يعيد التفجير الانتحاري الذي استهدف مسجد وحسينية خديجة الكبرى في منطقة تيرلاي في العاصمة الباكستانية ملف الإرهاب والطائفية إلى واجهة النقاش الوطني، بعدما أسفر عن سقوط عشرات القتلى والجرحى بين المصلين المدنيين أثناء صلاة الجمعة.
يُجسد الهجوم تحدياً حقيقياً لقدرة الدولة على حماية جميع المواطنين، بغض النظر عن خلفياتهم الدينية أو المذهبية، ويُبرز هشاشة النسيج الاجتماعي أمام عمليات العنف المتكررة التي تستهدف المدنيين وأماكن العبادة. فهو لم يكن مُجرد خرق أمني، بل انعكاس لخطر أوسع يهدد النسيج الاجتماعي واستقرار الدولة، خصوصاً في ظل استمرار استهداف أماكن العبادة والطوائف المختلفة من قبل الجماعات المتشددة.
تفاصيل التفجير والأثر الرمزي
وقع الانفجار أثناء صلاة الجمعة في الحسينية التي يرتادها غالبية المصلين من الشيعة. اختيار مكان العبادة يسلط الضوء على البعد الرمزي للهجوم، إذ يسعى إلى زرع الخوف بين الطوائف وتقويض الشعور بالأمان في العاصمة.
الهجمات من هذا النوع تؤثر على المجتمع بأسره، فهي تزرع الشك والخوف بين المواطنين، ما يجعل الإرهاب أكثر فتكاً من كونه مجرد عمل إجرامي عابر.
من وراء التفجير؟ معطيات مؤكدة وخلفيات
لم يعد الغموض يحيط بالجهة المنفذة، بعدما أعلن تنظيم الدولة الإسلامية مسؤوليته عن التفجير. وأكد موقع “سايت” المتخصص في تتبع الجماعات الجهادية أن التنظيم تبنّى العملية، مشيراً إلى أن أحد عناصره فجّر “حزامه الناسف وسط تجمع للشيعة”، ما أسفر عن سقوط عدد كبير من القتلى والجرحى.
ينسجم تبنّي التنظيم للهجوم مع نمطه المعروف في باكستان والمنطقة، من حيث استهداف الشيعة وأماكن عبادتهم، واختيار التوقيت الذي يضمن أكبر حصيلة ممكنة من الضحايا. ويشكّل المسلمون الشيعة ما بين 10 و15% من سكان باكستان، وقد كانوا على مدى سنوات هدفاً لهجمات مماثلة في مدن ومناطق مختلفة.
تعكس عودة التنظيم الإرهابي إلى تنفيذ عمليات بهذا الحجم في العاصمة الباكستانية إسلام آباد سعيه إلى إثبات حضوره في المدن الكبرى، وعدم الاكتفاء بالعمل في المناطق الطرفية أو الحدودية، في وقت تشهد فيه البلاد تصاعداً في التحديات الأمنية على أكثر من جبهة.
البعد الطائفي وأزمة المواطنة
باكستان بلد متنوع دينياً ومذهبياً، واستهداف أي طائفة يسلط الضوء على استغلال الجماعات المتشددة للانقسامات الطائفية. المشكلة الأساسية ليست التنوع نفسه، بل في غياب حماية الدولة لجميع المواطنين على قدم المساواة.
حين يشعر أي مكوّن من المجتمع بعدم الأمان بسبب هويته الدينية، يتحول التنوع إلى مصدر توتر اجتماعي، ويصبح المجتمع أكثر عرضة للتطرف والعنف. لذلك، الهجوم على حسينية الإمام الحسين ليس مجرّد حادث، بل تحذير من تآكل الثقة بين المجتمع والدولة.
الدولة بين الأمن والمواطنة
تُظهر التجربة الباكستانية أن التركيز على الإجراءات الأمنية وحدها لا يكفي لمواجهة الإرهاب، خصوصاً عندما يأخذ طابعاً طائفياً. على الرغم من الانتشار الأمني المكثف، يستمر استهداف المدنيين وأماكن العبادة، ما يكشف عن ثغرات هيكلية في قدرة الدولة على حماية جميع المواطنين بشكل متساوٍ، بغض النظر عن معتقداتهم أو انتماءاتهم الطائفية.
وغياب مقاربة شاملة تجمع بين الأمن والسياسات المؤسسية والاجتماعية سمح للجماعات المتطرفة باستغلال الفراغ السياسي والاجتماعي ونشر خطاب الكراهية والعنف، ما أدى إلى تعميق الانقسامات الطائفية وزيادة شعور المواطنين بعدم الأمان.
في هذا السياق، يظهر الإرهاب الطائفي ليس فقط كتهديد للأمن، بل كاختبار حقيقي لقدرة الدولة على ضمان الحقوق والحريات الأساسية لكل مواطنيها، وهو ما يعكس مدى نضج النظام وقدرته على الحفاظ على التعايش الاجتماعي.
قد تؤدي التفجيرات المتكررة إلى اعتياد المجتمع على العنف، ما يقلل من ردود الفعل ويضعف الضغط المجتمعي لإصلاح الأسباب الجذرية. فالإرهاب لا يهدد الأرواح فقط، بل يمس حرية العبادة والحياة العامة والشعور بالأمان في الأماكن المشتركة، ويستمر في اختبار قدرة الدولة على حماية مواطنيها.
الدفاع عن التعددية وحماية الدولة
يعيد الهجوم الأخير على الحسينية التأكيد على أن الإرهاب الطائفي ليس مجرد تهديد أمني، بل اختبار لقدرة الدولة على حماية المواطنة والحريات. إن حماية جميع المواطنين، أياً كانت خلفياتهم الدينية، هي أساس الاستقرار الوطني.
تكشف التفجيرات الطائفية في باكستان، عن ضعف الدولة وعجزها عن حماية المواطنين بغض النظر عن معتقداتهم، وتعرّي الفجوات العميقة في المؤسسات الأمنية والقضائية. واستمرار الهجمات يهدد تفكيك النسيج الاجتماعي وزيادة الانقسامات بين الطوائف، ويترك المجال مفتوحاً للجماعات المتطرفة لاستغلال الخلافات السياسية والاجتماعية.
كل يوم تتراجع فيه الدولة عن فرض سيطرتها الفعلية، تتسع دائرة الخطر، ويضعف شعور المواطنين بالأمان والثقة في قدرتها على حفظ أمنهم وحرياتهم الأساسية، ما يجعل باكستان تحت ضغط مستمر بين العنف الطائفي والمطالبة بالتماسك الوطني.








