بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

مقالات مشابهة

من العجز إلى الفائدة

ديون أميركا تتجاوز 40 تريليون دولار.. كيف تحوّل الاقتراض من أداة تمويل إلى عبء يهدد الاقتصاد؟

بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

تجاوز الدين الحكومي الأميركي حاجز 40 تريليون دولار للمرة الأولى في التاريخ، في محطة تعكس حجم التحول الذي طرأ على المالية العامة لأكبر اقتصاد في العالم خلال أقل من عقد. لا تكمن أهمية هذا الرقم القياسي في حجمه الاسمي فقط، بل في السرعة التي تراكم بها، وفي أن الولايات المتحدة تدخل هذه المرحلة فيما تبدو تكلفة خدمة الدين نفسها وكأنها أصبحت محركاً إضافياً للاقتراض. فالحكومة تنفق أكثر مما تجمع، وتدفع فوائد متزايدة على الديون القائمة، ما يخلق حلقة يصعب كسرها من دون قرارات سياسية مؤلمة بشأن الضرائب والإنفاق.

أظهرت بيانات وزارة الخزانة أن إجمالي الدين بلغ 40.047 تريليون دولار في 18 أغسطس/آب 2026، مقارنة بنحو 19.95 تريليوناً في يناير/كانون الثاني 2017، أي تقريباً ضعف ما كان عليه عندما استهلّ دونالد ترمب ولايته الأولى.

ماذا تُخفي الـ40 تريليوناً؟

ينقسم الدين الإجمالي إلى نحو 32.26 تريليون دولار من سندات الخزانة التي يملكها الجمهور، من مستثمرين محليين وأجانب ومؤسسات مالية والاحتياطي الفيدرالي، وقرابة 7.78 تريليون دولار من الحيازات التي تملكها حسابات وهيئات حكومية أمريكية، أبرزها صناديق الضمان الاجتماعي.

ويُعد الدين المحتفظ به لدى الجمهور المقياس الأكثر أهمية اقتصادياً عند تقييم عبء الاقتراض، لأنه يعكس الأموال التي تقترضها الحكومة من الأسواق المالية، وبالتالي المنافسة على المدخرات المتاحة للقطاع الخاص وتأثير الدين في أسعار الفائدة والاستثمار.

وهنا لا بد من توضيح نقطة مهمة: “الدين ليس العجز”. العجز هو الفجوة بين إيرادات الحكومة ونفقاتها خلال سنة مالية، بينما الدين هو تراكم العجوزات السابقة، إضافة إلى بعض العوامل التمويلية الأخرى. ولذلك فإن تجاوز الدين 40 تريليون دولار ليس نتيجة قرار واحد أو إدارة واحدة، بل حصيلة سنوات طويلة من الإنفاق المرتفع والإيرادات غير الكافية.

من يتحمل مسؤولية القفزة؟

ارتفع الدين بنحو 7.8 تريليون دولار خلال ولاية ترمب الأولى، ثم أضيف إليه نحو 8.4 تريليون دولار خلال ولاية جو بايدن، فيما زاد بنحو 3.8 تريليون دولار منذ عودة ترمب إلى البيت الأبيض في يناير/كانون الثاني 2025. وبذلك بلغ إجمالي الزيادة خلال فترتي ترمب نحو 11.6 تريليون دولار.

لكن توزيع الزيادة زمنياً يُخفي نقطة أكثر تعقيداً. فقد وقع نحو ثلث الزيادة منذ 2017 خلال فترة قصيرة مرتبطة بجائحة كورونا، عندما لجأت الحكومة إلى اقتراض ضخم لتمويل برامج الدعم الاقتصادي والصحي وتجنب انهيار النشاط الاقتصادي. وسجل العجز الفيدرالي 3.1 تريليون دولار في السنة المالية 2020 و2.7 تريليون دولار في 2021، مقارنة بنحو 984 مليار دولار في 2019.

لذلك، يصعب اختزال مشكلة الدين في إدارة واحدة. فالجائحة فجّرت الاقتراض، لكن العجز لم يعد إلى مستويات ما قبل الجائحة بعد انتهائها. واستمر الإنفاق الهيكلي المرتفع، خصوصاً على برامج التقاعد والرعاية الصحية، بالتزامن مع قرارات ضريبية قلصت الإيرادات المستقبلية.

المشكلة ليست الرقم بل ما بعده

تكشف توقعات مكتب الميزانية في الكونغرس (CBO) أن المشكلة تتجاوز الرقم الحالي بكثير. فالمكتب يتوقع عجزاً قدره 2.1 تريليون دولار في السنة المالية 2026، يرتفع إلى 3.1 تريليون دولار في 2036. وبحلول ذلك العام، قد يصل الدين المحتفظ به لدى الجمهور إلى 120% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 101% هذا العام، متجاوزاً بذلك أعلى مستوى تاريخي سابق بلغ 106% بعد الحرب العالمية الثانية.

والأكثر إثارة للقلق، أن الدين الأمريكي قد يواصل التحليق إلى 175% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2056، وفق توقعات المكتب الحالية. والذي يُقدّر أيضاً أن تتجاوز مدفوعات الفائدة الصافية تريليوني دولار سنوياً في 2036، ارتفاعاً من نحو تريليون دولار في 2026.

