بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر
بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر

مقالات مشابهة

تقرير ميداني

حين يشتد الجفاف ويعمّق الفجوة الجندرية.. نساء شمال إفريقيا في مواجهة أزمة المناخ وغياب السياسات

بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر
بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر

في قرى لا تحضر كثيراً في النقاشات الدولية حول المناخ، يبدأ يوم آلاف النساء في شمال إفريقيا قبل شروق الشمس بساعات. لم يعد الماء مورداً قريباً كما كان قبل عقد أو عقدين، بل مهمة يومية شاقة تتطلب قطع مسافات أطول في بيئة أكثر حرارة وجفافاً. ومع تراجع الأمطار ونضوب الآبار، تحول الجفاف من ظاهرة بيئية إلى عامل يعيد إنتاج اختلالات اجتماعية قديمة، ويكشف هشاشة الاستجابات الرسمية لتغير المناخ، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالنساء.

تشير بيانات المرصد الأوروبي للجفاف (Copernicus/JRC) إلى أن شمال إفريقيا شهدت بين عامي 2020 و2025 موجات جفاف متتالية تُصنَّف بين الأشد منذ عقود. وقد ترافق ذلك مع ارتفاع ملحوظ في درجات الحرارة وتراجع معدلات الهطول المطري، ما أدى في بعض المناطق الزراعية إلى انخفاض إنتاج المحاصيل بنسبة تجاوزت 40%. هذه الخسائر لا تُترجم فقط إلى أرقام اقتصادية، بل إلى ضغوط معيشية مباشرة على أسر تعتمد أساساً على الزراعة المعاشية.

عبء متزايد 

في معظم المجتمعات الريفية، تقع مسؤولية جلب المياه والوقود ورعاية الأسرة على عاتق النساء. ومع تفاقم الجفاف، يتضاعف هذا العبء غير المدفوع، من دون أن يُحتسب في السياسات العامة أو خطط التكيّف المناخي. يوضح تقريرٌ مشترك صادر عن منظمة الأغذية والزراعة “الفاو” واتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر “UNCCD” لعام 2025 أن النساء يقضين وقتاً أطول بكثير في تأمين المياه، غالباً في ظروف مناخية قاسية، ما ينعكس سلباً على صحتهن الجسدية والنفسية، ويزيد من مخاطر تعرضهن للعنف أثناء التنقل في مناطق معزولة.

في المغرب، خلص تقييم أجرته منظمة “CARE International” عام 2023 إلى أن الجفاف أسهم في توسيع فجوة العمل غير المدفوع بين النساء والرجال، بالتوازي مع تقلّص فرص وصول النساء إلى الأراضي الزراعية والتمويل. هذا التداخل بين العوامل المناخية والاقتصادية والقانونية يجعل قدرة النساء على التكيّف أقل، رغم كونهن في قلب إدارة الموارد اليومية.

الأمن الغذائي كأزمة جندرية

لا تتوزع آثار الجفاف بالتساوي داخل الأسرة والمجتمع. فمع تراجع الإنتاج الزراعي وارتفاع أسعار الغذاء، غالباً ما تكون النساء أول من يقلّص استهلاكه لضمان إطعام بقية أفراد الأسرة. وفي هذا الصدد، يشير تقرير البنك الدولي حول المناخ والتنمية في المغرب لعام 2023 إلى أن هجرة الرجال بحثاً عن العمل تترك النساء في مواجهة مباشرة مع مسؤوليات إعالة الأسرة وإدارة الموارد، من دون تمكين اقتصادي أو حماية قانونية كافية.

وعلى مستوى شمال القارة، تحذّر “UNCCD” من أن الجفاف المزمن يرتبط بتراجع تعليم الفتيات، وارتفاع مخاطر زواج القاصرات، وتدهور مؤشرات التغذية، خصوصاً لدى الأمهات والأطفال. وما يبدأ كصدمة مناخية يتحول، في غياب تدخلات بنيوية، إلى أزمة اجتماعية طويلة الأمد تُعيد إنتاج الفقر وعدم المساواة.

فاعلات لا مجرد ضحايا

رغم هذا السياق القاسي، لا يمكن اختزال النساء في موقع الضحية السلبية. ففي المغرب والجزائر وتونس، تقود نساء مبادرات محلية للتكيّف مع الجفاف، تشمل اعتماد محاصيل مقاومة، وإدارة مجتمعية للمياه، والحفاظ على البذور المحلية. وتشير بيانات “الفاو” إلى أن المبادرات التي تقودها النساء غالباً ما تحقق نتائج أفضل على مستوى الأمن الغذائي والصمود المجتمعي، ليس بسبب “خصوصية جندرية” بقدر ما يعود إلى قربهن من إدارة الموارد اليومية.

تؤكد التقارير الأممية أن تمكين النساء من حقوق ملكية الأرض، وتسهيل وصولهن إلى التمويل والتقنيات الزراعية، لا يُعد مسألة إنصاف اجتماعي فقط، بل شرطاً عملياً لنجاح سياسات التكيّف مع تغير المناخ.

فجوة السياسات

مع توقعات باستمرار الجفاف وتفاقمه خلال العقد المقبل، تدعو تقارير “الفاو” و”البنك الدولي” و”كوبرنيكوس” إلى مراجعة السياسات المائية والزراعية في شمال إفريقيا، بحيث تأخذ البعد الجندري بجدية. ويشمل ذلك إشراك النساء في صنع القرار المحلي، والاستثمار في تحلية المياه وإعادة استخدامها، وضمان وصول النساء إلى برامج التمويل والدعم المناخي.

تُظهر الوقائع أن تجاهل هذا البعد سيعمق أكثر من عدم المساواة، ويهدد الاستقرار الاجتماعي في منطقة تعاني أصلاً من هشاشة اقتصادية ومناخية. أما الاعتراف بدور النساء وتمكينهن، فسيفتح الباب أمام مقاربة أكثر واقعية وعدالة في مواجهة أحد أخطر تحديات القرن الحالي.