الدولية، حيث روّج لفكرة السلام الاقتصادي وتجنب الصدام مع إسرائيل.
في غزة، لا يُنظر إليه كوسيط محايد، بل كمروّج لنموذج إدارة ما بعد الحرب الذي يفصل الاقتصاد عن السياسة والاستقرار عن العدالة. بلير لا يسعى إلى حل الصراع، بل إلى إدارته بأقل كلفة ممكنة للغرب، حتى لو كان الثمن تجميد القضية الفلسطينية في صيغة حكم ذاتي موسّع بلا سيادة حقيقية.
المشاركة المحلية والمساءلة الحقيقية
قد تكون أي إدارة دولية للقطاع قصيرة الأمد وغير فعالة إذا لم تُراعَ فيها المشاركة المحلية والمساءلة الحقيقية. في المقابل، إن المرحلة الانتقالية تمثل فرصة لكسر دورة العنف، إذا ما رُبطت بخطة سياسية أوسع تشمل مشاركة الفصائل الفلسطينية، وتقديم ضمانات أمنية لجميع الأطراف، وتأسيس حكم يحظى بدعم شعبي حقيقي.
بناء على ذلك، تأتي التوقعات متباينة؛ فالبعض يرى أن الإدارة الدولية ستؤدي إلى استقرار مؤقت فقط، والبعض الآخر يراها فرصة لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني بشكل أكثر شمولية، شرط أن يكون القرار الفلسطيني في صلب أي ترتيبات.
إدارة الأزمة أم إعادة إنتاجها؟
تتلاقى كل هذه التقديرات حول حقيقة واضحة: ما يُقترح اليوم لإدارة غزة لا يقتصر على خطة إنسانية فحسب، بل يمثل مشروعاً سياسياً يحدد ملامح الحكم الفلسطيني في المستقبل القريب والبعيد. تتوافق الأطراف الدولية والإقليمية على ضرورة إدارة الأزمة، لكنها تختلف جذرياً حول طبيعة السيادة والقرار، ما يجعل أي محاولة لإعادة إنتاج سلطة بلا أفق سياسي حقيقي محفوفة بمخاطر التصعيد والتوتر المستمر.
من هنا يبرز منطق الأمر أن الحل لا يكمن في إدارة انتقالية أو لجنة دولية، بل يتطلب مشروعاً سياسياً فلسطينياً جامعاً يشمل القوى كافة، ويضع إطاراً لإنهاء الاحتلال وتحقيق السيادة والحرية، وإلا ستظل كل الهيئات والمبادرات مجرّد طبقات مؤقتة فوق ركام لم يُحسم بعد مستقبله السياسي.