بمعنى آخر، مشكلة الولايات المتحدة ليست في حجم الدين فقط، وإنما في ديناميكيته. أي كلما ارتفع الاقتراض، زادت الفوائد؛ وكلما ارتفعت الفوائد، اتسع العجز؛ وكلما اتسع العجز، احتاجت الحكومة إلى مزيد من الاقتراض.

وحش الفائدة

خلال الأشهر العشرة الأولى من السنة المالية 2026، بلغت مدفوعات الفائدة الصافية في الولايات المتحدة نحو 963 مليار دولار، متجاوزة إنفاق وزارة الدفاع البالغ نحو 763 مليار دولار خلال الفترة نفسها.

يأتي ذلك في وقت ترتفع فيه تكلفة الاقتراض أيضاً في السوق. فقد تجاوز عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عاماً 5.3% في أغسطس/آب، وهو أعلى مستوى منذ 2007، قبل أن يتراجع بعد تدخل وزارة الخزانة عبر توسيع عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل.

هذه التطورات مهمة لأن ارتفاع العائد لا يؤثر في السندات الجديدة فقط؛ إذ يعاد تمويل جزء من الدين القائم باستمرار. ومع ضخامة حجم الاستحقاقات، فإن انتقال أسعار الفائدة إلى متوسط تكلفة الاقتراض الحكومي يصبح تدريجياً أكثر وضوحاً في الموازنة.

وهذا ما يحذر منه CBO كذلك، إذ يتوقع أن ترتفع تكلفة الفائدة الصافية من نحو 3.3% من الناتج المحلي في 2026 إلى 4.6% في 2036.

الضرائب والإنفاق 

لا تأتي الضغوط من جانب واحد. فالإنفاق على الضمان الاجتماعي وبرامج “ميديكير” و”ميديكيد” يواصل الصعود إلى 2.9 تريليون دولار في الأشهر العشرة الأولى من السنة المالية 2026، مع تقدم السكان في العمر وارتفاع تكاليف الرعاية الصحية.

ويشير CBO إلى أن عدد الأميركيين الذين تبلغ أعمارهم 65 عاماً أو أكثر أصبح يقارب ثلاثة أضعاف ما كان عليه قبل 50 عاماً، ومن المتوقع أن يرتفع بنحو 15% إضافية خلال العقد المقبل. ونتيجة لذلك، ستزداد أعداد المستفيدين من الضمان الاجتماعي و”ميديكير”، بينما ترتفع أيضاً تكلفة الرعاية الصحية لكل مستفيد.

في المقابل، أدت التشريعات الضريبية الأخيرة إلى زيادة الضغط على الإيرادات. ويقدر مكتب الميزانية في الكونغرس أن قانون التسوية لعام 2025 سيضيف نحو 4.7 تريليون دولار إلى العجز التراكمي بين 2026 و2035، بعد احتساب تكاليف خدمة الدين والتأثيرات الاقتصادية، بينما تخفض الرسوم الجمركية المتوقعة العجز بنحو 3 تريليونات دولار خلال الفترة نفسها.

يكشف ذلك محدودية الرهان على الرسوم الجمركية كحل لمشكلة العجز. فالإيرادات الجمركية يمكن أن تخفف فجوة التمويل، لكنها لا تعالج المحركات الأساسية للإنفاق، ولا سيما برامج الاستحقاقات والفائدة.

هل تقترب أميركا من أزمة ديون؟

لا يعني تجاوز 40 تريليون دولار أن الولايات المتحدة على وشك التخلف عن سداد ديونها. فالدولار لا يزال العملة الاحتياطية الرئيسة عالمياً، وسندات الخزانة الأميركية تمثل أحد أكبر وأعمق أسواق الأصول الآمنة والسيولة في العالم.

لكن هامش الأمان محدود. فقد بدأت الأسواق تطلب عوائد أعلى على الديون طويلة الأجل، في وقت تراجعت فيه شهية بعض المستثمرين الأجانب تجاه الأصول الأميركية. وارتفاع العوائد يرفع بدوره تكلفة الاقتراض للحكومة والأسر والشركات، من الرهن العقاري إلى قروض الشركات، كما يمكن أن يضغط على الاستثمار وتقييمات الأسهم.

حتى سقف الدين نفسه قد يعود إلى الواجهة قريباً. فقد رفع قانون 2025 سقف الاقتراض إلى 41.1 تريليون دولار، لكن مراكز الأبحاث تتوقع أن تبلغ الحكومة هذا الحد مجدداً في صيف 2027 إذا لم يتدخل الكونغرس.

وعليه، فإن الرقم القياسي الجديد لا يمثل مجرد محطة محاسبية. إنه إنذار بأن الولايات المتحدة تدخل مرحلة يصبح فيها الاقتراض نفسه جزءاً من مشكلة الموازنة. وكلما تأخرت واشنطن في معالجة الفجوة بين الإيرادات والإنفاق، أصبحت الخيارات المتاحة أكثر كلفة سياسياً واقتصادياً: ضرائب أعلى، إنفاق أقل، نمو أسرع، أو مزيج من هذه الحلول.