في تطور يعكس تصاعد الصراع على الموارد الاستراتيجية في منطقة الساحل، فتحت السلطات القضائية في باريس تحقيقاً في ما تصفه بـ«سرقة منظمة» لكميات كبيرة من اليورانيوم المُركز من شمال النيجر. التحقيق، الذي يتجاوز أبعاده التجارية، يضع الملف في قلب اشتباك قانوني وسياسي مُعقّد، تتداخل فيه حسابات الأمن القومي الفرنسي مع تحولات النفوذ الدولي في إفريقيا.
أثارت قضية «سرقة منظمة» قلقاً متزايداً داخل الدوائر الرسمية الفرنسية، ليس فقط بسبب الخسارة الاقتصادية، بل بسبب احتمال توظيف هذا المورد الحساس في مسارات جيوسياسية منافسة، في ظل التدهور الحاد في العلاقات بين باريس والمجلس العسكري الحاكم في نيامي، وصعود أدوار دولية بديلة، على رأسها روسيا.
ملف «السرقة المنظمة»
تتمحور القضية حول اختفاء ما يقارب ألف طن من اليورانيوم المركز، المعروف في الصناعة النووية بـ«الكعكة الصفراء»، من مواقع استخراج في شمال النيجر. هذه المواقع كانت خاضعة لعقود استغلال طويلة الأمد من قبل مجموعة “أورانو” الفرنسية، قبل أن تؤدي التغييرات السياسية الأخيرة إلى قلب المعادلة القانونية والإدارية.
وتُقدَّر القيمة السوقية الأولية للكميات المفقودة بنحو 160 مليون يورو، وهو رقم يكتسب ثقله الحقيقي عند ربطه بحساسية المادة نفسها ودورها المحوري في سلاسل الإمداد النووي الفرنسية. وبناءً على معطيات قدمتها الشركة، باشرت النيابة العامة في باريس تحقيقاً رسمياً في «سرقة منظمة» لمواد استراتيجية خاضعة، وفق الرواية الفرنسية، لإطار قانوني دولي مقيِّد للتصرف.
تحقيق استخباراتي
اللافت في هذا المسار أن التحقيق لم يُحَل إلى أجهزة الشرطة التقليدية، بل أُسند منذ أغسطس/آب 2025 إلى المديرية العامة للأمن الداخلي الفرنسي (DGSI). هذا الاختيار يعكس إدراكاً رسمياً بأن القضية تتجاوز النزاع التجاري، لتلامس اعتبارات الأمن القومي وسلامة الإمدادات الإستراتيجية.
تتركز المخاوف الفرنسية حول «الوجهة النهائية» المحتملة لهذه الكميات، في ظل تقارير غير مؤكدة عن سعي أطراف دولية لتعزيز حضورها في قطاع الموارد الإفريقية، مستفيدة من تراجع النفوذ الغربي التقليدي في المنطقة.
الجذور السياسية للنزاع
لا يمكن فصل هذا الملف عن السياق السياسي الذي أعقب سيطرة المجلس العسكري على السلطة في النيجر. فقد اتخذت السلطات الجديدة سلسلة إجراءات وُصفت في باريس بأنها «تأميم قسري» لأصول التعدين، شملت تعليق أو إلغاء امتيازات سابقة، وهو ما تعتبره فرنسا خرقاً لالتزامات تعاقدية محمية بقرارات تحكيم دولية.
في المقابل، يستند الخطاب الرسمي في نيامي إلى مفهوم «استعادة السيادة على الموارد»، وهو خطاب يحظى بقبول شعبي داخلي، لكنه يصطدم بإطار قانوني دولي معقّد، يقيّد – وفق الرؤية الفرنسية – بيع أو نقل مخزونات استراتيجية قائمة قبل التغيير السياسي.
اختبار للنفوذ والقانون
يتجاوز هذا التحقيق مسألة يورانيوم مفقود، ليشكّل اختباراً حقيقياً لقدرة الأدوات القانونية الدولية على الصمود أمام تحولات القوة السياسية في إفريقيا. كما يسلّط الضوء على كيفية تحوّل الموارد الطبيعية، في لحظات الاضطراب السياسي، إلى أدوات صراع جيوسياسي تتشابك فيها مفاهيم السيادة، الشرعية، والأمن.
في هذا السياق، لا تبدو «حرب الكعكة الصفراء» مجرد عنوان إعلامي، بل توصيفاً دقيقاً لمعركة صامتة تُدار في المحاكم، وأروقة الاستخبارات، وأسواق النفوذ الدولي، مع نتائج مفتوحة على أكثر من سيناريو.















